وادي النسيان بقلم شاهنده


كليهما أنها تمر فى العمر مرة واحدة..فرصة واحدة للسعادة..فإن عبرت ولم يقتنصاها..ذهبت بلا رجعة..وأصبحا تعيسان للأبد..كلا..لن يترك فرصته فى السعادة تضيع من بين يديه..سيعود وسيمنحها تلك الفرصة التى أرادتها..يدرك وبكل قوة أن الحياة معها وشبح الخۏف يرفرف على علاقتهما..أفضل ألف مرة من حياة بلا نبض أو روح قد يعيشها بدونها..لينحرف بسيارته بسرعة فى الإتجاه المعاكس..يقود بأقصى سرعة بإتجاه هذا المبنى القديم والذى تمكث فيه حبيبته..ليصل فى دقائق معدودة..إندفع إلى الداخل..يسرع إلى تلك الحجرة التى تركها بها..ليتوقف متجمدا..تتوقف نبضاته بجزع وهو يراها هناك..أمام الحجرة ملقاة على الأرض مغمضة العينين..شاحبة الوجه تماما.....كالمۏتى.
الفصل الثانى والثلاثون
وهذا الذى بيننا واد صغير بين جبال شاهقة ..
يوما يجف ويوما تنحدر بين جنباته سيول جارفة ..
يوما تذبل ورود خريفه ويوما بين تصدعات جباله تجد الورود مبتسمة مفعمة بالحياة وناعمة ..
وهذا العشق إنما لغزا يكبر ويكون يافعا قويا كلما ضړبته العاصفة ...
لا يدرى مؤيد كيف نفض عنه صډمته وجزعه وهو يسرع إليها فى ثوان..يجثو على ركبتيه بجانبها..يرفع الجزء العلوى من جسدها عن الأرض..يسنده بإحدى ذراعيه بينما بيده الحرة يضع إصبعيه السبابة والوسطى على العرق البارز فى عنقها..ليزفر بقوة وهو يشعر بخفقاتها..حتى وإن كانت ضعيفة بعض الشئ فالأهم أنها حية..فتحت عيونها ببطئ لتطالعه..ليقول لها مؤيد بلهفة وعيون إمتلأت بالقلق والإضطراب
أنا لازم أنقلك المستشفى حالا يالين.
إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تقول بضعف
ملوش لزوم..لو سمحت بس.. هاتلى.. شنطتى..جواها الدوا..ومتجيبش ..مية.
عقد حاجبيه لايدرى عما تتحدث ولكنه تركها برفق وذهب بسرعة إلى الردهة يبحث عن حقيبتها حتى وجدها..ليسرع بها إليها ويجثو على ركبتيه مجددا يمنحها الحقيبة بعد أن فتحها..لتسحب من الحقيبة علبة من الدواء تأخذ منها قرصا ..تضعه فى فمها على الفور..يتابعها مؤيد بقلق ينهش أحشائه ..يتساءل عن هذا الدواء الذى ما إن أخذته لين حتى عاد بعض اللون إلى وجهها..وأصبح تنفسها أكثر إنتظاما ..ليحملها بين يديه ويدخل بها إلى الحجرة..يمددها على السرير ..إبتعد عنها ولكنه لم يبارح المكان قربها..يتأملها بملامح قلقة..أدركتها..لتدرك من تلك الملامح أنه مازال يحمل لها فى قلبه شيئا..ربما بعض مشاعر من الماضى لتقرر أن تبوح له بمكنون قلبها..حتى وإن شحذت منه الحب والإهتمام كما قال..فهذا أهون من فراق لن تحتمله..وكاد أن ېقتلها..أفاقت من أفكارها على صوته وهو يقول لها بتوتر
بقيتى أحسن
أومأت برأسها بهدوء..ليستطرد قائلا
كان مالك يالين وإيه الدوا اللى أخدتيه ده
أطرقت برأسها قائلة بضعف
ده دوا الدكتور وصفهولى عشان أقدر أتنفس.
قال لها وقلبه يتوجس خيفة من كلماتها
وليه محتاجة الدوا ده
رفعت إليه عيناها تقول بتوتر
بعد ما إنفصلنا ..إنهرت نفسيا وإضطريت أدخل المصحة.
إتسعت عيناه بشدة..ليردد قائلا پصدمة
مصحة
أومأت برأسها بهدوء ثم قالت
مكنش جنبى حد ساعتها يقوينى على محنتى..خالد وكان مختفى..ليلة وفى دراستها ورواياتها..حتى سها صاحبتى كانت مشغولة أيامها بمرض والدتها..إحساسى بالوحدة والخېانة دمرنى وإبتدت تظهر علية أعراض حالة نفسية عاملة زي الفوبيا..الحالة دى كانت بتأثر على قلبى..أول ما أتوتر أو أزعل جامد تزيد دقاته أوى ويوجعنى صدرى وأحس إنى مش قادرة أتنفس..وللأسف الدكتور قاللى إن ممكن الحالة النفسية تأثر فعلا على القلب وساعتها ....
تركت الجملة معلقة ليإن قلب مؤيد من تخيله لهذا المصير..ېتمزق حزنا على محبوبته التى عانت وحدها ولم يكن بجوارها ليساندها..لتستطرد لين قائلة
الدوا ده أصبح بالنسبة لى شئ أساسى وضرورى عشان أقدر أعيش..مقدرش أمشى من غيره..لما بتجيلى الأزمة باخد الحباية وببقى كويسة.
ظل مؤيد صامتا ..يستوعب كلماتها ..يتذكر تأكيد خالد عليها عندما إختطفها مؤيد على أنها تحتفظ بدوائها معها..إذا فقد كان يقصد هذا الدواء..دق قلبه پعنف..يخشى عليها من تلك الأزمة إن واجههتها وهي وحيدة أو غير مستعدة..كما كانت منذ لحظات..لينوى ان لا يفارقها قط ومنذ تلك اللحظة..إستطردت لين وهي تمد يدها تمسك يد مؤيد لينظر إلى كفها الصغير الذى تمسك بكفه..ثم عاد بنظراته إليها ..وهي تستطرد قائلة بندم
مؤيد..أنا عارفة إنى غلط فى حقك غلطة كبيرة وعارفة إنك مش هتسامحنى بسهولة..بس أنا بترجاك تدينى فرصة تانية..فرصة أقدر أثبتلك فيها إنى إتغيرت..وإنك تقدر تثق فية من جديد..أنا بمۏت فى بعدك يامؤيد..وإنت بس اللى فى إيدك تحيينى ب.....
قاطعها بأن إقترب منها تفاجأت
بها وبقوة تلك المشاعر التى
إنتقلت لها عبرها..فقد حملت لها قبلته شوقا إمتزج پألم وخوف من الفقد وعشق..بعتاب إمتزج بسماح وثقة..نعم ..ثقة فى القادم وفى أنها له..مهما حدث..هي له وستظل له طوال العمرواضعا جبهته على جبهتها قائلا وهو مغمض العينان..مضطرب الأنفاس.. مثلها تماما قائلا
من اللحظة دى..الماضى إنتهى..مفيش عتاب..مفيش فراق..مفيش زعل .
ليبتعد عنها يرفع يديه يضم بهما وجهها وهو ينظر إليها بعشق قائلا
بحبك يالين..من أول مرة شفتك فيها ولحد النهاردة..مقلش حبى ليكى أبدا..وفى اللحظة اللى إتخيلت فيها إنك روحتى منى.. قررت..من اللحظة دى مش هسيبك تانى..وهتجوزك أول ماننزل القاهرة..لإن حياتى من غيرك متستاهلش تتعاش يالين.
إبتسمت لين قائلة فى عشق
بحبك يامؤيد...بحبااااك.
إبتسم مجددا قائلة بمزاح
لأ حضرتك..كدة غلط..إنت فاجأتنى فى المرة الأولى بس المرة دى أنا مستعدة وبمنعك.
عقد حاجبيه وهو يقول
بتمنعينى
إبتسمت قائلة فى دلال
طبعا بمنعك ..مش من حقك تبوسنى غير وأنا مراتك ياحضرة البيه المحترم.
نهض يمد يده إليها قائلا بعيون لامعة
طب يلا بينا علطول ننزل مصر وهناك هنشوف أقرب مأذون ونتجوز.
إبتسمت قائلة وهي تمد يدها تسحبه من يده لتجلسه مجددا وسط حيرته
المأذون فى الطريق يافندم..جايباه لحد عندك ومعاه الشهود كمان.
عقد حاجبيه قائلا
قصدك إيه
إتسعت إبتسامتها قائلة
بصراحة كنت عاملاهالك مفاجأة يامؤيد ..الحقيقة نبيل دلوقتى فى الطريق ومعاه سها والمأذون والشاهد التانى على العقد..ما هو أنا مقلتلكش إن نبيل هو اللى عرفنى على المكان هنا بعد ما حكيتله انت عنه وهو اللى جابلى مفتاحه وهو صاحب إقتراح المأذون والجواز علطول..قال يدبسك بقى ويخلص..أصل سها مش راضية تعمل الفرح غير بعد جوازنا .
قال مؤيد بدهشة
بقى كدةكل ده يطلع منك إنتى ونبيل.
إبتسمت بخجل ليبتسم بدوره ثم تغيم عيناه وهو يقترب منها مجددا ولكنها أوقفته قائلة بلهجة تحذيرية
مؤياااد.
إبتعد عنها على الفور وهو يزفر قائلا
صبرنى ياااارب.
كان خالد يتمشى فى طرقات المزرعة يتأملها بعمق..كم تعجبه تلك المزرعة حقا..تحتاج فقط إلى بعض التعديلات وربما بعض التطوير وإضافة بعض الآلات التى قد تزيد من إنتاجيتها..ربما سأل الجد أن يساعده فى تطويرها..أو يشاركه إن أراد.
الجد عزيز..إنه شخصية متناقضة تماما فى رأيه ولكنه لا ينكر أنه يزداد إعجابا بها يوما بعد يوم..فى البداية كان من حديث جورية عنه..ثم من مقتطفات تعود له منذ أن جاء إلى المزرعة البارحة..ربما لم يمنحه الجد عزيز ردا على طلبه الزواج من حفيدته ولكنه يراها فى عينيه ..فقط هو يؤجلها لسبب ما..فبعد أن إستمع إلى كلماته بالأمس ورأى ورقة طلاقه من شاهيناز وشهادة ۏفاتها والتى لم يذكر خالد ملابساتها فقد إكتفى بما يعرفه الجميع ماعدا مؤيد بالطبع..أنها قد تعثرت وسقطت فى النيل..وقتها نظر إليه الجد نظرة طويلة قبل أن يقول لحفيدته أن تعد له حجرة الضيوف بالمنزل..وعندما أراد خالد أن ينام بالكوخ..إكتفى الجد بأن قال
محدش من عيلتى بينام برة بيتى.
إذا لقد إعتبره فردا من عائلته..موافقة ضمنية بالتأكيد على زواجه من جورية..وها هو منذ الصباح الباكر..يدور فى المزرعة..تتدفق إليه الذكريات..كلما مر من مكان..ولكن كفى ..عليه العودة فقد تعب وشعر بالجوع..
عاد أدراجه..ودخل من البوابة ليتوقف فجأة وهو يرى حبيبته تقف بجوار شجرة.. تمسك وردة فى يد..بينما تشب بجسدها لتلمس باليد الأخرى أوراق تلك الشجرة برقة..تتطاير خصلاتها الناعمة خلفها فتمنحها منظرا خلابا حبس أنفاسه..إقترب منها بهدوء..حتى أصبح خلفها تماما..لينطق إسمها بحنان..إرتبكت جورية وكادت أن تسقط ولكنه أسندها بذراعه..لتنظر إليه وقد تبعثرت أنفاسها من لمسته لظهرها ونظراته المركزة على ملامحها..لتعتدل بسرعة وهي تبتلع ريقها قائلة بصعوبة
خالد..كنت..كنت فين
إبتسم قائلا
وحشتك
وضعت خصلاتها خلف أذنها
اليمنى وهي تطرق برأسها تهرب من نظراته قائلة بخجل
جدى اللى
كان عايزك عشان تفطر معاه..ولما خالة جليلة خبطت عليك وملقتكش..أنا قلقت.
مد يده يرفع ذقنها لتواجهه عيناها قائلا
فكرتينى سافرت مش كدة
قالت وهي تنظر إلى عمق عينيه لا تستطيع أن تحيد بنظراتها عنهما
فى البداية..بس خالتى جليلة قالتلى إن موبايلك ومفاتيحك على الكوميدينو..فإطمنت..وقلت أكيد بتتمشى.
إبتسم قائلا
وإفرضى كنت سافرت
غشيت عيونها لمحة حزن أدركها ليقول على الفور
عموما أنا مستحيل هتنقل من هنا غير وإنتى مراتى ياجورى.
إحمر وجهها خجلا..ليدرك أنه الآن يحتاج لكل قوته كي يتمالك نفسه قائلا بمزاح مفتعل 
طيب فين جدك والفطار ده ..أنا مېت من الجوع على فكرة.
وجدت صوتها لتقول بهدوء
الساعة ١١..جدى فطر من زمان مع خالتى جليلة..
نظر إلى عمق عينيها قائلا
طيب وإنتى..فطرتى
هزت رأسها نفيا قائلة بإبتسامة خجولة
لأ..مستنياك.
قال بإبتسامة
طب يلا بينا.
أومأت برأسها بهدوء وكادت أن تذهب معه حين توقف ينظر إلى الشجرة التى خلفها قائلا
أنا اللى زرعتها صح
أومأت برأسها بهدوء..ليبتسم قائلا
وكنتى معايا لحظة بلحظة.
أومأت برأسها مجددا..ليتأمل وجهها بحنان قائلا
ذكرياتى معاكى بتمحى كل ذكرى وحشة فى ماضى قربت أنساه خلاص..ويحل محله كل حاجة حلوة عشتها معاكى ولسة هعيشها ياجورى.
نظرت إلى عيونه فى عشق قائلة
ربنا يحلى كل أيامك ياخالد.
تأملها للحظة قبل أن يزفر قائلا وهو يمد يده إليها
يلا ياجورى..يلا نروح نفطر..لإنى ثوانى ومش هكون مسئول عن تصرفاتى..
أدركت مايقصده لتمسك يده بسرعة ..إبتسم بهدوء ثم مشي وهي إلى جواره..لتتشابك أصابعهم وتتداخل كما تشابكت أرواحهم.. تماما.
قالت لين لليلة فى حنق
أخوكى مبيردش..ومؤيد على آخره ..عايزنى أرجع معاه البيت وأنا مصممة مرجعش غير لما خالد يرجع وأستأذنه..أعمل إيه بس
إبتسمت ليلة قائلة
إهدى بس يالين..كلها النهاردة أو بكرة بالكتير وتلاقى أخوكى راجع وفى إيده عروسته وساعتها الفرح هيبقى فرحين وتلاتة كمان ياستى..صحيح مش هنقدر نعمل حفلة كبيرة نعزم فيها كل الناس بسبب مۏت شاهيناز..بس إحنا ميهمناش الناس..كل اللى يهمنا نكون مع اللى بنحبهم والمقربين لينا وبس.
تنهدت لين قائلة
يارب ياليلة يارب..نفسى الفرح يدخل بيتنا بقى..تعبنا من الحزن ..بقالنا سنين مقهورين.
تراجعت ليلة فى مقعدها قائلة بإبتسامة 
الفرح خلاص من النهاردة دخل بيتنا ومش هيخرج منه تانى يالين.
كانوا يجلسون على المائدة يتناولون طعامهم بصمت..حين قال الجد بهدوء
النهاردة زي ما إنتوا عارفين كتب كتاب علا وفايز..وأنا وعدت عابد يكون كتب الكتاب فى بيت المزرعة..مش

هوصيكى ياجليلة انتى وجورى ..عايز كل حاجة تكون جاهزة..مفهوم
أومأوا برءوسهم..ليلتفت الجد إلى خالد الذى قال بهدوء 
طب وبخصوص موضوعى أنا وجورى ياجدى..حضرتك لسة مردتش علية.
نظر إليه الجد قائلا بغموض
هنلعب النهاردة دور شطرنج ولو كسبتنى هقولك ردى بعد كتب الكتاب.. أما بقى لو خسړت....
قاطعه خالد قائلا فى ثقة
مفيهاش لو..هكسبك ياجدى..هكسبك.
إبتسم الجد بهدوء ثم ترك ملعقته وهو يقول 
الحمد لله.
نهض ولكن قبل أن يبتعد ..قال لخالد 
إنت معاك بطاقتك صح
أومأ خالد برأسه قائلا
طبعا..لكن ليه بتسأل عنها
قال الجد بهدوء
حابب تكون شاهد على عقد الجواز.
أومأ خالد برأسه متفهما ليقول الجد موجها حديثه لجورية
أنا جبتلك فستان عشان تحضرى بيه كتب الكتاب ياجورى..هتلاقيه على سريرك..ياريت