وادي النسيان بقلم شاهنده


قرب كل المسافات..ولو وحشتكم بجد هلاقيكم عندى فى الوادى..هستناكم تزورونى..أشوفكم بخير.
ثم غادرت بهدوء..ليتبادل كل من فراس وليلة نظرات الأسى..يشعرن بها وبصراعها الداخلي ما بين عقلها وقلبها..لينتصر العقل فى النهاية ويضيع العشق هناك....فى وادى النسيان.
كان خالد يبحث بين أدراج مكتبه عن صورة هذا العقد الأخير ليراجعه..ليرفع الملف الذى يضم بين جنباته إخطار البنك الأخير بحسابه به..توقفت يده وتجمد جسده وهو يرى الرواية التى تقبع تحت هذا الملف..مد يده الأخرى يسحب الرواية ثم وضع الملف وأغلق الدرج ليقرأ العنوان مجددا أنفاس حياة..تأمل صورته التى تكاد تماثله ..وتأمل إسمها بقلب زادت خفقاته..لأول مرة ينتابه الفضول ليقرأ تلك الرواية التى خطت كلماتها تلك الفتاة التى كلما إقترب منها وجدها تجذبه بشدة ..تطابق أوصافها فتاة أحلامه وتماثلها براءة ورقة بل تكاد تكون هي..يريد أن يفتح باب قلبه ويستقبلها بداخله إستقبالا يليق بكيانها الرقيق ولكنه ولسبب ما عاجزا عن إتخاذ تلك الخطوة..ربما هي ريم..أو هو الخۏف من مشاعر قد تضعفه..لا يدرى حقا.
فتح الرواية لتجرى عيناه على سطورها ..لا ينكر أن لها أسلوبا جميلا فى عرض فكرتها..أسلوب يجذب القارئ ببساطته..ولا يصيبه أبدا بالملل..تنقله بسلاسة مابين الأحداث ..يشعر وللغرابة بمتعة كبيرة وهو يقرأ.. رغم عدم إعجابه سابقا بمثل هذا النوع من الروايات..بل إنه
كان يسخر من ليلة لعشقها لتلك الروايات الرومانسية الخيالية على حد قوله..لكنه وجد نفسه وكلما تعمق في القراءة كلما إزداد حيرة..يكاد يقسم أنه عاش بعض تلك المواقف التى ترويها جورية والتى تحدث ما بين ذلك البطل جاسر والبطلة جميلة..ليصعق كلية حين وصفت حلم من أحلامه حرفيا..وكأنها رأته معه ..عايشته وتأثرت به..مثله تماما..ليغلق الرواية بسرعة وقد عقد حاجبيه..ينوى الوصول لحل هذا اللغز الذى يكاد أن يصيبه بالجنون..تماما.
قالت جورية بحنان
لأ ياجدى..إنت بتضحك علية..بتاكل كويس إيه بسده انت وشك خاسس خالص..ولونه أصفر كمان.
قال عزيز بإبتسامة واسعة من خلال شاشة اللاب الخاصة بجورية
انا كويس والله ياجورى..وباكل كويس..انتى عارفة جليلة..بتفضل ورايا لغاية ما آكل وآخد الدوا كمان.
إبتسمت جورية قائلة
وحشتنى خالتى جليلة..هي فين
قال عزيز
ما انتى عارفة..فى الميعاد ده بتسقى وردها اللى فى الجنينة.
إتسعت إبتسامتها قائلة
وبتغنى اغنية أسمهان..يابدع الورد ياجمال الورد.
ضحك عزيز قائلا
ما أنا هربت من صوتها وجيت على المكتب هنا أكلمك علطول.
قالت جورية
حرام عليك ياجدى..طنط جليلة صوتها حلو أوى..مستحيل متحبوش.
إبتسم عزيز بهدوء قائلا
هو حلو فعلا وإنتى طالعالها..أنا بهزر يابنت..المهم إنتى عاملة إيه دلوقتى
تنهدت جورية ثم قالت بهدوء
الحمد لله ياجدى ..خلصت الرواية ..وبفكر آخد بريك وأجيلكم.
إتسعت عينا عزيز بفرحة لا يصدق أذناه.. ليقول بلهفة
بجد ..بجد هتجيلنا ياجورية
قالت جورية بإبتسامة باهتة
الظاهر كدة ياجدى..وحشتونى والوادى كمان وحشنى..هخلص بس شوية حاجات هنا وأجيلكم.
قال عزيز بسعادة
هنستناكى يابنتى وأهو بالمرة تحضرى فرح علا بنت عابد ..دى هتفرح أوى لما تعرف إنك جاية وهتحضرى فرحها.. عقبال ما أشوفك إنتى كمان عروسة ياجورى وأفرح بيكى بقى.
إبتسمت جورى إبتسامة شابها بعض الحزن ثم تنهدت قائلة
سلملى عليهم وسلملى على خالتى جليلة لغاية ما أجيلكم..وخلى بالك من نفسك.
قال عزيز بحنان
إنتى كمان يابنتى خلى بالك من نفسك.
أومأت جورية برأسها قائلة
حاضر ياجدى..أنا هقفل دلوقتى ..سلام.
قال عزيز
مع السلامة ياحبيبتى.
أغلقت جورية اللاب..ليرتسم الحزن على وجهها وهي تدرك أنها لن تصبح أبدا عروس ولن تحقق لجدها أمنيته..ترفض بشدة أن تصبح لغير فهد ..أو خالد ..لا يهم الإسم..فقلبها لم ولن يتفتح لغيره ..قد كان ومازال حبها الأول والأخير..تدرك تماما أنها رغم عشقها له فلن تكون أبدا له..لتظل آمالها كما هي آمال جدها تماما..مستحيلة وتصيبها باليأس والحزن ....مجددا.
الفصل الرابع عشر
أخبرنى كيف أراك ولا أنساق..لقلب قد نسي قلب إليه يشتاق
كيف أمحو ماض يجمعنا.......وأمزق كل الأوراق
وأقتل خفقات القلب.......أجبره على چرح وفراق 
كيف أبعد الذكريات عن مخيلتى وأنسى أنى كنت يوما من العشاق
قال نبيل بهدوء
كدة بقى أنا إتأكدت من إنه خطڤها..تليفونه المقفول ده وتليفونها كمان..وسفرها المفاجئ لشرم من غير ما تقولكم قبلها..واللى انتى بنفسك قلتيلى إن ده شئ غريب عليها.
تنهدت سها قائلة فى حزن
لين فعلا مستحيل تروح مكان من غير ما تقولى ..و إحنا تقريبا كنا متأكدين من المرة اللى فاتت إنها مخطۏفة..ومع ذلك ولغاية دلوقتى معرفناش نعمل حاجة ولا قدرنا نوصلها.
زفر نبيل قائلا
أنا مش ساكت ياسها ..أنا أجرت تحري خاص عشان يوصل لمؤيد..عن طريق الكريديت كارد بتاعه مثلا ..بس مع الأسف لسة مستعملوش..ولسة التحري موصلش لحاجة جديدة كمان.
ترقرقت الدموع بعيني سها وهي تقول
مؤيد مش غبى وأكيد مش هيستعمل الكريديت كارد بتاعه..وأنا بصراحة خاېفة منلاقيهوش..بجد خاېفة على لين منه..هو فاكر إنها باعته..وممكن يعمل فيها أي حاجة تإذيها.
أوجعته دموعها..ليمد يده يضم بها يدها الرابضة على الطاولة قائلا بحنان
مټخافيش ياسها..مؤيد مش ممكن يإذى لين..مؤيد لسة بيحبها..واللى بيحب حد ميقدرش يإذيه حتى لو كان عايز ينتقم منه.
رغم إرتعاشة يدها بين يديه ورغبتها فى هذا الدفء الذى أحاط بها حين لمس يديها إلا أنها سحبتها فى خجل..لتشعر على الفور ببرد يحيط بها..ولكنها نفضت هذا الشعور وهي تقول بحزن
إنت طيب أوى يانبيل..ومش عارف إن الإنتقام ممكن يعمى القلب والعين ويإذى حتى الناس اللى بنحبهم.
نظر إلى عينيها الجميلتين وهو يقول بحنان
انا مش عايزك تخافى أو تقلقى..قبل ما يحصل أي حاجة هنوصلهم..وساعتها هقول لمؤيد اللى

عرفته..ما هو لازم يفوق ويعرف إنه هو ولين كانوا ضحېة خدعة حقېرة كل هدفها كان إنهم يبعدوا عن بعض.
تنهدت سها بحزن قائلة
أنا لغاية دلوقتى مش قادرة أصدق إن شاهيناز ممكن تعمل كدة..انا صحيح مبحبهاش بس مكنتش متوقعة إنها بالحقارة دى.
قال نبيل
وأحقر من كدة كمان..انا كنت شايفها على حقيقتها من زمان وياما حذرت مؤيد منها بس هو اللى مسمعش كلامى..عموما..نلاقيهم بس وكل حاجة هتتصلح وترجع زي الأول وأحسن.
قالت سها بعيون إمتلأت بالأمل
يارب يا نبيل ..يارب نلاقيهم قبل فوات الأوان.
قال نبيل بتأكيد
هنلاقيهم يا سها..وده وعد منى ليكى.
إبتسمت سها بإمتنان تثق بأنه قادر على تنفيذ وعده..تستشعر رجولته التى تشع من كلماته وتصرفاته..ليبادلها إبتسامتها الممتنة..بإبتسامة حانية....عاشقة.
كان مؤيد يجلس فى الردهة يقرأ كتابا قد أثاره فى البداية محتواه الذى يتحدث عن تصميمات حديثة فى فن العمارة والهندسة يحاول أن يشغل عقله عن التفكير بمحتواه..ولكنه وجد نفسه يشرد كثيرا فى تلك الفتاة بالأعلى والتى يعشقها ويكرهها فى آن واحد..آلمته كلماتها حقا..تساءل فى حزن..أحقا تكرهه إلى هذه الدرجةليتنهد فى يأس..يفكر بصمتفى مشاعرها النافرة القوية تجاهه.. ربما لا فائدة ترجى مما يفعله..ربما يجب أن يطلق سراحها..ليس فقط من هذا المنزل بل عليه أن يطلق سراحها من قلبه ..عليه أن ينساها ويتركها لحياتها ويتابع هو حياته..لينفض تلك الفكرة رافضا إياها ..لا يستطيع تخيلها مع أحد سواه..ترك كتابه جانبا وقد مزقه هذا الشعور..يتساءل بمرارة ..لماذا لم تحبه مثلما عشقها هولماذا لم تبادله مشاعره وهو الذى لم تملك قلبه فتاة سواهالماذا تكن له كل هذا الكرهماذا فعل لهالقد عاملها كملكة متوجة على عرش قلبه..هل كل هذا من أجل طفل تود إنجابهتبا..وماذا فى يده يستطيع أن يفعله ليمنحها إياهإنها إرادة الله وقدره..فلا مانع لديهما للإنجاب فقط لم يكن الوقت قد حان بعد..ثم ألم
تكتفى به وبعشقه عن الأطفال كما إكتفى هو بهاآلمه إحساسه مجددا بأنه غير كامل بنظرها ..ربما حان الأوان حقا لأن يكتفى بما أصاب كرامته معها من إهانة وما لاقاه منها من نكران..ربما اخطأ فى قدومه إلى مصر يدعى ثأرا لكرامته وهو يخفى رغبة فى إستعادة لين..يدرك الآن إستحالة تحقيق تلك الرغبة..ربما حقا وجب عليه ان يطلق سراح لين للأبد...
إتجهت افكاره الآن تجاهها رغما عنه..يتساءل فى حزن عنها..يلعن قلبه الذى يخشى ان تكون مازالت منقطعة عن الطعام..لينهض متجها إلى حجرتها يود الإطمئنان عليها..فحتى وإن آذته..سيظل هذا القلب الخائڼ ..عبدا لها..لا يستطيع أن ېؤذيها ابدا.
توقف أمام باب الحجرة..تردد قليلا ثم حسم رأيه..فتح الباب ودخل الحجرة بهدوء ليجدها جالسة على السرير تضم ركبتيها إلى صدرها وتستند بجبهتها عليهما وبجانبها صينية طعامها لم تمسها..لم ترفع وجهها إليه.. ليقترب من السرير بهدوء يخفى ۏجع قلبه عليها وهو يراها بهذا الضعف والحزن..جلس بجوارها ومد يديه يمسكها من كتفيها فإنتفضت متراجعة للخلف تواجهه بعينين مذعورتين..هاله خۏفها منه البادى بإرتعاشة جسدها ونظراتها الزائغة..يدرك أنها تعانى الخۏف والضعف من تجويعها لنفسها إلى جانب تهديداته الفارغة لها..ليقول بهدوء حان
إهدى ومټخافيش منى.. أنا مش هأذيكى.
نظرت إلى عينيه..ربما تبحث حقا عن أمان إفتقدته معه..ليومئ لها برأسه يطمأنها دون ان ينطق..فإرتاح جسدها المشدود قليلا..ليستطرد قائلا
إنتى عايزة تمشى صح
أومأت برأسها دون أن تنطق بكلمة ..ليقول بهدوء
عشان تمشى لازم تاكلى حاجة..مش هينفع متاكليش كدة..انتى ممكن تموتى من قلة الأكل.
قالت بصوت ضعيف حزين
هتفرق فى إيه يعنىمش انت قلت بنفسك إنها متفرقش معاك.
تبا له ولكلماته التى قالها فى لحظة ڠضب..إنه لا يطيق أن تخدش فكيف بالله يبغى لها أذى..ماذا يفعل ليسحب تلك الكلمات الجوفاء والتى آذتها كما يبدو..مد يده إلى يديها يسحبهما ويضمهما بين يديه بحنان فلم تبعدهما رغم إرتعاشتهما بين يديه قائلا وهو ينظر إلى عمق عينيها
كلام وقلته فى لحظة ڠضب..إنسيه ..بصى أنا مش هقولك كلى عشان نفسك أو عشان خاطرى لإن من الواضح فى اللحظة دى إن إحنا الاتنين منهمكيش بس هقولك كلى عشان خاطر إخواتك اللى بيحبوكى ومستنيينك ترجعى ليهم.
نظرت إلى عينيه بحيرة..ترى بهما عشقا مازال رابضا فى عمقهما..تتساءل بعجب ..إذا كان حقا يحبها ويهتم بها كما تخبرها عيناه..إذا لماذا خاڼها بالماضى هل كانت نزوة مثلا وأفاق منها..هل ندم عليهاربما..وربما وجب عليها مصارحته بمكنون قلبها فربما إنقشع ضباب الغموض عن كل مجريات حياتهما..ربما عادا كما كانا بالماضى بشئ من التسامح..رقت ملامحها..فإشټعل الأمل بقلبه..ليترك يديها وهو يمسك شطيرة من على الصينية يمدها إلى ثغرها قائلا بحنان
يلا إفتحى بقك..هأكلك زي زمان.
رغما عنها وجدت نفسها تفتح ثغرها تلقائيا ..تقضم الطعام كالمسحورة..بينما غامت عيناه وهو يتذكر الماضى ..حين كان يفعل ذلك تماما....ليشعر بغصة فى قلبه ..أشاح بوجهه عنها..يقاوم ضعفه وضعفها الذى يراه فى ثنايا عينيها..ليترك الشطيرة على الصينية..وهو يقول بحزن
كملى أكلك يالين..وأوعدك بكرة هرجعك لأهلك.
ثم نهض مغادرا..بخطوات مسرعة وكأن شياطين الدنيا تلاحقه..تتابعه لين بعينيها..تدرك أنه يقاوم ضعفه وأنه كان من الممكن ان يستغل ضعفها ولكن هكذا مؤيد الذى عرفته بالماضى..رجلا رائعا حقا..إنها الآن لا تدرى لم إستسلم لضعفه بالماضى وخاڼها ..لما أضاع ما كان بينهما ليظل سؤالها عالقا بالهواء..بلا إجابة.
مدت يدها إلى شطيرتها تسحبها بضعف..تلوكها فى فمها دون أن تشعر حقا برغبة فى الطعام..ولكنها لابد وان تأكل..فلديها يوم طويل بالغد تنوى أن تصل فيه ﻹجابات عن ماض غامض القسمات..بدأت تشك فى مجرياته.
قالت ليلة بحزن
مشت خلاص..لسة مكلمانى فى التليفون..انا
زعلانة أوى يافراس.
قال فراس
وأنا كمان..حاولت أقنعها متسافرش