رواية المحترم بقلم منال سالم


الكوارث التي تلقى على كتفيه منذ أن وطأته آسيا وخصوصا من أفنت عمرها في تربيته ويعدها والدته نادية تلك المرأة الحنون التي تملك بين يديها مفاتيح الأمان والحنان والأمومة الفائضة عكف على الرد على أسئلتها المشتاقة عن ابنتها بحيادية وبدبلوماسية مانحا إياها الأمل الزائف في العثور عليها كان منزعجا من كذبه المستمر وادعائه لجهله بمكان تواجدها استنكر استخدام ذلك الأسلوب المضلل معها لكنه كان يخشى من تبعات لقاء محكوم عليه بمواجهة شرسة ستخلف ضحاېا خشي أن ينفضح أمره تلك المرة فقد اكتفى من أفعالها وبلغ الذروة من تعامله معه سار بخطوات متعبة نحو صورة العائلة ليتوقف أمامها شرد متأملا تفاصيلها مستعيدا أسعد لحظات العائلة
انتفض في وقفته الشاردة حينما وضع والده يده على كتفه ابتسم له قائلا
بابا
قطب وحيد جبينه متسائلا باستغراب
مالك يا معتصم أحوالك مش زي تملي!
أخرج زفيرا ثقيلا مهموما من صدره وهو يجيبه
شوية مشاكل معقدة
أخفض والده نبرته متسائلا بفضول جاد
ليها علاقة ب آسيا مظبوط
انقبض قلبه بقوة مع كلماته الأخيرة شعر أنه كالكتاب المقروء أمامه أخفى ارتباكه البائن عليه متسائلا بتلعثم
وإيه اللي يخليك تقول كده بس
رد وحيد مؤكدا وهو يومئ له بعينيه
علشان أنا عارف ابني كويس! كمان عرفت من مصادري مين هي آسيا شرف الدين!
زفر معتصم مجددا وهو يشكوه
بجد أنا محتار معاها مش عارف أعمل ايه في موضوعها
ربت والده على ظهره ثم تحرك معه إلى الأريكة الواسعة ليجلس بجواره عليها استطرد معتصم حديثه قائلا باستياء
ماما ماتعرفش حاجة عن حقيقتها مفكرة إنها جاية تسأل عنها وترجع لحضنها زي ما تكون لسه العيلة بتاعة زمان
اكتست تعابيره بالحزن وهو يكمل بضيق
وهي جاية علشان تدمرنا وتضيع كل حاجة عملناها السنين اللي فاتت وتعبنا فيها
وضع وحيد يده على كتف ابنه ضاغطا عليه ومضيفا بنبرة ذات مغزى
ظهورها في التوقيت ده أكيد وراه حاجة خد بالك أبوها مش سهل
سأله معتصم دون تفكير وقد دب الذعر في نفسه
إنت تعرفه
أجابه بنبرة ضاعفت من شكوكه
كنت أسمع عنه زمان
انقبضت عضلاته بسبب التوتر الزائد من طريقته في الحديث عنه سأله بتلهف
معلش يا بابا ممكن تفهمني بالظبط اللي حصل
أشار له والده بسبابته محذرا
الكلام ده بيني وبينك يا ريت مامتك ماتعرفش بإني حكيتلك حاجة
هز رأسه بالإيجاب مؤكدا
اطمن أنا بس عاوز أفهم أنا بأتعامل مع مين
ماشي
اعتدل وحيد في جلسته مطالعا ابنه بنظرات جامدة ليكمل بعدها بهدوء
قبل ما أتقدم ل نادية كانت مامتك طالبة مني أتجوز عليها يعني كانت حاسة إنها في أخر أيامها ولو تفتكر يا معتصم كانت تعبانة وصحتها على أدها
ركز ابنه كافة حواسه معه وتأثر لحظيا باستعادة ذكرى رحيل والدته التي شهدها بنفسه منع عبراته من الانحباس في حدقتيه وأبعدهم بأنامله متابعا باهتمام كبير باقي حديثه أضاف وحيد بأسف
لما ماټت كنت محتار أعمل إيه معاك إنت وقتها كنت لسه صغير وأنا بأسافر كتير ومعنديش حد أئتمنه عليك ساعتها ظهرت نادية في حياتي كانت عندها مشكلة كبيرة مع جوزها أو نقول طليقها
كز معتصم على أسنانه مفضلا اللجوء إلى الصمت ريثما ينتهي والده من الحديث ارتشف وحيد القليل من كوب الماء المسنود على الطاولة ليبلل جوفه المرير ثم تابع
كان لعب ضيع كل حاجة بسبب هوسه ده وكانت أخر ضحاياه نادية اتخدعت فيه للأسف وافتكرته بني آدم محترم
ارتسمت علامات الاندهاش على محيا ابنه فأوضح وحيد مبتسما باستخفاف
ماتستغربش شرف الدين
كان صاحب شركات استيراد وتصدير رجل أعمال زي أي حد بس !
أخرج من صدره زفيرا ثقيلا أكمل بعده
طلع راسم عليها علشان يبتذها وياخد فلوسها رسم نفسه صح على أبوها واتجوزتها وهي حملت منه وخلفت بنتها الوحيدة نادية استحملت منه كتير علشان خاطر تفضل جمبها كان بيهددها بيها وهي كانت پتخاف منه وبتدفع أي حاجة يطلبها بمعنى ادق بتسحب من رصيدها في البنوك لحد ما خلص عليه
تضاعف حنقه بداخله من كم الحقائق الصاډمة التي عرفها ردد بحدة وقد غلت الډماء في عروقه
إيه البني آدم ده
رد عليه والده بتأفف
إنت مش متخيل القذارة اللي كان فيها عاوز أقولك ده وصلها لحالة معدتش قادرة تستحمل فيها فلجأت للطلاق وساومها على ده لكن اللي حصل إنه كان بيضحك عليها بيضيع وقت لحد ما يجهز لحاجة تانية بعيدة عن تفكيرها
سأله دون تأخير
عمل إيه
أجابه على مضض
فهمها إنها هتاخد بنتها لو دفعت تمنها
شخصت أبصاره صائحا بعدم تصديق
نعم
أشار له والده لكي يهدأ فهو لا يريد لفت الأنظار إلى حديثهما الخاص تمالك معتصم أعصابه معتذرا فاستأنف وحيد حديثه
لو عاوزة الطلاق وبنتها تدفع تمنهم بالنسباله كل حاجة تجارة حتى بنته!
ضغط معتصم على أسنانه هامسا بغيظ من ذلك الرجل الذي انعدمت رجولته
ده إنسان !!!!
ورغم حدة الكلمات النابية التي ألقاها بلا حرج إلا أن والده لم يكن معترضا على ذلك بل على العكس أيده قائلا
وأكتر من كده كمان نادية كانت مستعدة تعمل أي حاجة علشان بس تخلص منه وتبعد بنتها عنه وهو استغل ده كويس ڼصب عليها وخد الفلوس والبنت وهرب برا مصر
انفرجت شفتاه هاتفا پصدمة
مش معقول
أضاف والده قائلا بامتعاض
نادية اڼهارت ومعرفتش تعمل ايه فضلت فترة تتعالج نفسيا وأنا كنت أعرف والدها يعني بحكم الشغل وكده وصاني عليها وبصراحة أنا لما شوفتها اتشديت ليها كنت مش بس شايف فيها الزوجة كمان الأم اللي هاتعوضك عن كل حاجة وهتحبك
طيب ليه محولتوش توصلوا للبني آدم ده
عملت كل اتصالاتي علشان أعرف هو فين بس أخباره انقطعت عننا ومقدرتش أوصله ونادية تعايشت مع أمل إن بنتها لما تكبر هتظهر في يوم وهتعرف منها الحقيقة
لوى معتصم ثغره للجانب قائلا بتهكم
ماهو واضح
ابتلع وحيد ريقه قائلا بتحذير
خد بالك يا معتصم البنت دي تربية أقذر واحد ممكن تقابله في حياتك أوعى تخليها تدمر مستقبلك
هز رأسه بإيماءات متتالية وهو يقول
اطمن
ثم سأله بجدية
طب وماما
رد بتنهيدة حزينة تحمل في طياتها قلة الحيلة
أهو أنا زيك مش عارف أعمل ايه معاها هي من حقها تشوف بنتها بس خاېف ماتستحملش الصدمة!
وضع معتصم يده على كف والده المجعد قائلا بتأكيد
ماتشلش هم أنا هاعمل كل اللي أقدر عليه
علشان أمنعها ټأذي ماما
رد عليه مبتسما بحنو أبوي رابتا بيده الأخرى على يده
أنا مطمن بوجودك يا معتصم
بادله ابتسامة باهتة وهو ينظر له بغموض كان في قرارة نفسه على يقين تام بأن المعركة معها ليست بتلك البساطة بل ستتضمن أشد المواجهات وأقساها على الإطلاق وها قد ذاق منها القليل فقط !!!!
الفصل التاسع
أتت صاحبة الوجه البشوش لتجد كليهما يتهامسان في مسألة ربما من وجهة نظرها ذات صلة بالعمل لم تكترث لذلك فالمهم عندها حاليا هو معرفة أين تقطن ابنتها فقد طال الوقت ولم تستطع الوصول إليها أو حتى التواصل معها ولن يشعر أحد بما يعتري صدرها من مشاعر أمومية تخصها وحدها تنهدت نادية بتعب وهي تسير في اتجاه زوجها ومعتصم وما إن رأها الأخير تدنو منه حتى هب واقفا من مكانه ليقول بود
ماما تعالي اقعدي معانا شوية
ابتسمت له متسائلة بعتاب رقيق
لسه برضوه مافيش أخبار عن آسيا
ورغم بساطة السؤال إلا أن الرد عليه كان يحتاج لكثير من المجهود الذهني والعضلي وحتى التعبيري ليبدو مقنعا أمام نظراتها الحنون التي تخترقه ابتلع ريقه مقتربا منها بعد أن تبادل نظرات حائرة مع أبيه مد يديه ليلتقط كفيها بين راحتيه أحنى رأسه عليهما مقبلا كلاهما في مودة ثم اعتدل في وقفته قائلا لها
لسه شوية يا ماما إنتي عارفة الحكاية مش بالساهل
اغرورقت حدقتاها بالعبرات تأثرا للهفتها المشتاقة لضم ابنتها لصدرها فخرج صوتها مخټنقا وهي تقول
صعبان عليا إن بنتي تجيلي لحد هنا وأنا ماشوفهاش نفسي بس ...
نهض وحيد من جلسته مقاطعا إياها بهدوء بعد أن رأى تأثير ما تردده على حالتها الصحية
نادية مافيش داعي للانفعال الدكتور محذرنا!
وقف إلى جوارها ثم ربت على كتفيها برفق حان محاولا احتواء حزنها طالعته بأعينها الباكية قائلة بنحيب خاڤت
ڠصب عني يا وحيد دي برضوه بنتي
ابتسم لها وهو يومئ برأسه
إن شاء الله قريب تشوفيها وترجعلك
ردت وأعينها تملأها نظرات الأمل
يا رب
ثم التفتت برأسها نحو معتصم تستعطفه
معتصم أنا عمري ما طلبت حاجة لنفسي وجودك إنت وباباك مالي عليا حياتي بس آسيا ليها حق عندي أنا أمها و...
ربما هي محقة في إحساسها نحو وحيدتها لكن للأسف الواقع المرير أقسى من ذلك الإحساس الحاني الطاغي عليها ومع ذلك حافظ على جدية تصرفاته ليبدو مهتما أمامها لذا قاطعها قائلا بهدوء
مش محتاجة تبرري يا ماما أنا هاعمل كل اللي إنتي عاوزاه
وضعت نادية يدها على صدغه تمسح عليه برفق ومرددة بامتنان
ربنا يباركلي فيك يا ابني!
بادلها ابتسامة ودودة تخفي خلفها الكثير من الانزعاج والضيق فقد ألزم نفسه من جديد بما يعجز عن فعله برحابة صدر.
على الجانب الأخر قررت آسيا أن تحتفل بما أسمته انتصارا زائفا على خصمها اللدود وذهبت لقضاء عطلة قصيرة في أحد المنتجعات السياحية الشهيرة بناء على دعوة أحد أصدقائها وكذلك لتضيع الفرصة على معتصم ليرد انتقامه بعد أن أحدثت أضرارا في سيارته حديثة الطراز كانت في قرارة نفسها تعلم أنها بحاجة لبعض الأموال لتعوض ما أنفقته مؤخرا على شراء السيارة وتسديد ديون والدها فأتت تلك الدعوة في وقتها فسوف يقام بالمنتجع عرض للأزياء يموله أحد بيوت التصاميم المعروفة
والأجر للعارضة المشاركة به كان مقاربا بدرجة معقولة لما تتقاضاه بالخارج فوافقت على الدعوة دون أن تفكر مرتين.
توقفت آسيا بعد ساعات من القيادة المتواصلة عند البوابة الخارجية للمنتجع انتزعت نظارتها لتضعها فوق خصلات شعرها المتمردة لتقول بعدها بتعال
في حجز باسمي هنا
سألها الحارس الأمني ذو الجسد الضخم بجدية
نتشرف بالاسم يا فندم
آمالت رأسها للخلف قليلا ثم أجابته
أسيا شرف الدين
أدخل الحارس بياناتها في الجهاز الإلكتروني الذي بحوزته ثم ابتسم مرحبا
تمام يا فندم اتفضلي حضرتك منتظرينك في الاستقبال وهياخدوا منك البيانات وتستلمي مفتاح الغرفة بالفندق
أومأت برأسها دون أن تعلق ثم حركت السيارة في اتجاه المدخل بعد أن فتحت بوابته الإلكترونية بالطبع إن كانت فردا عاديا لدعت الضرورة لوجود تزكية سابقة لتتمكن من الولوج لتلك النوعية من المنتجعات ذات الطبيعة الخاصة وإلا لما تم السماح لها بدخولها من الأساس فتمتاز هذه المنتجعات بأن أغلب المشاهير والمنتمين للطبقة المخملية في المجتمع يفضلون قضاء عطلاتهم وأوقاتهم الخاصة بها لكونها تضم أفخم الفنادق المزودة بالخدمات الرائعة وكذلك الفيلات المستقلة بمختلف المساحات لمحبي الخصوصية الشديدة أبدت آسيا إعجابها وهي تصف سيارتها عند بوابة الاستقبال الرئيسية للفندق وما إن رأها أحد العاملين به حتى أسرع نحوها ليتولى عنها ركنها في الجراج المحلق بالفندق ترجلت منها وسارت بخيلاء نحو موظفي الاستقبال بعد لحظات كانت في