وادي النسيان بقلم شاهنده


هتردد ثانية واحدة.
لينهض واضعا بعض المال على الطاولة..ثم مغادرا المكان بخطوات مسرعة.
كان خالد يزرع الغرفة جيئة وذهابا فى ڠضب..لقد إتصل مرارا وتكرارا بأخته ولكن هاتفها مغلق دائما..يدرك أنها الآن تجالس هذا المدعو فراس..تتحدى تحذيره لها بنسيان أمره كلية..توقف حين رآها تدخل من الباب..يبدو الحزن على ملامحها..نظرت إليه بنظرة خالية من الحياة ..ثم أكملت طريقها مطرقة الرأس..لم تلقى عليه السلام أو تمزح معه كعادتها..آلمه ذلك وآلمه ما سيفعله ايضا..ولكنه للأسف مضطر لفعله..ليستوقفها قائلا بحدة
إستنى هنا..رايحة فين
توقفت وإستدارت تنظر إليه قائلة بنبرة خالية 
رايحة على أوضتى.
إقترب منها حتى توقف أمامها تماما..يحدجها بنظرة غاضبة وهو يقول
كنتى فين
كادت أن تكذب عليه وتخفى الحقيقة..تجنبا لنوبة من التقريع هي فى غنى عنها الآن وهي فى تلك الحالة النفسية السيئة..ولكنها أبدا لم تكن من هذا النوع الذى ېكذب دون أن يغمض له جفن..وخصوصا خالد..لم تكذب عليه قط ولن تبدأ الآن ..لتقول ببرود
كنت مع فراس.
حسنا..لم تكذب عليه..مازالت هي ليلة أخته التى يعرفها..ولم يؤثر عليها هذا الفراس بالسلب..ليقول لها بصرامة
وأنا مش منعتك من إنك تشوفيه أو تعرفيه تانى..مش قلت الحكاية دى تنتهى
نظرت إلى عيونه مباشرة قائلة پألم تناثر فى كلماتها
كنت بشوفه لآخر مرة عشان أبلغه كلامك..كنت بدبحه وبدبح نفسى پسكينة رفضك ..كنت بحضر جنازة قلبى ياخالد..قلبى اللى من النهاردة ماټ مع مۏت قصة حبى اللى ملحقتش أفرح بيها.
كاد خالد أن يتحدث فأشارت له ليلة بالصمت قائلة
من فضلك..أنا بجد تعبانة ..ياريت تسيبنى أعيش وجعى..لوحدى..ياريت تسيبلى فرصة أتعامل معاه..من فضلك..ولغاية ما ده يحصل..ياريت منفتحش الموضوع ده تانى..عن إذنك.
تركته وغادرت متجهة لحجرتها بخطوات سريعة يكاد يسمع شهقاتها..ليدرك أنها تبكى..أغمض عيناه بحزن..لديه شعور يزداد منذ أن رآها ..شعور طاغ بأنه لا يفعل الشئ الصحيح ..بل يخطئ تماما فى حقها وهو يسحب منها حرية الإختيار لشريك حياتها بقبوله لسمير ورفضه فراس..يحولها لتكون مثله تماما..تعيسة غير راضية بالمرة عن حياتها....ويالها من تعاسة لا تحتمل.
كانت شاهيناز تجلس على سريرها..تتأمل صفحة مؤيد الشخصية..وصوره القابعة بها..تمرر يدها على وجهه بعشق..تقول بصوت هامس
ليه بس ياحبيبى إخترتها هي ومخترتنيش أنا..أنا قريبتك اللى وقعت فى حبك من أول يوم شفتك فيه..حاولت ألفت نظرك كتير بس انت عمرك ماشفتنى..كنت بغير عليك من كل البنات اللى حواليك وياما فرقت بينك وبينهم من غير ما تحس..بس انت مكنش بيهمك..كنت بتلاقى غيرهم كتير..ولما حاولت أوقعك وأخليك مضطر تتجوزنى..نكرتنى
وسمعتنى كلام كتير دمر قلبى..إضطريت أشوف حد يستر علية..عرضت الجواز على خالد..وإتجوزته بسرعة وفى ليلة الفرح عرف إنى مش بنت..كان هيطلقنى بس أنا عيطت وحلفته بشهامته يستر علية..وعدته إنى انا وفلوسى هنكون تحت أمره..وفعلا سكت وكملنا..بس كملنا زي الأغراب.. ولما عرف إنى حامل..بدأ ينسى شوية..لكن كل

فترة بيفكرنى..كل فترة بسمع منه أد إيه كان شهم ومفضحنيش..لما خلاص مليت وزهقت من الحياة الباردة اللى عايشاها معاه وانا مذلولة..لو كنت بس رضيت بية..مكنش ده بقى حالى ..كنت عشت معاك الحلم اللى حرمتنى منه وعشته مع لين..نفسى أعرف..فيها إيه لين أحسن منى..فيها إيه مكنش فية..عموما..أنا خلاص مبقتش باقية على حياتى مع خالد ..وانا وراك يامؤيد لغاية ما تكون لية أنا وبس.
نزلت من عينيها دمعة واحدة مسحتها وهي تتأمل صوره مجددا ..لتنتفض على صوت دخول أحدهم الحجرة..أغلقت الهاتف بسرعة وهي تنظر إلى الباب لتشعر بالصدمة وهي تطالع لين التى تقف بجوار الباب تنظر إليها ببرود ثلجي..أحست شاهيناز بالإضطراب فمنذ أن عادت لين البارحة..وشاهيناز تلتزم حجرتها..تخشى ملاقاة لين ..تخشى ان يكون سرها قد كشف..ومن ذلك البرود الذى يكسو ملامح لين تستطيع شاهيناز أن تدرك أن سرها قد كشف بالفعل..لتقول بإرتباك
حمد الله على السلامة يالين..تعالى إدخلى واقفة عندك ليه
ظلت لين واقفة مكانها وهي تقول ببرود
عندى ليكى سؤال واحد بس ومحتاجاله إجابة.
إبتلعت شاهيناز ريقها وهي تقول
سؤال إيه ده
قالت لين 
فين مكان بنت مؤيد ..عايز أعرفه ..وحالا
قالت شاهيناز بإضطراب
معرفش..قصدى يعنى..آخر مرة شفتها كان فى اليوم اللى خدت منها عينة وبعدها مشفتهاش تانى.
قالت لين بصرامة
يبقى قومى بينا نروح الملجأ ..ما أنا لازم أشوفها..مفهوم
تلعثمت شاهيناز قائلة
ما هو..أصل أنا مقلتلكيش ..أنا روحت بعدها ولما سألت عليها قالولى إنها هربت وميعرفوش عنها حاجة.
حدجتها لين بنظرة لا تحمل أية مشاعر بها..ثم قالت بهدوء
إسم الملجأ ده إيه
إبتلعت شاهيناز ريقها وهي تقول
معرفش..قصدى مش فاكرة يالين
قالت لين بسخرية 
مش فاكرةإنتى متأكدة إنك مش مخبية عنى حاجة ياشاهى
قالت شاهيناز بإضطراب
أيوة.. متأكدة طبعا..هخبى إيه بس
لتأخذ طريقة الھجوم خير وسيلة للدفاع وهي تقول بحدة
وبعدين هو تحقيق ولا إيه..مالك يالينما تقولى فيه إيه علطول من غير لف ولا دوران.
إبتسمت لين بسخرية وقد تأكدت شكوكها لتقول بهدوء
مش أنا اللى ألف وأدور ياشاهى..أنا بس بدأت أشك فى شوية حاجات بخصوص الحكاية دى ..بدأت أشك فى الماضى كله..وصدقينى يوم ما هتأكد..هتكونى أول واحدة تعرف..سلام.
غادرت الحجرة بهدوء تتابعها شاهيناز بعيون إرتسم فيهم الحقد الشديد وهي تقول بغل
بتشكى فى كلامى يالين وبدأتى تدورى ورايا..وده معناه إنى لازم أتصرف ....وبسرعة.
الفصل السابع عشر
عندما ينخر قلبي الۏجع.. اغوص فيك
لأجدك قد اكتفيت مني.. وغادرت أحلامي
خانني فيك كل شيء.. حتى الصمت أصبح خائڼ..
لا أريد أن أسقط بعد هذا الصمود
ليتني أنسى. وهل أنا قادرة على ذكر النسيان..
حرب ضروس تفتك بي وتقتلني
وتجردني من كل ثبات وأتزان..
لاتقلق.. لن أستطيع تجريد أحرفي منك
فقد نقشت أسمك على تراث أيامي ..
كن طيفا ولاترحل هكذا
والمع بين نجوم سمائي..
فمثلي لن يكون لها أرض أخرى
غير أرضك التي غرست فيها ازهاري..
كان يمسك فأسا يساعده فى زراعة الأرض قبل أن يتركه من يده وهو يمسح حبات العرق التى تندت عن جبينه بطرف كمه..ثم قام بأخذ بعض الحبوب..ليقوم بزراعتها فى تلك الأرض السميكة..لقد تأكد منذ قليل بأن العمق مناسب لزرعة تلك البذور..ليردم بعض التراب عليهم.. إنتفض على صوتها الرقيق وهي تقول 
بتعمل إيه
إلتفت إليها ليتأمل ملامحها الجميلة بنظرة إعجاب واضحة لم يستطع إخفائها..لتتسلل حمرة الخجل إلى وجنتيها فتزيدها جمالا..إبتسم قائلا
هذرع حبوب البسلة فى الحتة دى كلها.
عقدت حاجبيها قائلة
وليه حبوب البسلة بالذات ..دى أول مرة تتزرع فى أرضنا.
إتسعت إبتسامته قائلا
الحقيقة لقيت الأرض مجهدة وتعبانة قلت أريحها بالبسلة وخصوصا ان الجو برد شوية ومناسب جدا ليها..بصى الموضوع كبير أوى ويطول شرحه...
إبتسمت بدورها قائلة
وإحنا ورانا إيه يعنىإحكيلى.
نظر إلى عيونها الرائعة ذات الأهداب الطويلة التى تسدلهما حين تخجل وهو يقول
ورانا شغل ياجورى.
عقدت حاجبيها وظهر الحزن على ملامحها..لتقول بنبرات متهدجة وهي تطرق برأسها
أنا آسفة..الظاهر إنى معطلاك فعلا عن شغلك..أنا بس كنت جايبالك الأكل عشان تتغدى..أنا سيبتهولك هناك ..تحت الشجرة اللى بتحب تتغدى تحتها.. هسيبك تكمل شغلك..عن إذنك.
معطلانى إيه بسكل الموضوع إن رغم ان احنا ابتدينا فصل الشتا بس النهاردة الجو بقى حر فجأة و الشمس حامية شوية وأنا خاېف عليكى منها..
ظهرت الحيرة فى عينيها ليترك ذراعها وهو يتنحنح قائلا بإرتباك
إحمم..قصدى يعنى ..واحدة فى رقتك مش هتستحملها.
إبتسمت فى خجل ..وسعادة داخلية لإكتشافها أنه يخشى عليها من أشعة الشمس الحاړقة..ربما حقا يكن لها بعض المشاعر كما يظهر لها من خلال نظراته لها والتى كان يخفيها ما إن تلتفت إليه كما قالت لها خالتها جليلة..لتنظر إلى عينيه الرائعتين واللتان تماثلان فى لونهما تلك السماء الصافية قائلة
متقلقش ..متعودة عليها..وبعدين شمس الشتا ولو حتى حامية مبتضرش..وأنا مش هتعرضلها كتير.
خلع عنه قبعته القش وألبسها إياها قائلا بحنان
كدة أحسن..خلينا فى الأمان.
نظرت إليه عاجزة عن الكلام وهي تراه يحكمها على رأسها وهو يتأمل ملامحها بنظرة حبست أنفاسها..لتبتلع ريقها بإضطراب تحاول أن تخرج من دائرة سحره لتمد يدها إلى القبعة تحاول أن تخلعها عنها وهي تتنحنح قائلة
إحمم..بس دى بتاعتك وأنا مش ممكن أقبلها..إنت ممكن تنضر من غيرها لإنك بتتعرض للشمس أكتر منى و
أمسك يدها التى تحاول أن ترفع بها القبعة ليثبتها مكانها مقاطعا إياها وهو يقول بحنان
أنا مش مهم..المهم إنتى.
تاهت فى سحر كلماته ونظراته التى غمرتها..وتاه هو فى سحر عينيها .. ود لو ضمھا فقط بين ذراعيه..يخفيها بين أضلعه يحميها من أشعة الشمس التى قد تؤذيها..أشاح بنظراته عن وجهها وهو ينظر إلى نقطة ما خلفها..ليقول بهدوء يخالف نبضات قلبه المتسارعة
طيب روحى أقعدى تحت الشجرة..وأنا دقايق وهجيلك هناك.
رفعت قبعته عن شعرها وهي تقف على أطراف أصابعها تضعها مجددا على رأسه..ترنحت فأسندها بسرعة قبل أن تقع فتناثرت خصلاتها الحريرية على وجهه ليذوب كلية وتتسارع دقاته عندما تقابلت عيناه مع عينيها
ليقرأ العشق بداخلهم..أرجع خصلاتها
إلى ما وراء أذنيها..لتظهر ملامحها الجميلة الرقيقة كاملة..إبتلعت ريقها بصعوبة..وهي تشعر بإقترابه منها لتعتدل بسرعة قائلة بإضطراب
أنا..إحمم..هستناك هناك.
أومأ برأسه بصمت..لتلتفت مبتعدة يتابعها بعينيه..ولكنها مالبثت أن توقفت لتدير وجهها إليه قائلة بخجل
متتأخرش..عشان الأكل هيبرد يافهد.
.........فتح عينيه بقوة..ينظر إلى محيطه..ليجد نفسه قد غفا على مكتبه وهو يراجع ذلك التقرير عن تلك الصفقة الجديدة والتى سيمضى عقدها مساء اليوم..أدرك أنه كان يحلم..ربما تأثرا منه بتلك الرواية التى قرأها لتلك الفتاة التى تشغل عقله وقلبه وأحلامه أيضا..فما رآه فى حلمه يشبه إلى حد كبير ذلك المشهد فى روايتها..بل يكاد أن يكون هو..عقد حاجبيه..فبطل روايتها يدعى عاصم..يختلف عن إسمه فى هذا الحلم..فهد..لما يبدو هذا الإسم مألوفا له..بل يكاد أن يكون مناسبا لشخصية خالد..ربما أكثر من إسمه حقا..ليراها فجأة أمامه تقول بإبتسامة رائعة
فهد.. إسمك فهد ..على فكرة..لايق كتير عليك.
إنتفض وصورتها تختفى من أمامه ..تبا..إنه لا يحلم..لقد كانت تلك ذكرى حية أمامه..إنتابته حيرة تكاد تصيبه بالجنون..يتساءل عن معنى ما شاهده للتو..يتذكر الآن فقط أن هذا هو الإسم الذى نطقت به جورية حين قابلها لأول مرة..مخاطبة به إيه حين أفاقت من إغمائتها..ليفيق من أفكاره على صوت دخول ريم إلى الحجرة تقول بإبتسامة
مساء الخير يابابى.
نفض خالد حيرته وقلقه وهو يبتسم و يفتح ذراعيه لها قائلا
مساء الهنا ياحبيبة بابى.
إقتربت منه بسرعة ليضمها بين ذراعيه ..ضمته بدورها..ثم خرجت من محيط ذراعيه قائلة 
فاضى النهاردة يابابى
إبتسم قائلا
ولو مش

فاضى ياحبيبتى..أفضيلك نفسى.
إتسعت إبتسامتها قائلة
يعنى هتخرج معايا عشان نجيب حاجة الحفلة.
عقد حاجييه قائلا
حفلة إيه ياريم
ظهر الحزن على ملامح ريم وهي تقول
حفلة عيد ميلادى ..إنت نسيت يابابى 
ظهرت الإبتسامة واسعة جلية على شفتي خالد وهو يقول
أنأ أنسى الدنيا كلها ومنساش حاجة تخص أميرتى..وإنتى أميرتى ياريمو..روحى أوضتك هتلاقى فستان الحفلة ولوازمه على سريرك..وكل حاجة جاهزة عشان نحتفل ببنوتى القمرة.
إنت أحلى بابى فى الدنيا.
لمس وجنتها بحنان قائلا
وإنتى بنوتى الحلوة..روحى يلا شوفى فستانك وإبقى قوليلى رأيك فيه.
إتسعت إبتسامتها وإلتفتت تتجه إلى غرفتها بسرعة لترى فستانها الجديد ولكنها ما لبثت أن توقفت..وإلتفتت إليه يبدو عليها التردد للحظات فشعر خالد بترددها ليقول بحنان
فيه حاجة عايزة تقوليهالى ياريم
قالت ريم 
إنت بتشوف طنط جورى يا بابى
دق قلبه بسرعة لسماع إسمها..وسؤال إبنته عنها ليقول