وادي النسيان بقلم شاهنده


المحاضرات عشان أطمن عليكى.
إبتسمت جورية قائلة 
مفيش داعى تتعبى نفسك ياليلة..انا بجد بقيت كويسة الحمد لله.
رفعت ليلة حاجبيها قائلة بمزاح 
إيه ده إنتى مش عايزانى أجيلك ولا إيه ياجورى..قولى بقى إنك زهقتى منى.
قالت جورى فى عتاب 
ازهق منك إيه بس..ده انا ما صدقت ألاقيلى أخت فى غربتى دى.
إبتسمت ليلة قائلة 
يبقى ياروح أختك تسيبيلى نفسك خالص بكرة هأكلك أكلة على مزاجى إنما إيه..تستاهل بقك.
إبتسمت جورية وهي تومئ برأسها..لتتسع إبتسامة ليلة قائلة 
يلا سلام.
قالت جورية 
سلام ياليلة.
غادرت ليلة تتابعها عينا جورية بإبتسامة مالبثت أن إختفت وهي تتساءل عن سبب مغادرة خالد المكان بتلك السرعة دون أن يصطحب ليلة معه..ليظل سؤالها عالقا....دون إجابة.
دخل خالد إلى حجرته فى وقت متأخر ..يتوقع أن تكون شاهيناز قد خلدت للنوم كعادتها..لتخالف توقعاته وهو يراها مستيقظة ..تجلس فى السرير ..تبدو من ملامح وجهها أنها تبغى أن تفتعل مشاجرة معه وهو غير مستعد مطلقا لمهاتراتها..ليحدقها بنظرة باردة وهو يقول 
من فضلك..أنا راجع تعبان ومش حمل أي حاجة تضايقنى..لو عندك حاجة عايزة تقوليها ياريت نأجلها لبكرة..مفهوم 
نفضت شاهيناز عنها الغطاء قائلة 
بس اللى عايزة أسألك عنه مينفعش يتأجل لبكرة ياخالد.
زفر خالد قائلا فى ضجر 
خير ياشاهى..عايزة تسألينى عن إيه 
تفحصت شاهيناز ملامحه وهي تقول 
مين صاحبة ليلة اللى خرجت انت وهي معاها النهاردة وإتأخرت بسببها لغاية دلوقتى.
حدجها ببرود للحظات قبل أن يقول 
أولا أنا متأخرتش بسبب حد..أنا سبت ليلة مع صاحبتها من بدرى ومشيت روحت قعدت على النيل شوية..ثانيا..أظن غيرتك علية دى جاية متأخر أوى ياشاهى..يعنى مشفتهاش غير فى مكتب دار النشر ودلوقتى..إيه ..فجأة لقيتى نفسك بتحبينى وبتغيرى علية 
إقتربت منه شاهيناز حتى وقفت أمامه تماما لتضع يدها على صدره قائلة فى دلال 
أنا طول عمرى بحبك وبغير عليك ياخالد..ومش معنى إنى مببينش ليك..يبقى مبحبكش..لأ..سميها ثقة فى نفسى ..لإنى عارفة ومتأكدة إنى متخانش ..ده غير إنى عارفة إنك معندكش مشاعر عشان تديها لحد ياحبيبى ..طول عمرك وإنت قلبك جامد..رافض تحب وتتحب..وأنا عارفة إنك محبتش فى حياتك حد غير إخواتك وريم.
قال خالد ببرود 
ولما انتى عارفة كدة..وغيرتك محتفظة بيها لنفسك..إيه اللى حصل فجأة وفجرها بالشكل ده 
رفعت يدها تمررها على وجنته بنعومة قائلة 
لإن خالد نصار اللى أعرفه مبقاش خالد نصار من يوم ما رجع من السفر..بقيت بتسرح كتير ووضعك مبقاش مريحنى..بقيت أبرد من الأول معايا..ومعاملتك لية بقت أسوأ..وكأنى مش أم بنتك الوحيدة.. تعرف أكتر حاجة صدمانى..هو إن خالد نصار اللى أعرفه..شفته من يومين فى عيونه نظرة قلقتنى..نظرة خوف وقلق على واحدة ميعرفهاش..وده جننى..والله جننى.
أمسك خالد يدها التى تمررها على وجنته يوقفها ببرود قائلة 
على فكرة أنا زي ما أنا متغيرتش..ومش معنى إن الإنسانية جوايا إنتصرت للحظة يبقى إتغيرت..أنا فعلا معنديش مشاعر أديها لحد وقلتلك الكلام ده من زمان..أما بقى سبب معاملتى ليكى إنتى بالذات..فإحمدى ربنا إنى كملت معاكى حياتى أصلا..وده من باب الشهامة مش أكتر..دى بقايا الشفقة اللى جوايا واللى مش عاجباكى دلوقتى..فمن فضلك ..ياريت تلمى حواراتك دى..أنا قلتلك إنى تعبان ومش حمل كلام ملوش معنى يضايقنى.
ليتركها واقفة فى مكانها ويتجه إلى الحمام..بينما تتابعه عيناها بحنق..ټلعن إنكسارها الدائم أمامه..بل ټلعن هذا اليوم الذى تركها فيه حبيبها..وتخلى عنها..لتضطر أن تتزوج وتصبح لقمة سائغة فى فاه خالد نصار..ذليلة أمامه..تعيش حياة باردة خالية من الحياة..لتقرر وبكل حسم أن تبدل حياتها تلك..وأن تسعى إلى الطلاق ولكن بعد أن تتأكد من أن حبيبها سيتقبلها ولن يرفضها كما رفضها بالسابق..ستعمل على أن تجعله لها وحدها دون غيرها..ستجعله ينسى مجددا حبه القديم ليفتح قلبه لعشقها..وحتى تفعل ذلك ستظل مع الأسف..أسيرة هذا الرجل..زوجها....خالد نصار .
الفصل التاسع
مدقوق بالأوتاد أرضا بالأربع
أتلوى ألما مكتوفا بالعجز أتضوع
و صړاخي يشق فراغي من المنبع
أغلال تنخر رسغاي .. آه أتوجع
و قفير يحويني وحدي .. أين المصرع
استغاثاتي تتهدج بصوت متقطع
هل من منقذ من هذا السچن المفجع
من هذا الحد القاطع يشق الجسد المتمنع
من تلك الڼار الشعواء تكوي جنبي المتضلع
من

ذاك الجلمود يدثرني بات المهجع
فيا ليتني كنت ترابا من ذوات الأربع
لا ألوي على شيء من دنيا و لا مطمع
أيا غربتي المريرة كيف السبيل إلى خلاص فقد جف المدمع
بقلم..ايهاب سليمان
دخل خالد إلى حجرة الطعام ليجد ليلة ولين جالستان يتناولان طعامهما فى صمت..ألقى تحية الصباح بهدوء..ثم جلس يتناول طعامه بدوره فى صمت..نهضت لين قائلة بسرعة 
أنا ماشية ..سلام.
توقف خالد عن تناول طعامه وهو يقول 
لأ إستنينى يالين..هنروح مع بعض.
هزت رأسها نفيا قائلة 
مش هينفع..انا مش رايحة الشركة..ورايا ميتنج مهم مع عميلة.
قالت ليلة بدهشة 
غريبة اول مرة تقابلى عميلة برة الشركة.
هزتت لين كتفيها قائلة 
مش غريبة ولا حاجة..بتحصل بس مش كتير..على حسب راحة العميل..ويلا بقى مضطرة أمشى عشان متأخرش..سلام.
قال خالد 
سلام.
غادرت لين بينما نهضت ليلة بدورها قائلة 
أنا كمان همشى ..عشان ورايا محاضرة بدرى النهاردة..سلام.
قال خالد بهدوء 
إستنى ياليلة..أنا عايزك..أقعدى.
عقدت حاجبيها بحيرة وهي تعاود الجلوس مجددا قائلة بحيرة 
خير يا خالد 
تراجع خالد فى مقعده وهو يقول 
الحقيقة فيه موضوع مهم عايز أكلمك فيه.
نظرت إليه ليلة ولم تعقب..ليميل إلى الأمام قائلا بحزم 
جورية.
إزداد إنعقاد حاجبيها وهي تقول 
مالها 
نظر إلى عينيها مباشرة وهو يقول 
مش عايزك تقربى منها ..حكايتها خلصت خلاص..وياريت نقفل موضوعها ده خالص.
قالت ليلة بحيرة 
بس أنا حبيتها ياخالد ومش حابة أبعد عنها..أنا بحسها زي لين وسها بالظبط..انت ليه بس عايز تبعدنى عنها جورى طيبة أوى ياخالد..صدقنى..دى ملاك والله.
قال خالد فى نفسه..أنها لا تحتاج لأن تقسم فهو يدرك بكل قوة أنها حقا تبدو كالملاك..وأن بها براءة ورقة تجذبانه بشدة..لا تحتاج لأن توضح له ما هو واضح فعلا كالشمس..فها هو ينجذب إليها وبشدة وهو لم يلقاها سوى مرتان..يشعر بأنها خلقت له..وهو خلق لها..يجمعهما شئ روحاني لا يتكرر..فهي تجسيد لأحلامه وربما هو تجسيد لأحلامها التى خطتها على ورق..هذا الورق الذى أربكه..أخافه..وجعله يقرر قرارا مصيريا لا رجعة فيه..سيغلق صفحتها للأبد..فلا مكان فى قلبه لضعف يجلبه العشق..لا مكان فى حياته للمشاعر..حياته قد رسمها بعناية..وداخل تلك الصورة لا مكان لجورية أبدا..والتى بمجرد ظهورها فى حياته..جعلت تلك الصورة باهتة ودون ملامح..ليدرك أنه ليستعيد حياته السابقة..يجب أن ينساها ..يمحوها من أحلامه وحياته للأبد..ربما لن يستطع أن يقوم بذلك..ولكنه بالتأكيد سيحاول.
أفاق من شروده على صوت ليلة وهي تقول 
بص ياخالد..أنا عمرى ما إعترضت على أي قرار أخدته..وعمرى ما قلتلك لأ على حاجة..بس حقيقى فى الموضوع ده مش هقدر..جورية من ساعة ما عرفتها وأنا حسيتها قريبة منى..شبهى..ومش بس كدة..هي غريبة فى بلدى وملهاش صاحبات..يمكن أكون أول صاحبة ليها هنا من سنين..ده غير إنها بجد مريضة ومحتاجة حد يكون جنبها وإنت مربتنيش على إنى أتخلى عن حد محتاجلى.
لتنهض مستطردة بحزم 
بعد إذنك..إتأخرت عن المحاضرة وفعلا مضطرة أمشى..سلام.
تأملها وهي تغادر بهدوء ..يدرك أنها على حق تماما..ولكنه كان يود لو أغلق هذا الباب تماما ليرتاح باله..ولكنه ومع الأسف ظل مواربا..ليخشى أن يفتح على مصراعيه ليدخل منه رياح عاتية لا قبل له بها.
أنهت لين إجتماعها مع العميلة وقد إتفقتا على كل شروط العقد..وإتفقتا على إمضاء العقود أيضا فى الشركة فى اليوم التالى..خرجت من المطعم وإتجهت إلى سيارتها بخطوات رشيقة..ثم ركبت فى المقعد الخلفى وهي تمسك هاتفها تقول لسائقها بهدوء وهي تجرى إتصالا بسها 
على الشركة علطول ياعم مختار.
إلتفت إليها السائق قائلا بإبتسامة 
تحت أمرك يافندم.
تجمدت أصابع لين التى تضغط أزرار هاتفها وهي تستمع إلى صوت السائق تدرك أنه بكل تأكيد ليس صوت سائقها الذى تعرفه..وإنما هو صوت آخر تعرفه..تعشقه..وفى نفس الوقت تهابه..يثير الإضطراب فى جسدها ويشعل مشاعرها المتناقضة كلية..رفعت وجهها إليه..لتتسع عيناها پصدمة وهي تطالع عيناه العسليتان لتبتلع ريقها بصعوبة وهي ترى إبتسامته الساخرة ليتوجس قلبها خيفة من الآتى..تدرك أن وراء تلك الإبتسامة شئ غير مستحب بالكامل بالنسبة إليها..كادت أن تتحدث ولكن هذا الرذاذ من تلك العلبة فى يده والذى إنطلق فى وجهها..جعل الرؤية أمامها غير واضحة..أرادت الصړاخ..الإستنجاد بأحدهم..ولكن صوتها لم يسعفها..فقد ثقل لسانها وأحاط بها السواد تدريجيا..لټغرق فى سبات عميق ..ألقى عليها نظرة تأمل فيها ملامحها الرقيقة الهادئة الآن تماما..لتختفى إبتسامته الساخرة تماما وتظلل ملامحه سحابة من الألم..يكره ما سيفعله بها ولكنه مجبر على فعله..يجب أن ينتقم لكرامته الجريحة ..يجب أن يخضعها له..ثم سيخرجها من حياته إلى الأبد.
قال فراس بحيرة 
غريبة نزوله فجأة من غير ما ياخد أخته معاه أو حتى يستأذن منكم..ممكن مثلا يكون إفتكر حاجة لما جه البيت هنا 
هزت جورية رأسها نفيا وهي تقول 
لأ طبعا مستحيل..إنت هتقول زي ما ليلة قالت ..ما إنت عارف إن حكايتنا كلها كانت هناك..فى الوادى..وإنى جيت هنا بعد ما إختفى..يعنى البيت هنا مش ممكن يفكره بحاجة أبدا.
هل فكرت ليلة مثله ..ياالله..حتى معرفته تلك أسعدته..فقد أصبح كل ما يخصها يسعده حتى لو كان شيئا بسيطا مثل ذلك..يتعجب من إنجذابه الشديد إليها رغم قصر مدة معرفته بها..أفاق من شروده على صوتها وهي تقول بحيرة 
أنا كمان مستغربة نزوله المفاجئ..ومش قادرة أفسره رغم إنى إرتحت كتير لنزوله..وجوده فى المكان كان موترنى..كان مخلينى....
توقفت عن الكلام وعيناها تقع على هذا الدفتر الخاص بها..إنها على يقين من أنها لم تضعه على الطاولة الجانبية تلك..بل تركته على الأريكة بعد أن كانت تتصفح رسماتها التى تذكرها بأيامها الجميلة معه..ترى.... لا ..لا يمكن..إن صح ظنها..فماذا ستقول له وكيف ستواجهه..ربما لن تفعل مجددا..بل يجب أن لا تفعل مطلقا.
تابع فراس نظراتها المنصبة على دفتر رسمها ليقول بهدوء أخرجها من أفكارها البائسة 
شافه...صح 
نظرت إليه جورية قائلة بحزن 
ممكن..وده يفسر نزوله المفاجئ..يمكن فكرنى واحدة مهووسة بيه..أو حس إن فيه حاجة غلط.
قال فراس وهو يرفع حاجبه الأيسر قائلا 
ويمكن إفتكر 
نظرت إليه جورى للحظة فى أمل مالبث أن خاب وظهر الحزن على وجهها مجددا وهي تقول 
معتقدش..خالد لو إفتكر مكنش نزل بالشكل ده ..كان هيواجهنى ومش بعيد ياخدنى فى حضنه وتتحول ملامحه الباردة اللى بټقتلنى لملامح حبيبى فهد..يردلى روحى الضايعة منى..غالبا هو إفتكرنى مهووسة بيه..وده يفسر تصرفه الغريب يومها.
اومأ فراس برأسه وكاد أن يتحدث مجددا حين رن جرس الباب ليعقد حاجبيه قائلا 
إنتى مستنية حد 
هزت رأسها نفيا لينهض على الفور ويتجه إلى باب الشقة ينظر من عين الباب ليرى كيسا أبيضا كبيرا أمامه يخفى ملامح حامله..عقد حاجبيه ثم فتح الباب ليرى ذلك الكيس الأبيض ترفعه حاملته أمام وجهها قائلة بنبرة صوت مرحة خلبت لبه 
الديليفرى جه يافندم..شبيكى لبيكى..ليلة بين...
لتنزل الكيس وتظهر ملامح وجهها الرائعة وهي تقول بإبتسامة واسعة 
إيديكى.
لتتجمد البسمة على شفتيها ثم تختفى وهي تغمض عينيها ثم تفتحهما تتمنى ان يكون هذا حلما وأن من يقف أمامها الآن يراها تلعب هكذا بطفولية..هو شخص آخر غير ...فراس
قالت شاهيناز فى عصبية 
مستنتنيش الصبح ليه عشان آجى معاك الشركة 
تأملها خالد فى برود قائلا 
مكنتش فاضى أستنى سيادتك على ما تخلصى..ساعة