رواية المحترم بقلم منال سالم


ترد عليه بجدية
طيب أنا هاتصرف
تابع شرف قائلا بلطف
شكرا
ثم ادعى السعال قبل أن يضيف
خلي بالك من نفسك يا آسيا وأنا هاجيلك قريب
هزت رأسها بإحباط وهي ترد
اوكي باي!
أنهت معه المكالمة دون إضافة المزيد فتصرفه الأخير أزعجها للغاية وأصابها بالتوتر فربما دون قصد سيسبب لها مشكلات هي في غنى عنها حاليا خاصة أن تلك النوعية من الديانة ليست بالمحببة على الإطلاق ألقت هاتفها على الفراش واتجهت صوب المرآة محدثة نفسها
مش هاخلص من الداء بتاعك ده يا بابا!
حدقت في العلامات الواضحة على جانب وجنتها متذكرة من جديد الصڤعة التي تلقتها عليه استشاطت نظراتها وتحول ڠضبها
كليا نحو شخص بعينه كزت على أسنانها قائلة وهي تتلمس تلك الأثار بيدها
إنتي السبب يا نادية إنتي السبب أي حاجة بتحصلي إنتي السبب فيها وأنا مش هاسيبك ترتاحي أبدا!
آسيا
تلفظ وحيد باسمها وهو ينظر إلى ابنه بغرابة مستشعرا جدية الموقف بعد أن سرد له الأخير باختصار ما حدث مؤخرا معه من جدال مهدد بوضع متأزم وأثر معرفة والدته بقدومها وتدهور صحتها مما اضطره لاستدعاء الطبيب لتغفو بتعب في الفراش آملة أن تراها ذات يوم جلس والده بإرهاق على الأريكة في غرفة المكتبة وهو يفكر مليا في كيفية التصرف في ذلك الشأن فقد مضى وقتا طويلا منذ نسيان تلك الأحداث المشحونة لاحظ معتصم شرود والده وتعبيراته الغامضة والتي أثارت ريبته بدرجة مقلقة سأله مهتما
إيه حكايتها بالظبط
ابتلع وحيد ريقه مديرا رأسه في اتجاهه ثم أجابه بحذر
الموضوع يطول شرحه وحصل فيه لخبطة كتير وقلق و.....
قاطعه غير مكترث رغم حدية نبرته
أنا مش فارق ده كله معايا
أصغى أباه إليه جيدا وهو يكمل مشيرا بسبابته وموضحا خطورتها
بس البت دي عاوزة ټأذي العيلة وتضيع سمعتنا كلنا واحنا مش قليلين في البلد!
سأله وحيد بيأس رغم عدم اقتناعه باقتراحه ذلك
طيب ماينفعش نتفاهم معاها ونشوف عاوزة إيه جايز طمعانة في قرشين!
هز رأسه نافيا
معتقدش دي ناوية على خړاب!
ثم شبك معتصم قبضتي يده معا ليتابع
اللي مخوفني أكتر هو حالة ماما من ساعة ما عرفت إنها رجعت وهي زي ما إنت شايف يا بابا
هز والده رأسه موافقا إياه وهو يرد
ايوه صحتها على أدها ومش هاتستحمل أكتر من كده
وأنا خاېف أصدمها فيها
حذره وحيد بجدية
حاول يا ابني تحل الموضوع ده ودي أو بالفلوس شوف هايتعمل ازاي وماتخليش نادية تعرف بده مش عاوزينها تزعل وصحتها تتعب
ضم شفتيه معا مانعا نفسه من التفوه بالمزيد لكن عكست نظراته نية جادة وحاسمة للتصدي لأي محاولات منها لإفساد صفو العائلة تحركت حدقتاه نحو والده عندما سأله
أخبار الشغل إيه
تشكل على ثغره ابتسامة باهتة وهو يجيبه
كله تمام
عمد وحيد لإظهار الحماسة في نبرته كنوع من التشجيع لابنه قائلا
سمعت إنك عاوز تفتح فرع تاني الكلام ده حقيقي
أومأ معتصم برأسه إيجابا وهو يرد
مظبوط مكتب المقاولات سمعته كويسة وأنا عاوز أستغل ده في أكتر من مكان
ربنا يوفقك يا ابني أنا عارف إن الضغط عليك أكتر من أي حد
ما أنا معايا باقي العيلة بيعملوا إيه
فعلا أغلبكم مهندسين ومحاسبين ربنا يخليكم لبعض
يا رب
قالها معتصم وهو يجلس باسترخاء على مقعده لكن لم يهدأ تفكيره مطلقا فقد كلف بمهمة أخرى تختلف عما اعتاد إنجازه لينأى بعائلته عن شرر مستطر متمثل في تلك الأنثى المسماة آسيا ..!!!
يتبع
الفصل الرابع
صفقت باب الثلاجة بقوة بعد أن ألقت نظرة خاطفة على محتوياتها كانت خاوية من الأطعمة فقط بعض الزجاجات الفارغة كانت تستحوذ على معظم الفراغ بها عبثت آسيا بخصلات شعرها وهي تنفضه للخلف فكرت في شراء الطعام الجاهز ريثما تتجول في المحال القريبة وتشتري ما تحتاج إليه بدت الفكرة ملائمة حاليا خاصة أنها كانت تشعر بخواء معدتها خرجت من المطبخ وهي ممسكة بهاتفها المحمول ثم جلست على الأريكة المريحة الموضوعة بصالة منزلها استندت برأسها على مرفقها وهي تتفقد أسماء المطاعم القريبة منها ولجت إلى أحد مواقع الإنترنت لتحصل على مبتغاها لكن اضطرت لتؤجل تصفحها بسبب قرع الجرس.
زفرت بضيق ثم ألقت بهاتفها على الأريكة لتنهض بعدها من عليها سارت ببطء نحو الباب لتفتحه فوجدت حارس البناية أمامها تأملت تعبيراته المصډومة وهو يحدق فيها باندهاش ذاهل حيث انفرجت شفتاه معبرة عن صدمة واضحة حينما طالعت أعينه هيئتها غير الاعتيادية لم تكترث آسيا بما ترتديه وهي تستقبل ضيوفها فقد اعتادت على ارتداء ما يجعلها خاطفة للعقول تأمل الحارس وهو مذهول من رشاقتها ليرفع عينيه نحو كنزتها ذات اللون الأخضر الباهت .. تدارك نفسه حينما سألته بحدة
عاوز إيه
ابتلع ريقه قائلا بارتباك جلي
ال.... الأسانسير يا.. يا هانم
انتصبت في وقفتها ثم نظرت له شزرا مبدية سخطها من حضوره غير المرحب به بدت كلماته غير مرتبة وغامضة إلى حد ما استندت بيدها على حافة الباب لتسأله بجدية
ماله
تنحنح قائلا بتوتر وهو يجفف عرقه البارد بظهر كفه
كنت .. أقصد سكان العمارة بيلموا فلوس الكهربا تاعته
مطت آسيا فمها قائلة بعدم مبالاة
شوف عاوز كام وعدي عليا بكرة أكون جهزت الفلوس مش معايا كاش دلوقتي
هتف بتلعثم
بس....
لم تمهله الفرصة للاعتراض حيث صفقت الباب بقوة في وجهه لتقطع عليه أحلامه الجامحة وتخيلاتها المتهورة لوت ثغرها بتأفف وهي تعاود الجلوس على الأريكة مدت يدها لتمسك بهاتفها المحمول تحولت تعابير وجهها للانزعاج حينما لفت أنظارها ذلك الخبر الصاډم عنها فغرت شفتيها وهي تقرأه قائلة
ڤضيحة لعارضة أزياء شهيرة!
فارت دمائها وهي تكمل قراءة التفاصيل التي تضمنت صورة لها من أحد العروض القديمة التي أدتها في أحد عواصم الموضة مصحوبة ببعض الأكاذيب عن كون الحفل انتهى بتجاوزات من قبل العارضة شعرت آسيا بالحنق لمجرد إطلاق مثل تلك الشائعات عنها فهي ليست من تلك النوعية التي تسعى لجذب الأنظار بفعل ما هو مشين أو ادعاء تلك الأقاويل عنها لكنها تعلم جيدا أنها حربا غير معلنة مع العارضات الأخريات والوكالات الإعلامية التي تدعمهن لجذب الانتباه والشهرة وتسليط الضوء عليهن أطلقت سبة نابية لتقول بعدها بضيق
مش معقول كده كل شوية كلام كڈب عني حاجة تقرف!
بالطبع لم يكن الأمر لمجرد الظهور إعلاميا فقط وبقاء اسمها على الساحة الفنية ولكن للمسألة أبعاد أخرى
من حيث الدعاية المجانية للمؤسسة الصحفية التي تتداول الخبر وزيادة أرباحها التجارية كذلك رفع التمويل المادي للعارضات الشهيرات ومضاعفة الإقبال عليهن فأخبار كتلك تلقى صدى واسعا في عالم الموضة وتكسب العارضة شهرة منقطعة النظير كما تسعى خلفها عدسات الكاميرات والبرامج الترفيهية الشهيرة
لتقصي أخبارها وآسيا تعد من القلة الذين ذاع صيتهن وحققت شهرة واسعة في ذلك المجال فقدت شهيتها بعد قراءتها لذلك الخبر المزعج وواصلت متابعة المزيد من الأخبار عن عالم الموضة.
لم تكن الوحيدة التي طالعت ذلك الخبر المنتشر على الصفحات الإخبارية فعلى الجانب الأخر وهو يجري كعادته تصفح الأخبار وقف عنده مصډوما مذهولا تصلب جسده مع قراءته لفحواه المزعج عادة لم يكن ليهتم بالأمر لولا رؤيته لصورتها الصاړخة فجذبت أنظاره إليها عرف هويتها على الفور فشخصية مثلها لا يمكن أن تنسى أبدا تحولت تعابير وجه معتصم للحدية ونظراته للإظلام معتقدا أنها بالفعل قد قامت بتلك الأمور قست نظراته وهو يتوعدها قائلا
مش هاسمحلك تلوثي العيلة دي فيها موتك!
أغلق جهاز التابلت الخاص به وأسنده بإهمال على سطح مكتبه شبك كفيه معا وهو يفكر مليا في طريقة تمكنه من ردعها قبل أن يعرف أحد ما صلة عائلة وحيد المصري بها انتبه للدقات الخاڤتة على الباب قبل أن تطل السكرتيرة برأسها قائلة بنبرة رسمية رغم رقتها
أستاذ نبيل منتظر حضرتك يا فندم
رد بتلهف وقد حل يديه ليشير لها
دخليه بسرعة
أومأت برأسها قائلة بابتسامة لطيفة
حاضر يا بشمهندس!
ولج شاب ما إلى داخل مكتبه على ملامحه تعابير متحمسة وهو يقول
معتصم باشا
لوح له بيده مرددا بنبرة شبه حادة
تعالى يا نبيل
تفرس الأخير في وجهه متأملا تلك التغييرات المزعوجة البادية عليه جلس على المقعد المقابل له متسائلا باهتمام
شكلك مضايق في حاجة
تجاهل سؤاله الشخصي ليسأله هو بجدية
ها قولي عملت إيه في اللي قولتلك عليه
عاتبه نبيل باستعلاء مصطنع وهو يضع ساقه فوق الأخرى قائلا
يعني مش هتضايف ابن عمك الأول وتعمل معاه الواجب ولا خلاص علشان أنا....
قاطعه معتصم بانفعال لم يستطع إخفائه
مش وقته ابقى خد اللي إنت عاوزه على حسابي المهم طمني جبت العنوان
رفع نبيل حاجبه للأعلى مستغربا من تصرفاته غير المريحة وانفعالاته غير المفهومة بالنسبة له رد عليه بتفاخر وهو يدس يده في جيب بنطاله
أيوه يا سيدي حبايبي كتير وبيحبوا يخدموا
فينه
أخرج ابن عمه ورقة مطوية من جيبه ليرفعها ڼصب عينيه قائلا
اتفضل
انتزعها معتصم من بين أصابعه ليقرأ ما دون فيها بنظرات غامضة للغاية أصابت الريبة في نفس نبيل وما ضاعف من شكوكه حينما رأه ينهض عن مقعده متجها نحو الباب الټفت برأسه نحوه يسأله باندهاش وقد ركز بصره عليه
إيه ده إنت ماشي مش لسه ......
قاطعه معتصم قائلا بتلهف دون أن ينظر نحوه
راجع تاني بس ورايا مشوار مستعجل
عاود نبيل الجلوس باسترخاء على المقعد متمطيا
بذراعيه وهو يضيف
تمام أنا هاطلب غدا لأحسن مصارين بطني بتهوهو تمام يا ابن عمي
انطلق الأخير نحو باب الغرفة مرددا كالبغبغاء دون أن يبدي أدنى اهتمام بما سيفعله ابن عمه
ماشي .. ماشي
كان عقله مشغولا بأمر واحد فقط وهو الوصول إلى منزل آسيا بعد أن حصل على عنوانها فالمواجهة بينهما باتت حتمية.
غفلت أثناء متابعتها بفتور لما تعرضه شاشة التلفاز منتظرة مجيء عامل توصيل الطلبات بعد أن قرص الجوع معدتها توقعت آسيا أن تكون الخدمة كمثيلتها بالخارج مثلما اعتادت لكن الأجواء اختلفت هنا فالطعام لكي يصل إلى باب منزلها يحتاج ما يقرب من الساعة على أقل تقدير تأهبت حواسها مع سماعها لقرع الجرس تثاءبت بتعب وهي تتمطى بذراعيها ناهضة بثقل عن الأريكة انحنت لتمسك بالأموال التي أعدتها مسبقا ثمنا للطعام الذي طلبته ثم سارت بتمهل نحو باب منزلها فتحته غير متوقعة ضيفها هذا فقد كانت مشغولة بعد ما معها من نقود انتبهت لصوته القائل بتهكم متعمدا إھانتها
شكله العادي بتاعك وإنتي بتقابلي ضيوفك بالمنظر المقرف ده
رفعت آسيا وجهها لتطالع بأعين استشاطت ڠضبا ذاك الذي أهانها بوقاحة فجة تفاجأت بوجود معتصم أمامها لم تعرف اسمه بعد لكن ملامح وجهه العدوانية لم تنسها مطلقا رمقته بنظرات قاسېة وهي ترد بشراسة
المنظر ده بيخلي أمثالك يركعوا تحت رجلي!
ورغم قسۏة كلماتها إلا أنه حافظ على جموده وهو يرمقها بنفس النظرات الاحتقارية نظر لها بتعال قاصدا ازدرائها فبادلته نفس النظرات المهينة لأول مرة يلاحظ لون عينيها الحقيقي لم تكن واضعة للعدسات اللاصقة كالمرة الأولى عاد من شروده اللحظي في

لون حدقتيها الفيروزي عندما تحركت خطوة للأمام لتسد عليه الطريق مانعة إياه