وادي النسيان بقلم شاهنده


نبيل بحزم 
تمام..دقايق وهكون عندك..سلام
اغلقت سها الهاتف وهي تنظر إليه فى قلق..ربما تسرعت بقبولها دعوته..ولكنها بالتأكيد شعرت بأنه يعرف شيئا عن إختفاء لين الغير مبرر..وهي لابد وأن تعرفه لتطمأن على رفيقتها..إلى جانب شعور غريب بالإطمئنان إلى هذا الغريب كلية عنها..فصوته ونبراته توحى بذلك..أو هو فقط خيالها ..لا يهم..المهم الآن هو أن تسرع بمغادرة المكان والإتجاه على الفور إلى كافيتريا الخليل..لتلتقى بهذا المجهول.
خرجت لين من المنزل لتجد نفسها وسط صحراء قاحلة تمتد على مرمى البصر..لا شئ ..حرفيا لا شئ حولها سوى الصحراء وسيارتها التى صفها مؤيد على جنب..إتجهت إليها بسرعة ورغم يقينها من أنه من المستحيل أن يترك مؤيد المفتاح بها إلا أنها كان لابد أن تتأكد..فربما حدث سهوا منه وتركه من حسن حظها..ولكن للأسف خاب أملها تماما وهي ترى مكان المفتاح خاليا تماما..نظرت حولها بيأس..لتدرك أن أملها الوحيد للخروج من هذا المكان هو ان تقنع هذا المدعو مؤيد بتركها وشأنها..وإن لم يرضخ..ستعمل على سړقة المفتاح..نعم ..هذا ما يجب أن تفعله تماما...
عادت أدراجها..تجرجر أذيال الخيبة المريرة..لتصعد إلى تلك الحجرة التى إستيقظت فيها لتجده هناك..مازال ممددا على السرير..مسترخيا تماما ..وكأنه كان واثقا من عودتها..إنتابها الغيظ منه..لتقول بحنق 
قوم رجعنى يامؤيد..وبلاش تلعب پالنار..أخويا لو مرجعتش البيت فى خلال ساعتين هيقلب الدنيا لغاية ما يوصلى.
إعتدل مؤيد جالسا وهو يقول ببرود 
قبل الساعتين ما يخلصوا هتكونى متصلة بأخوكى وقايلاله إنك سافرتى شرم تغيرى جو يومين كدة عشان أعصابك تعبانة.
كادت ان تعترض..تخبره أن يأخذ كلماته تلك ويضرب بها عرض الحائط فلن تفعل ما قال ابدا ..ولكنه قاطعها بإشارة من يده وهو يقول بلهجة حازمة متوعدة 
قبل ما ترفضى لازم تبقى عارفة إنك لو رفضتى..وقبل ما تعدى الساعتين دول برده.. هتكونى ملكى تانى وڠصب عنك..فالقرار قرارك والإختيار ليكى يا حبيبتى...
نهض بهدوء ثم تركها وهي فى صدمة من كلماته..تدرك أنه لا يلقى تهديدات لا ينوى تنفيذها..ليقشعر بدنها بالكامل وهي تتخيل أنها ملكه مجددا ولكن تلك المرة لن يظللهما العشق كالماضى..لا..سيظللهما كرها وبغضا وإنتقاما أسودا..على الأقل من جانبه ..فهي تدرك أنها مازالت تحبه ..حتى وإن إدعت العكس.
قالت ليلة برقة وهي تشير إلى فيلا قريبة من السيارة 
البيت هناك أهو.
توقف فراس أمام بوابة الفيلا وهو يشعر بالحسړة لإنه سيتركها لتذهب مجددا..إبتسمت ليلة وهي تنظر إليه قائلة 
انا متشكرة اوى..عن إذنك.
إبتسم بدوره وهو يهز رأسه..كادت ليلة أن تغادر السيارة ولكنها مالبثت ان أوقفها صوته وهو يقول 
آنسة ليلة..
إعتدلت تنظر إليه قائلة 
أفندم.
نظر إلى عينيها الجميلتين..ليقول بعد لحظة من التردد 
هو أنا ممكن آخد رقم تليفونك 
نظرت إليه فى حيرة..ليبتلع ريقه فى صعوبة قائلا 
أنا الحقيقة يعنى..شايف إن هدفنا واحد وهو إننا نجمع خالد وجورية مع بعض وعشان كدة ممكن نتكلم ونتفق نتقابل برة ونفكر فى حاجة تجمعهم..ده لو معندكيش مانع يعنى.
نظرت إليه ..تدرك أن خلف طلبه ما هو أكثر من رغبة فى جمع حبيبين ..خشيت ما يحدث..ولكنها رغبت به..لتومئ برأسها برقة قائلة
هات تليفونك.
منحها الهاتف على الفور وعيونه تلمع بالسعادة ..وهو يراها تمسك بالهاتف..تجرى أصابعها الرقيقة على أرقامه..ليرن هاتفها داخل حقيبتها..وتبتسم قائلة 
كدة تمام..عن إذنك.
إبتسم بدوره يتابعها بعينيه وهي تترجل من السيارة..لتدخل إلى المنزل..ترتسم إبتسامة هائمة على محياه..ثم ما لبث أن نظر إلى هاتفه ..يطالع رقم هاتفها بإبتسامة ..ثم قربه من فاهه وقبله بقوة..قبل أن يبتعد بسيارته وهو يفتح تسجيل سيارته لتتسلل أغنية محمد حماقى إلى مسامعه ..تطربه ..وتعبر كلماتها عن شعوره الآن ..تماما.
فى جوه قلبى حاجه مستخبية
كل اما باجى اقولها فجأه مش بقدر
قدام عينيك بقف وبنسى ايه يتقال
ليه كل مره يجرى فيها كده ليا
وديه هى كلمة واحدة بس مش اكتر
والكلمة ديه عندى فيها راحة البال
حبيتك يوم ما اتلاقينا
لما حكينا اول كلام
حبيتك واحلف على ده
تسمع زيادة ده انا مش بنام
حبيتك يوم ما اتلاقينا
لما حكينا اول كلام
حبيتك واحلف على ده
تسمع زيادة ده انا مش بنام
ديه الناس فى عينى حاجه وانت حاجه تانية
عندك مشاعرى حتى خدها واسئلها
انا صعب اعيش حياتى وانت لحظة بعيد
احساسى بيك فى وقت ضعفى قوانى
كانت حياتى ناقصة جيت تكملها
فرحة لقايا بيك بتبقى زى العيد
كان خالد يمسك بأصابعه السبابة والإبهام هذا الجسر مابين حاجبيه..يشعر بذلك الألم فى رأسه مجددا..ليغمض عينيه..وفجأة يمر بخاطره..صورتها وهي تركض ضاحكة وهو يجرى ورائها ..يشعر بالسعادة المطلقة وهو يسمع صوت تلك الضحكات الرقيقة..لتلتفت إليه ..نعم..كانت هي جورية..بوجهها ذو الملامح الرقيقة العذبة..وعيونها البريئة الجذابة..كاد أن يمسك بها ليتعثر ويقع أرضا..لتزداد ضحكاتها ..شعر ببعض الألم فى قدمه وظهر على وجهه لتتوقف ضحكاتها وهي تراه هكذا ..تسرع إليه..تجثوا إلى جواره..تطالعه بقلق..وتسأله عن مدى إصابته..ثم سوادا..فتح عينيه يشعر بالحيرة..هو ليس بنائما..بل هو مستيقظ..وهذا بالتأكيد ليس حلما ..إنه يكاد أن يكون واقعا ملموسا..ماالذى يحدث له بحق السماء هل هذا سحر ما أم ربما ذكرى كيف وهو لم يرى جورية سوى منذ أيام قليلة..أين له بذكريات معها إذا بما يفسر دفتر رسوماتها..شعر بضباب يحيط بعقله وصداعه يزداد..ليقرر أن ينهى يوم عمله..فقد شعر حقا بالتعب والإنهاك..وليؤجل التفكير فى تلك الجورية إلى وقت آخر..فقلبه يخبره أن ما يحدث بينهما هو شئ كبير ..لو إستطاع فهمه سيرتاح..ومن يدرى..ربما لو عرف حقا..لضاعت راحته وضاع سلامه......للأبد.
الفصل الحادى عشر
هناك على نور مصباحي
أو على ضوء القمر
بين بسمة خجولة
وضحكة من ذاك الثغر
كان يحلو جلوسي
بقربك و يحلو السمر
هناك أسبح بأحلامي
وأطيل فيك النظر
أرى القمر في عينيك
بدرا قد تجلى وظهر
فقد كنت حبيبتي
دونا عن كل البشر
كان نبيل يجلس على تلك الطاولة ينظر إلى ساعته التى تشير إلى أن تلك المرأة قد تأخرت على ميعادهما نصف ساعة كاملة..شعر بالغيظ..وكاد أن ينهض ويذهب إلى الشركة مباشرة حين سمع رنين هاتفه..ليرد قائلا
ألو..
تناهى إلى مسامعه صوتها الآسف وهي تقول
أنا متأسفة جدا ..إتأخرت على حضرتك ..بس كان لازم أخلص الأوراق بتاعة الشغل قبل ما أنزل وأسلمها للإدارة.
زفر نبيل قائلا
ولا يهمك..إنتى فين دلوقتى
قالت سها 
أنا داخلة من باب الكافيتريا حالا.
إنتقلت نظرات نبيل إلى باب الكافيتريا فى تلك اللحظة ليراها على الباب..تبحث بعينيها عنه بين الحضور..ليتجمد تماما فى مكانه..لا يصدق ما يراه..إنها هي..السندريلا خاصته..أمامه مجددا..والأدهى من ذلك أنها هنا للقاءه..إستمع إلى صوتها القلق وهي تقول
حضرتك فين أنا مش شايفاك.
إبتسم وهو ينهض واقفا مشيرا إليها وهو يقول
أنا أدامك أهو.
وقعت عيناها عليه فى تلك اللحظة لتتجمد بدورها وتتسع عيناها فى دهشة..إتسعت إبتسامته وهو يشير إليها بالإقتراب بعد أن أغلق هاتفه..لتقترب كالمسحورة..حتى توقفت أمامه تماما..ليتأمل ملامحها الجميلة الرقيقة قائلا
وأخيرا لقيتك.
قالت بحيرة
إنت مين بس وعايز منى إيه
مد يده إليها قائلا
نبيل نور الدين..مهندس معمارى وإنتى
مدت يدها إليه قائلة
سها صبرى..مديرة مكتب لين نصار.
سها..ياله من إسم جميل يليق بها..ظلا هكذا لثوان ..ينظران إلى بعضهما البعض..تتشابك أيديهم ونظراتهم..لا يود أحدهما أن تنتهى هذه اللحظة السحرية..ولكن كانت سها أول من أفاق منها وهي تترك يده وتتنحنح قائلة
إحمم..إحنا هنفضل واقفين كتير
قال بسرعة
لأ طبعا..إتفضلى أقعدى.
جلست ليجلس بدوره يتأملها بطريقة أخجلتها ..لتحاول أن تخرج من دائرة الخجل وهي تنظر إليه قائلة بجدية
ممكن تقولى يا استاذ نبيل ..تعرف إيه عن موضوع لين
إبتسم قائلا بمزاح
اولا أنا إسمى نبيل وبس..ده إحنا بينا حفلة وكعب مكسور ولا نسيتى
إبتسمت رغما عنها..فهي ابدا لم تنسى ذلك اليوم ولم تنساه هو بالتأكيد..ليعتدل قائلا بجدية
أما بخصوص لين..فأنا معرفش حاجة..لكنى شاكك بس..وشكى قالقنى ومخلينى عايز أعرف مكانها عشان أطمن.
عقدت حاجبيها فى حيرة قائلة
شاكك فى إيه بسوإيه اللى ممكن يقلقك
قال نبيل بهدوء
فى الأول لازم تعرفى إنى أبقى صديق مؤيد الحسينى.
إتسعت عيناها فى دهشة ليبتلع نبيل ريقه وهو يستطرد قائلا
وللأسف أنا حاسس إن مؤيد خطڤها.
لتتسع عينا سها ....فى صدمة
كانت لين تجلس على السرير ..تضم ركبتاها إلى صدرها وتسند جبهتها عليهما بضعف..لا تدرى ماذا ستفعل فى مصيبتها تلك..وما الذى ينوى مؤيد فعله معها..أفاقت من أفكارها على صوت الباب وهو يفتح ودخول مؤيد إلى الحجرة مقتربا منها بهدوء ..إعتدلت وهي تنظر إليه بقوة لا تعكس أبدا هذا الضعف الذى يغمر كيانها..لينظر إليها بسخرية وكأنه يعلم مكنون صدرها..جلس بجانبها على السرير قائلا لها ببرود
ها ..إخترتى إيه يالين
بادلته بروده للحظات قبل أن تقول
هات تليفونى لو سمحت.
إبتسم بسخرية وهو يمد يده يرجع خصلة شعرها إلى ما وراء أذنها قائلا
ياخسارة..كان نفسى ترفضى يالين.
أبعدت لين يده عنها بقوة وهي تنهض قائلة پغضب
على فكرة ..أنا مش خاېفة منك..مش هتقدر تيجى جنبى طول ما أنا رافضة..هقاومك ولو كان التمن حياتى.
آلمته كلماتها..ونفورها تجاهه حتى أنها تفضل المۏت على أن يلمسها هو..ولكنه أبعد هذا الشعور جانبا وهي تستطرد قائلة
انا بس مش عايزة خالد يقلق علية..ولا عايزة مشاكل ..أنا معاك فى لعبتك اللى قررت تلعبها معايا وصدقنى واثقة من فوزى فيها..انا حابة أوريك إن لين بتاعة زمان مبقتش موجودة..إنى بقيت أقوى..وحقيقى اللى
بتعمله ده..بيثبتلى اكتر إنى
كنت صح لما قررت أنفصل عنك.
شعر بالڠضب ..ولكنه قبض على يديه بقوة..يبعد تلك الأفكار عنه..سيجعلها تخضع له وتعلن إستسلامها..ولكن رويدا رويدا..ليقول ببرود وهو ينهض مناولا إياها هاتفها قائلا
هنشوف يالين..هنشوف.
أخذت الهاتف من يده بحدة..وإتصلت بأخيها دون أن تحيد بنظرها عنه..ليرد عليها خالد قائلا بلهفة
إنتى فين يالينومجيتيش الشركة ليه
كادت أن تضعف و تخبره بوضعها ولكنها تراجعت فى اللحظة الأخيرة ..لتقول بهدوء
خلصت الميتنج وحسيت إنى مخڼوقة شوية ياخالد..طلعت على شرم..هقضى يومين هناك وهرجع تانى.
قال خالد
إنتى كويسة
تنهدت قائلة
آه كويسة متقلقش علية.
قال خالد
طيب أجيلك
قالت بهدوء
لأ..أنا محتاجة اقعد شوية لوحدى.
قال خالد
أنا خاېف عليكى ..ممكن الحالة ترجعلك وإنتى لوحدك.
قالت بإرتباك وقد خشيت أن يسمع مؤيد كلمات خالد
لأ متقلقش..باخد الأدوية فى ميعادها.
عقد مؤيد حاجبيه..بينما قال خالد
طيب ..طمنينى عليكى علطول..ومتقفليش تليفونك..إتفقنا
قالت بهدوء
إتفقنا ..سلام دلوقتى.
ثم أغلقت الهاتف .. ليقول مؤيد بهدوء يخفى ذلك القلق العاصف بكيانه
أدوية إيه دى
قالت لين بإضطراب
كنت آخدة نزلة برد جامدة وبيفكرنى بإنى مهملش العلاج عشان متعبش تانى.
قال مؤيد بشك
بس شنطتك مفيهاش أدوية
حمدت ربها على هذا الجيب السحرى فى حقيبتها والتى تخفى فيه أدويتها فلم يراها مؤيد..لتقول لين بهدوء مفتعل
مبقتش آخدهم..أنا بس بطمنه .
هز مؤيد رأسه متفهما وهو يمد يده إليها قائلا
التليفون.
ناولته إياه قائلة
إنت هتفضل حابسنى هنا كتير
نظر إلى عينيها قائلا
لغاية ما آخد حقى منك وأخليكى تعترفى إن بعدك عنى كان أكبر غلطة فى حياتك يالين.
نظرت إلى عينيه قائلة بقوة
يبقى بتحلم يامؤيد..لإنى عمرى ما هقول الكلام الفارغ ده.
إبتسم بسخرية قائلا
هنشوف يالين..وأنا وإنتى والزمن طويل.
إبتعد بخطوات هادئة مغادرا الحجرة..تتابعه بنظراتها القوية المتحدية..قبل أن يغلق الباب..ليظهر الضعف بهما...جليا .
نهضت سها قائلة بحدة
يعنى إيه مؤيد خطڤهاهي سايبة..ده أنا أقلب الدنيا عليه..هو مش عارف لين تبقى مين
قال لها نبيل منبها
إهدى بس وأقعدى ياآنسة سها..الناس بتتفرج علينا.
نظرت سها إلى محيطها لترى فعلا بعض رواد الكافيتريا وهم ينظرون إليها..لتجلس وهي