وادي النسيان بقلم شاهنده


تصرفاته وكلماته اليوم..إقتربت من ذلك البورتريه المجاور لسريرها والذى رسمته لفهد فى الوادى فى ذلك اليوم الذى إعترفت فيه لنفسها بحبه..تتأمل ملامحه بشوق..بحنين إلى تلك الأيام التى كانت تعيشها معه..تلك السعادة التى كانت تغمرها بذلك الوقت..لتتدفق الذكريات إلى عقلها..تتجسد أمامها......منذ اليوم الأول للقاءها به..وياله من لقاء.....
الفصل الخامس
قل للحواجز و المسافات فلتفرقي بيننا
كأنها تتآمر سرا بعد غيابك لأزداد تعلقا
كيف ټموت ذكراك و قد أخذت لب الفؤاد
أتسلم روح وتينها معقود بين أضلع الآخر
بين أجفان عيني أخبئك صورة لا تتزحزح
كيف أنساك وأنت تجول في كل الخلايا
أودعتك للخلاق يحفظك عسانا يوم نسعد...
إقتربت جورية من سرير هذا المړيض الذى تتحدث عنه جميع العاملات بالمستشفى..لقد سمعتهن يتحدثن عن وسامته التى ټخطف الأنظار وعيونه التى بزرقة السماء وحالته الغريية تلك..فقد نجا من حاډث طائرة..بإصابات بسيطة برأسه وقدمه..ولكنه أفاق لا يتذكر شيئا عن نفسه ولا حتى إسمه..لتطلق عليه الممرضات إسم الوسيم المجهول.
لا تدرى جورية لما إنتابها الفضول لرؤية هذا المړيض بعد ماسمعته من هؤلاء الممرضات..ولما لم ترحل على الفور بعد تسليم الهدايا للمرضى فى هذا اليوم الذى تقصد فيه جورية المستشفى لبث البهجة فى نفوس المرضى بتقديم بعض الدعم المعنوي والمادي لهم..لا تدرى لما أخذتها قدماها إليه بالفعل..هي حقا لا تدرى.
توقفت جورية أمام سرير هذا المړيض تماما..لتراه لأول مرة..نائما مستكينا..تأملته بخجل .. إنه وسيم حقا ..يستحق فعلا كل مايقال عنه..ولكن ليس هذا ماجذبها إليه فحسب..وإنما نسيانه ماضيه هو ما شغلها حقا وأثار شفقتها..فهي لا تتخيل أن ينسى شخص ما ماضيه..ذكرياته..إسمه وأحباؤه..لا تتخيل أن تصحوا هي يوما لا تتذكر جدها عزيز أو خالتها جليلة..أو فرستها مهرة..لا تتخيل هذا مطلقا.
إقتربت من وجهه تلاحظ چرحا فى رأسه ..مدت يدها لتلمس الچرح ولكن يدها تجمدت فى الهواء..وهي تراه قد فتح عينيه فجأة يطالعها..أخفضت يدها..وقد تخضب وجهها بحمرة الخجل..لا تستطيع إبعاد ناظريها عن عينيه الساحرتين واللتان تنافسان فى لونهما زرقة السماء الصافية..تجذبها عيناه بقوة خاصة وهو ينظر إليها الآن بحيرة..لتبتلع ريقها بصعوبة وهي تقول
صباح الخير.
إعتدل قليلا فى جلسته ليظهر الألم على ملامحه..ثم إختفى ما إن إستوى جالسا..وهو يقول
إنتى الدكتورة النفسية اللى قالولى إنها هتابع حالتى 
هزت رأسها نفيا قائلة بإرتباك
لأ..مش أنا.
إزداد إنعقاد حاجبيه وهو يقول بحيرة
لما إنتى مش الدكتورة الجديدة..أمال حضرتك تبقى مين
نظرت إليه لا تدرى ماذا تقول..ليشع الأمل فى عينيه وهو يقول بلهفة
إنتى حد من أهلى..صح
أصابتها لهفته بالألم فى قلبها..هل يشعر بالوحدةهل يفتقد أن يكون له عائلة تحتوى حيرته وخوفه من ماض أسدل السواد ستاره عليههل يشتاق إلى عائلة لا يتذكرهاربما حقا هذا ما يشعر به الآن..أفاقت من شرودها على صوته يستحثها قائلا
من فضلك قوليلى إنتى مينطمنينى.
نظرت إلى عمق عينيه تشعر بعڈابه فيهما..بحيرته وإرتباكه وشعوره القوي بالضياع فى خضم ذلك الفراغ الأسود الذى يحيط بعقله..لتتخذ قرارها..ربما كان قرارا متسرعا وغير محسوب بالمرة..ربما قلب جدها الدنيا وأقعدها لإتخاذها مثل هذا القرار..ولكن بداخلها تشعر بأن ما تفعله هو القرار الأصوب فى حياتها..قلبها يخبرها بذلك..لتقول بهدوء وبنبرات ثابتة
يمكن مفيش بينا قرابة ويمكن دى أول مرة اشوفك فيها فى حياتى..وإنت أكيد متعرفنيش زي ما أنا كمان معرفش عنك حاجة ..بس قلبى بيقوللى إنك إنسان كويس وحد ممكن أثق فيه..وأنا قلبى عمره ماكذب علية..وعشان كدة هعرض عليك عرض.
نظر إليها فى حيرة..لتستطرد قائلة
تيجى تشتغل و تعيش معانا فى المزرعة..أنا عايشة فيها مع جدى عزيز وخالتى جليلة وشوية عمال ..لو ترضى ممكن تعتبرنا زي عيلتك لغاية ما ترجعلك الذاكرة..وساعتها تبقى ترجع لعيلتك.
نظر إليها بشك قائلا
وإنتى هتعملى كدة ليههتستفيدى إيه يعنى
قالت بحيرة
مش عارفة..صدقنى أنا مش هستفيد حاجة غير إنى أساعد واحد مريض..غريبة يمكن..أنا نفسى مستغربة نفسى بس حاسة انى لازم أعمل كدة.
نظر إلى عيونها فى حيرة للحظات قبل أن يقول بهدوء
طيب ممكن أسألك سؤال تانى
أومأت برأسها إيجابا دون أن تنطق بكلمة ليستطرد قائلا
ليه بتعملى المعروف ده مع حد متعرفيهوش
قالت برقة 
هو مش معروف أوى يعنى..إحنا مزرعتنا صغيرة وفى حتة بعيدة عن العمران..يعنى ممكن تمل فيها بسرعة..بس هدوءها ده ممكن يكون سبب لرجوع الذاكرة ليك..أما عن أسبابى ..فصدقنى أنا نفسى معرفهاش..يمكن لإنك بتفكرنى بنفسى..بلحظة فى طفولتى ماټ فيها بابايا ومامتى..وحسيت إنى وحيدة وضايعة من غير حد..ولولا جدي اللى أخدنى فى حضنه وراعانى أنا كنت ضعت فعلا..وإنت كمان دلوقتى ومن غير ذاكرة زي طفل صغير محتاج إيد تقف جنبك وتساندك..تحسسك إنك مش لوحدك..ولغاية ماترجعلك الذاكرة دى..هكون أنا وجدى الإيد دى..ها..إيه رأيك
أطرق مجهول الهوية هذا رأسه يفكر فى كلماتها ..ليرفع إليها وجهه بعد لحظات وقد إنفرجت أساريره يهز رأسه موافقا..لتنفرج أساريرها بدورها وهي تنهض قائلة بحماس قائلة
أنا إسمى جورية الفيومى على فكرة..وهاجى آخدك بكرة الصبح على المزرعة..بس لازم نسميك .
لتفكر وهي تقضم إصبعها بيدها بطريقة محببة قائلة
ياترى إيه الإسم اللى ممكن يناسبك
لتصمت للحظة قبل أن تلمع عيناها قائلة
فهد..إسمك فهد..لايق كتير عليك.
إبتسم موافقا بصمت لتمد يدها إليه قائلة 
إتفقنا ..سلام مؤقت يافهد.
مد يده يضم يدها محييا..ليرتعش جسدها وتتسارع دقات قلبها رغما عنها..لتترك يده على الفور وهي تبتلع ريقها بصعوبة قبل أن تبتسم إبتسامة مهزوزة..وتهز رأسها ثم تغادر بخطوات هادئة تخفى إضطرابها تتابعها عيناه بنظرة حملت إعجابا لم يستطع إخفاؤه.
قال عزيز بحدة
إنتى إزاي تعملى كدة قبل ما ترجعيلى..من إمتى بتتصرفى بدماغك ياجورى
قالت جورية وهي تمسك كتفيه بيديها قائلة
إهدى بس ياجدى..أنا...
قاطعها وهو ينفض يديها عن كتفيه قائلا فى حنق
إنتى إيه بسأنا اللى غلطان ..دلعتك زيادة عن اللزوم..وسيبتك تعملى اللى إنتى عايزاه كله..وفى الآخر جاية تجيييلى البيت راجل غريب..منعرفش أصله من فصله..
لينظر إليها بحنق قائلا
للأسف..إنتى خدتى من جدتك الشكل بس مخدتيش العقل أبدا.
تدخلت جليلة التى ظلت تراقب ما يحدث بصمت قائلة
إسمعها بس ياعزيز وبعدين...
قاطعها عزيز قائلا بصرامة
إسكتى إنتى ياجليلة..مش بعيد تكونى إنتى اللى شجعتيها على الهبل ده.
إتسعت عينا جليلة بإستنكار بينما أسرعت جورية تقول
خالتى جليلة مكنتش تعرف حاجة عن الموضوع ده ياجدى..هي لسة عارفة حالا وأنا بحكيلك.
أشاح عزيز بيده حانقا..لتترقرق الدموع فى عينيها..وهي تقول بضعف
ياجدى..عشان خاطرى..إسمعنى الأول وبعدين قرر..ولو رفضت وجوده مش هتكلم خالص ولا هعارضك.
أوجعته دموعها..كاد أن يأخذها فى حضنه ويربت عليها مواسيا ولكنه توقف فى اللحظة الأخيرة رافضا..يبغى سماع سبب تصرفها بتلك الرعونة قبل أن يقرر مايفعل..لتبتلع جورية ريقها بصعوبة وهي تقول
أنا لما شفته إفتكرت نفسى وأنا صغيرة..إفتكرت روحى وهي تايهة مش لاقية حد لية ..لا مكان يإوينى ولا أهل يساندونى ويقولولى إنتى مش لوحدك..إفتكرت غربتى وأنا جوة بيتى..ولولا وجودك جنبى ساعتها..لولا جتنى وضميتنى لحضنك..كنت ضعت ياجدى..فاكر قلتلى إيه ساعتهاقلتلى مټخافيش..إنتى مش لوحدك ..أنا جنبك وهفضل قربك..مش هسيب إيدك ابدا..وطول ما إيدى فى إيدك مش هتقعى ..وده وعدى ليكى..وفعلا ده اللى حصل..النهاردة لما شفته إفتكرت إحساسى زمان..حسيته محتاج إيد تساعده ..بقوله بيها إنت مش لوحدك..وفى وسط السواد اللى انت فيه انا وجدى هنكون شعاع نور..ينورلك طريقك..لغاية ما فى يوم شمس زكرياتك تنور حياتك وساعتها هترجع لعيلتك ..ولحد ما ده يحصل مش هنسيبك تايه تخبط فى طريقك لوحدك..هنكون معاك لآخر لحظة..فاهمنى ياجدى
تأملها جدها للحظات ثم ربت على يدها قائلا بحنان
فهمتك يابنتى..فهمتك..بس برده ده ميمنعش إنك إتهورتى وطلبتى من حد غريب يكون معانا فى المزرعة ..إفرضى طلع مش كويس أو هربان من چريمة..إفرضى...
قاطعته جورية قائلة بحزم
متقلقش ياجدى..أنا واثقة إنه مش ممكن يطلع مچرم او إنسان وحش..سميها الحاسة السادسة..سميها ثقة فى إحساس قلبى اللى عمره ما خيب ظنى..سميها زي ما تسميها..بس صدقنى ياجدى..انا واثقة إن فهد إنسان كويس ومش ممكن يإذينا.
عقد جدها حاجبيه قائلا
فهد مين ده
إبتسمت لأول مرة منذ ان تركت فهد فى هذا المستشفى وهي تقول لجدها
فهد يبقى الراجل اللى حكيتلك عنه ياجدى..وأما بالنسبة للإسم ..
فأشارت إلى نفسها بفخر مستطردة
فأنا اللى إخترتهوله.
تأمل جدها ملامحها المشرقة ليتسلل إلى قلبه القلق رغما عنه..وهو يشعر أن هذا الفهد قد حاز على إعجاب فتاته الصغيرة حتى وإن لم تشعر بهذا بعد..ليخشى أن تتكرر تجربة إبنته مجددا..ولكن مع حماسها ذلك لا يستطيع أن يرفض لها طلبها..سيوافق على حضوره إلى المزرعة..ولكنه سيضعه تحت رقابة شديدة وإن ثبت له كڈب إدعاءاته..إن تأكد من أنه مخادع سيتأكد بنفسه من أنه سيلقى جزاؤه العادل.. وسيكون مصيره أسوأ من المۏت نفسه.
ذهبت جورية إلى المستشفى فوجدته هناك..أخبرها أنه لم يكن يتوقع عودتها فإبتسمت مخبرة إياه أنها حين تعد لا تخلف وعودها أبدا..ليتأمل إبتسامتها الرقيقة فيبتسم لها بدوره وفى إبتسامته ضاعت هي كلية..ڠرقت فى بسمته تلك والتى إمتدت إلى عينيه الجميلتين فسحرت قلبها ورسمت بداخله طلاسم إحتارت فى تفسيرها..تعثر وكاد أن يقع فأسندته بكل قوتها..وهنا وفى تلك اللحظة ..مثلما تشابكت أيديهم..تشابكت نبضات قلبهم..ففى تلك اللحظة بالذات والتى إلتقت فيها العيون..أدرك كليهما أن مصيره إرتبط بالآخر وأن ما يحدث بينهما هو شئ فريد..فروحيهما تستكينان فقط بسماع نبض الآخر والذى يصل إلى مسامعهما بكل وضوح..تطرق قلبيهما بقوة دقاته..لتستكين إبتسامة راحة على ثغريهما ويتجهان إلى خارج المستشفى ولدى كل منهما يقين بأنه لم يعد روحا تائهة وحيدة..بل صار هناك من يؤنس وحدته ويطمئن تلك الروح..ربما للأبد..أو هكذا كانت تظن.
.....فى داخل المزرعة.....
كانت تعلم أن جدها لن يرتاح لذلك الغريب على الفور..وأنها ستجد صعوبة فى إقناعه بأنه ليس بسئ أبدا ..ولكن ما حدث كان عكس توقعاتها تماما..فمنذ اللحظة الأولى لوصولهم إلى المزرعة وإلتقاء جدها بفهد..وجدها يبدو مرتاحا لهذا الضيف الجديد..وكأنه قد توسم فيه الطيبة والرجولة وحسن الخلق..وإزداد إعجابا به مع مرور الأيام..فلم يكن فهد أبدا برجل كسول فما إن سكن فى هذا الكوخ بجوار المنزل والذى أعدته له جورية بنفسها وجعلته رائعا حقا..حتى نهض فى اليوم التالى باكرا ليشمر عن ساعديه ويعرض على الجد رغبته فى العمل مع بقية العاملين بالمزرعة..مظهرا قوة وجلدا وصبرا..ورغم طلب الجد منه الراحة كي تلتئم كل جراحه إلا أنه أبى قائلا أن جراحه بسيطة وقد إلتأمت بالفعل..وأن دواءه هو العمل حتى لا تشغله أفكاره السوداء وحيرته من صفحة ماضيه البيضاء..ليثبت لجدها أنه حقا رجل يعتمد عليه..وليس هذا فقط بل صار صديق جدها الذى يشاركه فى لياليه لعبته المفضلة..الشطرنج..يظهر ذكاءا بلا حدود فى تعلمها بسرعة بل والتفوق على جدها بها وكأنه يلعبها منذ الصغر.
كانت جورية سعيدة للغاية بوجود فهد فى مزرعتهم..وإندماجه السريع..خاصة مع جدها ..فقد أضفى فهد على المزرعة جوا رائعا..فلم تعد أبدا مملة كما كانت..كانت تقف بالساعات تعد الطعام مع خالتها جليلة فقط كي يأكل منه فهد..تعد الكوخ كل يوم وتضع فراشه فى الشمس فقط كي يرتاح فهد..تفكر وتفكر فى أشياء تشغله