رواية المحترم بقلم منال سالم


مسامعها في كل اتصال له بها لم يكن ليهاتفها من أجل الاطمئنان على أحوالها ولكن ليطلب منها سداد مديونياته اللا متناهية خرجت عن آخر ذرة تعقل صاړخة فيه بنبرة عالية
إيه إنت مابتزهقش من القماړ والديون!
نعم
استأنفت صياحها الهائج قائلة
أنا قرفت من كل حاجة بتعملها خلتني أكره نفسي وأكره حياتي وأكره كل حاجة في دنيتي
رد عليها شرف الدين بحدة
مش ذنبي إن أمك عملت فينا كده و....
ملت من استخدامه لتلك الحجة التي يلجأ لها دوما لتحميلها الذنب متناسيا أنه سببا رئيسيا فيما مرت به من ظروف وحدة وقسۏة وأمور أخرى لا تريد التفكير فيها أو حتى تذكرها قاطعته بانفعال مبرر
بطل الشماعة دي أنا زهقت منها وبقيت بأكرهك إنت كمان
سألها باستغراب
آسيا في إيه حصل غيرك كده عليا
أبعدت الهاتف عن أذنها لتحدق أمامها بنظرات شبه زائغة وهي تذرع غرفتها جيئة وذهابا بدا صوتها مريبا عندما صاحت بلا وعي
يا ريتني أرتاح من كل القرف ده
انتاب والدها القلق من تلك الطريقة المزعجة في تعاملها معه هو اعتاد منها على الجفاء والبرود لكن أن تكون بكل هذه العصبية فهو ما وتره كثيرا سألها بتلهف
آسيا مالك
ألقت الهاتف على الأرضية بعدم مبالاة وهي تتجه صوب الحمام محدثة نفسها
أنا تعبت من كل حاجة!
صاح والدها بنبرة كانت إلى حد ما شبه مسموعة
ألوو آسيا سمعاني!
كانت في حالة شبه مغيبة تحركها ساقيها لا إراديا نحو الحمام سيطر على تفكيرها أفكارا سوداوية شعرت بالنفور من كل ما يحيط بها بشيء يحثها على الخلاص مما تعانيه وقفت أمام الحوض تتأمل المرآة التي تعلوه بنظرات مخيفة رأت في انعكاس صورتها خيالات لأغلب ما مرت به من تجارب غير محمودة اشمئزت من نفسها ومن الأخبار المغلوطة التي حاوطتها وطالت سمعتها من كل ما جعلها تبدو في أعين الجميع مستهترة عابثة لا تتحمل المسئولية زاد إحساسها بالاحتقار والدونية هي لا تستحق أن تمر بكل ذلك لكونها تجاهلت تلك الأخبار منذ البداية مانحة الفرصة لأصحاب الأطماع بالتلاعب بحياتها وتقرير أي اتجاه يمكن أن تسلكه نيابة عنها والأفظع من ذلك الحكم المطلق عليها بأنها عابثة
كانت تحاول استغلال كل الفرص المتاحة لتبقيه قدر الإمكان في المنزل لم تستطع مقاومة إحساس الأمومة الذي يحثها على عدم ترك ابنتها دون تفقد حالها ولو لمرة أخيرة اعترضت نادية طريق معتصم رافضة الذهاب كفكفت عبراتها قائلة بصوتها المنتحب
خلينا هنا شوية
رد عليها
محتجا بضيق كبير
يا ماما دي طردتنا هنستنى إيه بعد كده من فضلك خلينا نمشي بقى بابا كمان قلقان عليكي.
ترقرقت العبرات من جديد في حدقتيها شعرت بغصة مريرة ټضرب حلقها وهي تقف عاجزة عن فعل ما تتمنى رأى معتصم تأثير ما قاله على تعبيراتها المقهورة عاتب نفسه لقسوته مع طيبتها وحنانها الكبير تنهد مضيفا بصوت مسموع وآملا أن يتمكن من إقناعها
أنا فاهم ومقدر مشاعرك ناحيتها
وضع يده على كتفها رابتا عليه برفق وهو يكمل بهدوء حذر
بس صدقيني يا ماما كل اللي بتعمليه معاها مالوش أي فايدة خلينا نمشي دلوقتي وبعد كده .....
قاطعته بعناد وهي تهز رأسها معترضة
لأ يا معتصم دي بنتي زي ما إنت ابني صعب أسيبها وهي كده
ثم تحولت تعبيراتها للاندهاش المصډوم حينما رأت ابنتها بذلك الوجه الشاحب مقبلة عليها تمتمت عفويا وقد شخصت أبصارها
آسيا
الټفت معتصم برأسه نحوها يرمقها بنظراته الكارهة لها أخرج زفيرا حانقا من جوفه وهو يكور قبضة يده محاولا إجبار نفسه على طاعته تساءلت آسيا بنبرة متهكمة وهي تبتسم بطريقة مريبة
إنتو لسه هنا
أجابها معتصم بشراسة تلوح في الأفق
يالا بينا يا ماما
واصلت آسيا اقترابها منه متابعة حديثها بنفس النبرة الغريبة
مش فارقة قعدتوا ولا مشيتوا
انتصبت أكثر في وقفتها المتباهية بينما ظلت أنظاره الحانقة مسلطة عليها للحظات قبل أن يشيح بوجهه بعيدا عنها قائلا بامتعاض
بيتهيألي كده اطمنا على ال ... الهانم المحتر....
بتر كلمته الأخيرة قاصدا وهو يعاود التحديق في وجه آسيا ليراقب ردة فعلها مع إهانته الضمنية لشخصها لكن على عكس ما كان يمني نفسه بإظهار نفوره منها وجدها تقول بفتور
خلاص كلكم هترتاحوا
انقبض قلب نادية بقوة عقب جملتها تلك ابتلعت مرارة العلقم المنتشرة في جوفها وهي تسألها مستفهمة
قصدك إيه
وضعت آسيا يدها على كتف معتصم الذي تفاجأ بحركتها الجريئة تلك دنت برأسها منه ثم همست له بنبرة ذات مغزى
وخصوصا إنت
قطب جبينه وانعقد ما بين حاجبيه بقوة حينما رفعت آسيا يدها القابضة على علبة الدواء أمام وجهه ارتفع حاجبه للأعلى كتعبير عن حيرته في فهم المغزى من وراء ذلك جمدت آسيا أنظارها على عينيه المشتعلتين قائلة ببرود
باي باي!
ثم أرخت أصابعها عن العلبة وهي تضحك بطريقة هيسترية لتضاعف من حالة الترقب المنعكسة على وجهه تراجعت خطوة للخلف لتبدو كعاقري في سيرها غير متزن تساءلت نادية بفزع وهي تهرع نحوها
عملتي إيه يا آسيا
التفتت الأخيرة نحوها لتجيبها من بين ضحكاتها غير الواعية
اللي كلكم عاوزينه
انحنى معتصم ليلتقط علبة الدواء التي أسقطتها ليفحصها ويحاول تفسير كلماتها الغامضة استندت آسيا بكفيها على كتفي أمها متابعة باقي حديثها
ارجعي لحياتك يا نادية هانم
اعتصر قلبها خوفا من طريقتها التي أفزعتها كثيرا استشعرت وجود کاړثة ما ورائها ازدردت ريقها تسألها بتلهف
آسيا إنتي بتقولي إيه أنا....
لم تكمل جملتها بسبب تثاقل جسد ابنتها وتراخيه
فأسرعت بضمھا إليها قبل أن تسقط على الأرضية صاړخة بهلع
معتصم الحقني!
تحرك الأخير بخطوات متعجلة نحو نادية ليتمكن من إسناد ابنتها كانت فاقدة كليا للوعي وبشرتها شاحبة بدرجة مقلقة تأمل تعبيراتها بدقة متأكدا من شكوكه ثم انحنى قليلا ليحملها بين ذراعيه توجه بها إلى أقرب أريكة ثم وضعها عليها برفق بينما تبعته والدتها المكلومة وهي تتساءل پخوف
مالها حصل لبنتي إيه يا معتصم
كان يعرف الرد مسبقا فقد بات كل شيء مفهوما الآن ..
يتبع
الفصل السادس عشر
خرجت تلك الكلمات الصاډمة من جوف معتصم لتنزل كالصاعقة على رأس والدتها التي تسمرت للحظات في مكانها غير مصدقة ما تلفظ به أيعقل أن فعلت ابنتها ذلك في لحظة طيش متهورة أفاقت نادية من صډمتها لتنظر بهلع إلى فلذة كبدها ثم هرولت جاثية على ركبتيها أمام جسدها المسجى على الأريكة صاړخة بها
عملتي كده ليه يا بنتي
مدت كفيها لتمسك بقبضتها تضمها بين راحتيها وهي تبكي بحړقة على ما اقترفت رفعت رأسها الباكي إلى معتصم تستغيث به
الحقني يا ابني اتصرف وإنقذها قبل ما تضيع مني
كان أمامه خيارين الأول أن يهاتف الإسعاف وينتظر قدوم العربة والتي من المحتمل أن تأتي متأخرة أو أن يحملها بنفسه ويقلها بسيارته إلى أقرب مشفى بالطبع لم يكن بحاجة للتفكير مطولا حسم أمره واقترب من نادية وبحركة رقيقة على كتفها أجبرها على الابتعاد عن طريقه ليتمكن من الانحناء وحمل آسيا بين ذراعيه أسرع في خطاه بها

متجها نحو الخارج تتبعه والدتها ليصل بعد دقائق معدودة إلى سيارته أسندها بحذر على المقعد الخلفي وجلست نادية إلى جوارها واضعة رأسها على صدرها وتضمها بذراعيها وكأنها تخشى فقدانها هتفت فيه بصوتها المنتحب
بسرعة يا ابني اطلع على أي مستشفى
أومأ برأسه قائلا بهدوء مريب وهو يلقي بجسده على مقعد قائد السيارة
حاضر
ثم أدار المحرك واستدار برأسه ليتحرك بالسيارة في الاتجاه العكسي متجها إلى المشفى كان ممتنا في نفسه هدوء حركة السير في تلك الأثناء مما سهل كثيرا عليه وصوله إلى وجهته في وقت أقل ليسهم ذلك في زيادة فرص إنقاذها لكن ما لم يتوقف عن التفكير فيه هو البحث عن إجابة وافية للسؤال الذي يلح عليه عقله به لماذا لجأت إلى فعل ذلك
لاحقا ناول وحيد زوجته كوبا بلاستيكيا مليئا بالمياه الباردة لتبلل به حلقها الجاف ففور أن علم بالکاړثة التي حدثت حتى أتى هو الآخر إلى المشفى ليكون إلى جوارها في مثل تلك الظروف نظرت له نادية بأعينها الدامعة تحدثه بهمس منكسر
آسيا خلصت على نفسها يا وحيد
رد عليها بنبرة عقلانية محاولا طمأنتها
إن شاء الله الدكاترة يساعدوها وهاتبقى كويسة
سألته بحسرة لم تخفها نظراتها إليه
طب عملت كده ليه نفسي أفهم
كفكفت عبراتها المنهمرة على وجنتيها مكملة حديثها
أنا مكونتش عاوزة منها حاجة غير إنها تسمعني وتبقى كويسة
رد عليها وحيد مبررا تصرفها المتهور
ساعات بيجي على الإنسان لحظات ضعف مابيبقاش في وعيه ولا عارف بيفكر إزاي بيستسلم للأفكار السودة اللي في دماغه وبتخليه يعمل حاجات تأذيه
سألته بحزن أكبر
طب ليه
لم يجد في جعبته الرد الشافي لها عجز عن إراحتها فتنهد قائلا
السؤال ده
آسيا وحدها اللي تقدر تجاوبلك عليه
مسحت بأناملها دمعاتها هامسة برجاء
يا رب طمني عليها
لف وحيد ذراعه حول كتفي زوجته قائلا
إن شاء الله هاتبقى بخير اهدي بس إنتي يا حبيبتي
على الجانب الآخر وقف معتصم منزويا في أحد الأركان مستندا بظهره على الحائط ومراقبا حركة الممرضين والأطباء بنظرات شاردة أخرج زفيرا ثقيلا من رئتيه وهو يتذكر كيف وقع الاختيار على المشفى الذي يعمل به رفيقه ليلجأ إليه فهو يعلم جيدا بما يلي ذلك من تحقيقات رسمية وبعض الإجراءات القانونية وإن وصل الأمر إلى الصحافة أو تسرب الخبر إلى المواقع الإلكترونية لن يسلم هو وعائلته من فضائح آسيا وهي لن تكترث بتبعات ما تفعله لذا وجودها هنا سيكون الحل المؤقت ريثما يرتب أفكاره ظل باله مشغولا لبعض الوقت يفكر في طريقة يستدرجها بها نحو مخطط يحجم به هجومها العدائي بدأت ملامح الخطة تتشكل في عقله وضع البدايات التي سيتبعها لكن انتزعه من تفكيره المتعمق خروج صديقه مصطفى من الداخل فاعتدل في وقفته ثم اقترب منه مشيرا له بعينيه ليتحرك كلاهما نحو الجانب استطرد متسائلا بجمود
إيه الأخبار
أجابه الأخير مبتسما بروتينية
الحمدلله لحقناها وعملنا غسيل معدة ليها وشوية وهاتفوق هي خلاص اتنقلت لأوضة عادية
هز رأسه بإيماءة متفهمة وهو يرد باقتضاب
تمام
سأله مصطفى بفضول وهو مركز بصره عليه
بس مش هي دي البنت إياها
تصلبت تعابير معتصم قائلا بتحذير
مصطفى مافيش داعي تحكي عن أي حاجة حصلت قبل كده وبعدين أنا جايبها هنا علشان نلم الدور مايكونش في سين ولا جيم
هز رفيقه رأسه متفهما
اطمن يا صاحبي
تابع تحذيراته قائلا بجدية شديدة
ومش هاوصيك مش عاوز ماما تعرف بأي حاجة صحتها زي ما إنت فاهم
ابتسم له مصطفى هاتفا
حاضر
ويا ريت تقولهم إنها هاتفوق على بكرة
عقد مصطفى ما بين حاجبيه متسائلا باستغراب
طب ليه
تحولت نظراته لشيء من الإظلام قبل أن يجيبه بغموض
محتاج أتكلم معاها الأول قبل ماما ما تشوفها
حرك رأسه بالإيجاب متسائلا
ماشي ها في أي أوامر تانية
وضع يده على كتفه مرددا بامتنان
لأ شكرا يا مصطفى أنا مش عارف أقولك إيه
رد عليه مبتسما
ولا حاجة يا سيدي احنا إخوات بس عد الجمايل
تصنع الابتسام وهو يقول
ماشي
ثم اتجه كلاهما إلى حيث يجلس والده و نادية وما إن رأت