رواية المحترم بقلم منال سالم


والممرضين الموجودين بالرواق ينظرون له بغرابة اقترب منه هاتفا بصوت شبه صارم
بشويش يا معتصم لاحظ إن احنا في مستشفى!
الټفت ناحيته قائلا بحنق وهو يكز على أسنانه
هاتجنن
يا بابا هي قاصدة تموتها بعمايلها
استاء وحيد من تلميحها الصريح بكون زوجته على وشك خسارة حياتها نفخ قائلا بضيق كبير
استغفر الله العظيم يا رب أنا مش عارف أقول إيه
رد عليه معتصم بصوته الغاضب
يا بابا أنا الوحيد اللي فاهم آسيا دي كويس وعارف هي ناوية على إيه مش هترتاح إلا لما تدفنها
هدر به وحيد بانفعال
كفاية بقى
توقف مضطرا عن قول المزيد بعد عبارته الحادة ابتعد عنه والده متخذا أحد المقاعد الشاغرة ليجلس عليه فابنه لا يقدم له شيئا سوى القسۏة على فتاة عانت الأمرين بغياب أمها وجمود والدها هو لن يدع لنفسه الفرصة ليفهم طبيعة تصرفاتها أو حتى يبرر لها مواقفها العدائية نظر له بإشفاق ثم أشاح بوجهه بعيدا عنه ليوجه أنظاره نحو باب غرفة العناية تنهد مع نفسها راجيا
ربنا يشفيكي يا نادية أنا مش هاستحمل أخسرك بعد العمر ده كله!
تحرك معتصم نحو الزاوية حيث توجد نافذة مفتوحة كان بحاجة لاستنشاق بعض الهواء غير ذلك الخانق الموجود بالمشفى انتفض في وقفته المنزوية على إثر ملمس اليد على كتفه استدار برأسه وهو يعتدل في وقفته ليجد مصطفى واقفا بجواره سأله الأخير بجدية
إيه أخبار طنط نادية
رد عليه معتصم بعصبية وهو يكاد يمسك به من ياقته
إنت اللي قولي آسيا راحت فين بعد ما اتكلمت معاها امبارح
اندهش رفيقه من ردة فعله المتجاوزة معه انتزع يده بحذر وهو يرد
أنا أصلا ماقبلتهاش من بعد ما بعدتكم عن بعض
يعني ماشوفتهاش
لأ جاتلي حالة طارئة وانشغلت بيها
أومال راحت فيه
راقب وحيد المشادة الكلامية بينهما واستشعرت وجود خطب ما نهض بحذر من مكانه واقترب منهما مصغيا بتركيز لحديثهما تساءل بجدية وقد تعقدت تعابيره
هو إيه اللي حصل بالظبط أنا مش فاهم حاجة!!!
أجابه مصطفى بلا تردد كي لا يسيء فهمه
يا عمو وحيد أنا لاقيت معتصم 
ارتفع حاجباه للأعلى في استنكار شديد مرددا پصدمة
إيه
قست نظرات معتصم نحو رفيقه لم يكن راغبا في أن تفسر الأمور من منظور محدود رد مدافعا عن نفسه بقوة
معملتش فيها حاجة أنا كنت بأكلم معاها
لكزه وحيد في كتفه قائلا بحدة
بصلي يا معتصم
نظر ابنه نحوه فواصل توبيخه له
إنت عاوزها تستنى في المستشفى بعد اللي عملته
زفر معتصم بصوت مسموع لعدة مرات قبل أن يصيح عاليا بإنكار كبير
يا بابا أنا مجتش جمبها مصطفى فهم الموضوع غلط ماتقوله يا ابني ولا خلاص لبستني في الحيط
رد عليه وحيد بلهجة شديدة
صح ولا غلط أهي في النهاية مشيت من غير ما نعرف والله أعلم راحت فين دلوقتي
لوى ابنه ثغره مرددا بتهكم
هايكون فين غير بيتها وده أنا عارف عنوانه!
لوح أباه بيده في الهواء يأمره بصرامة
طب اتفضل وديني عندها ومش هاتتصرف لوحدك أنا هاكون معاك المرادي!
لم يجد بدا من الاعتراض عليه وامتثل مرغما لأوامره ليتجه كلاهما بعدها إلى منزل آسيا.
فشل مسعى معتصم في الوصول إلى آسيا سواء في منزلها أو في الأماكن المتوقع تواجدها به كان مضطرا مع أبيه لإخفاء تلك الأنباء السيئة عن نادية لكن يبدو أن حدسها الأنثوي كان الأسبق في إعلامها بذلك فلازمت الرقود لعدة أيام في العناية الفائقة رافضة الاستجابة للعلاج ما أصابه بالحيرة حقا هو اختفائها المريب فوفقا لعادتها لم تكن لتترك ثأرها هكذا ببساطة ومع ذلك بدت كما لو أن وجودها كان أمرا مجازيا أصيب بالإحباط والڠضب وما ضاعف من إحساسه بالعڈاب هو رؤيته ل نادية تنازع للبقاء على قيد الحياة.
في تلك الأثناء حظيت آسيا بما أسمته بفترة استجمام كاملة ابتعدت فيها
ذهنيا ونفسيا عن كل المشكلات المحيطة بها أرغمت نفسها على الانفصال عما يمكن أن يؤلمها حتى انتقامها المزعوم من والدتها تناسته كانت بحاجة لتلك الفسحة الإجبارية لتعيد توازن الأمور في حياتها قضت أغلب وقتها بالفندق في المركز الصحي والرياضي وفي الحصول على تدليك مريح لجسدها بدت الأجواء بالنسبة لها رائقة لا يعكر صفوها أي شيء لولا فقط أن لمحها من لم يخطر على بالها مصادفة توقف سامر لثانية عن نفث دخان سېجاره الفاخر ليعلق أنظاره بجمالها الذي خطڤ لبه التوى ثغره بابتسامة ماكرة ورفع حاجبه للأعلى مبديا إعجابه بالصدف التي جمعته معها كان الأخير جالسا مع عدد من ممثلي بعض الشركات في البهو الرئيسي بالفندق أدار رأسه تلقائيا للجانب فرأها تمشي الهوينا بدلال جلي لا يليق إلا بها أسرت عينيه سريعا وحركت حواسه معها ففقد تركيزه مع المحيطين به ظلت أعينه مشدودة لها حتى ولجت لداخل المصعد لكن جذب انتباهه من جديد صوت أحدهم
سامر بيه إيه رأي حضرتك
اعتدل في جلسته ثم تنحنح قائلا بجدية وهو ينظر نحوه
تمام جهزوا العقود وهأعرضها على المحامي نتفق سوا
حاول قدر المستطاع أن ينهي الاجتماع ليتعامل مع ظهور آسيا صافح ضيوفه على عجالة ثم اتجه نحو استقبال الفندق وهناك تبادل حوارا وديا مع الموظف المسئول الذي لم يدخر وسعه في منحه ما يريد من معلومات أكدت له إقامتها به خاصة أنه يعد أحد الشركاء المساهمين في تشييد ذلك الصرح الفخم التوى ثغر سامر ببسمة شيطانية وقد حصل منه بسهولة على مبتغاه أشعل سېجارة فاخرة من جديد نافخا باستمتاع دخانها في الهواء بدأ في رسم الخطوط العريضة لمکيدة ماكرة ستوقعها في کاړثة كبيرة انتصب في وقفته محدثا نفسه بعبث
كده اللعب التقيل بدأ يا آسيا ماهو صعب واحدة تقولي لأ ..!!!!!
الفصل التاسع عشر
أدارت المقبض ببطء وهي تمد قدمها داخل المغطس ليبدأ الماء الدافئ في الانهمار على جسدها وإغراقه أغمضت آسيا عينيها تاركة لضغط المياه المهمة في إزاحة كل ما يؤلمها ربما أفادتها تلك العطلة في إبعادها عن الأزمات لكنها أثبتت لها أمرا هاما أنها بالفعل وحيدة لا رفاق لها أو أصدقاء مقربون يشغلونها بهمومهم ويستحوذون على وقت فراغها شعرت بمرارة الوحدة من جديد ذلك الشعور الذي تبغضه كثيرا ويوقظ فيها ذكريات لا تحبذ التفكير فيها مطلقا توقفت عن الاغتسال حينما سمعت الدقات الخاڤتة على باب غرفتها الفندقية أسرعت بارتداء روبها القطني وتأكدت من إحكام رباطه حول خصرها ولفت شعرها المبتل بمنشفة أخرى بحركة ماهرة لتبدو كالتاج أعلى رأسها اتجهت نحو الباب لتفتحه فتفاجأت بوجود أحد عمال الفندق بالخارج نظرت له مطولا وهي تسأله باستغراب
أيوه في حاجة
رد العامل بهدوء وهو مخفض لعينيه ومطرق رأسه للأسفل
بأعتذر يا هانم عن إزعاجك
مطت فمها متسائلة
خير
أجابها بتمهل وهو يتحاشى النظر نحوها
في مشكلة يا فندم

عند حضرتك في السباكة والصيانة هايجوا يظبطوها في الأوضة
قطبت آسيا جبينها متعجبة مما يقول فهي لم تلاحظ وجود أي شيء غير مألوف بالحمام أثناء استحمامها كټفت ساعديها أمام صدرها ثم قالت معترضة
لأ مافيش أنا لسه واخدة دش ومافيش أي حاجة من دي خالص
توترت تعابيره قليلا فهو قد كلف بمهمة محددة من قبل الإدارة ولن يقبلوا بفشله في أدائها تنحنح قائلا بارتباك طفيف
أصل المشكلة مع الغرفة المجاورة لحضرتك
سألته بنفاذ صبر
والمطلوب إيه
استشعر قرب إقناعه لها فاستأنف حديثه موضحا
إدارة الفندق هتنقل حضرتك غرفة تانية بنفس المستوى علشان حضرتك تكوني مرتاحة كمان كنوع من الاعتذار عن إزعاج سيادتك هايكون ده مع يومين مصحوب بالوجبات ده غير ال كنوع من الاعتذار لحضرتك
صمتت آسيا تفكر في العرض المغري الغريب لكنها لم تشك مطلقا أن ورائه خطب ما رسمت على ثغرها ابتسامة رضا وهي تقول
أوكي إديني 10 دقايق أجهز نفسي
تنفس العامل الصعداء لحصوله على موافقتها رد بامتنان كبير ظهر في نبرته
خدي راحتك يا فندم وهابعت لحضرتك واحدة من ال تساعد سيادتك في تجهيز الشنط
أومأت برأسها موافقة وهي ترد
أوكي
ثم أغلقت الباب بعد ذلك لتسير بتؤدة وهي تفرك شعرها بعد أن انتزعت المنشفة عنه قائلة لنفسها
غريبة أوي الحكاية دي
لم ترتاب للأمر أبدا بل على العكس كانت تبحث عن أشيائها الملاقاة بإهمال لتضعها على الفراش لتبدأ في إعداد حقيبتها للانتقال للغرفة الأخرى.
زي ما تكون فص ملح ودابت أنا مش عارف أعمل إيه!
قالها معتصم وهو يضرب بكفه طاولة مكتبه بعصبية واضحة ركز نبيل أنظاره عليه مراقبا حاله الذي تبدل كثيرا في الفترة الأخيرة من الرزانة والهدوء للانفعال والڠضب اعتدل في جلسته ليقول له بنبرة عقلانية
ما تشغلش بالك بيها هي
يومين وهتظهر!
رد عليه بتهكم وقد زاد عبوس وجهه
ده لما تجيب أجل ماما!
زفر نبيل معترضا على تشاؤمه
بعد الشړ يا سيدي ده الأعمار بيد الله
حدق معتصم أمامه بنظرات شديدة الغموض محدثا نفسه بنبرة متوعدة
بس لو أعرف أطولك
انزعج نبيل من كم التهديدات والوعيد الذي يحمله نحو آسيا دون مبرر قوي استطرد قائلا بجدية
معتصم مش ملاحظ إنك متعصب زيادة عن اللزوم
رد عليه الأخير بسخط
هو حد يعرف بني آدمة بالشكل ده ويكون هادي
أشار له ابن عمه متابعا بنفس اللهجة الجادة المحذرة
محدش طلب منك تعرفها اللي فهمته منك إن طنط نادية مامتها وعاوزة تكون جمب بنتها إنت دخلك إيه في الموضوع ده سيبهم يتصرفوا مع بعض
صاح هادرا وقد هب واقفا من مكانه
علشانها ....
شعر أن الكلمات تجمدت على طرف لسانه وجد صعوبة في تفسير تصرفاته الحادة معها انتظر نبيل منه أن يعطيه المبرر المنطقي المقنع لكل ما يقوم به شبك كفيه معا قائلا
أيوه علشانها إيه بالظبط
ارتبك إلى حد ما وهو يجيبه
يعني ماما وصتني بالموضوع ده
مط ابن عمه فمه للأمام وهو يحرك رأسه قليلا كان واضحا عليه عدم الاقتناع بكلمة واحدة مما تلفظ بها تنفس بعمق ليرد عليه بعدها
مممم.. قولتلي بقى
أضاف معتصم قائلا بانفعال
إنت مش شايف فضايحها اللي على النت والله أعلم المستخبي إيه
ثم تحرك بعدها مبتعدا عنه لينزوي عند النافذة تابعه نبيل بأعينه محدثا نفسه بصوت خفيض
واضح كده إن الفترة الجاية الشغل كله هايكون عليا
انتهت من ارتداء ثوب صيفي أزرق اللون أظهر لون بشرتها الناصع وعكس سواد خصلات شعرها كما زاد من لمعان حدقتيها الفيروزيتين تطلعت آسيا إلى هيئتها بشيء من القناعة لم تبدو مبتذلة تلك المرة في ارتداء أثوابها أرادت أن تكون على طبيعتها غير متكلفة أو مبهرجة فبدت أكثر إشراقا ونضارة سارت بخيلاء خلف عامل الفندق الذي اختلس النظرات متأملا سحرها المغري ومتخيلا في عقله أن يظفر بواحدة مثلها في المستقبل مرر المفتاح الإلكتروني على الجهاز الخاص به لينفتح باب الغرفة ثم تنحى للجانب مشيرا بيده لضيفته المميزة بالدخول وطأت آسيا بقدميها الجناح الملكي الذي تخطى ما كانت تتوقعه بمراحل فغرت شفتيها مدهوشة من مدى فخامة المكان ظنت أن هناك خطأ ما بالأمر لذا التفتت نحو العامل تسأله
إنت