لأجلها بقلم امل نصر


عليه أن يغار أيضا من ليلى وقد أصبحت تستحوذ على الحيز الأكبر من تفكيرها
انت هنا من إمتى يا حمزة
أتى السؤال منها حين انتبهت لوجوده فأهداها ابتسامة عذبة قائلا وقد اتجهت أقدامه نحوها
يعني عايزة تصحي وتقومي من جاري وأنا محسش
في الأخيرة كان قد اقترب منها ليدنو إليها ويحاوط وجهها بين كفيه ثم 
. قلبي اللي حاسس بيكي هو نفسه اللي صحاني.
تقبلت لفتته بترحاب تحتضن كف يده بامتنان شديد قائلة
يسلم لي قلبك يا ضي عيني وسامحني إن كنت قلقت راحتك لكن والله ڠصب عني قلقانة جدا يا حمزة.
رد وقد استند بذقنه على رأسها
عارف وعارف سبب القلق انتي أصلا لا على حامي ولا على بارد من امبارح مسا بس انا بقولك اها ليلى مش بس هتنجح لا دي هتفاجأك كمان بتفوقها في كلية تفتخري بيها
رفعت رأسها إليه برجاء تفضي إليه بهواجسها ومخاوفها
يا ريت يا حمزة نفسي والله بس خاېفة لا يكون الحمل أثر على تركيزها خاېفة إن هي
نفسها تتعب في اللجنة بت جارتي ألقديمة أم حسنين كانت شاطرة قوي وكل سنة تطلع من الأوائل لحد ما جات في سنتها الأخيرة صدمت أهلها وصدمتنا كلنا بمجموع يكسف رغم انها كانت طول الوقت قافلة على نفسها الأوضة تذاكر و مكانتش بتساعد امها ولا تشيل قشاية حتى في البيت يا خۏفي يحصل مع ليلى اللي حصل معاها
ضحك حمزة بخفة يشدد من ضمھا إليه قائلا
والله انتي مخك ضارب طب يعني اللي كانت بتقفل على نفسها الأوضة دي انتي ضمنتي انها كانت بتذاكر طوال الوقت اللي حابسة نفسها فيه وبرضو حتى لو مشيت معاكي انها كانت بتذاكر فعلا دا مش مقياس على فكرة يعني انا مثلا كنت من ضمن العيال اللي تلم المنهج كله في إسبوع الامتحان أو قبله بحاجة بسيطة وغيري اقل المهم هو التركيز والتوفيق من عند ربنا .
يارب يارب
تمتمت وهي تضمه إليها بقوة ألصقت رأسها على صدره لتجد فيه ملاذا من التفكير وتستمد منه الراحة والاطمئنان. ولم يقصر هو في الضغط بأنامله على جسدها ليضمها إليه بتقديم الدعم والمؤازرة التي هي في أشد الحاجة إليها الآن كي تكسب في معركتها الأخيرة بعد سنوات من الټضحية والإيثار.
.........................
أما عن ليلى التي ارتدت ملابسها وكانت تتجهز الآن تضع اللمسات الأخيرة في لف حجابها أمام المرآة قبل الخروج والذهاب إلى تأدية الاختبار.
تخاطب زوجها الذي دلف عائدا من الشرفة يغلق الهاتف بعد انتهائه من مكالمة هاتفية
اقعد تتكلم في التليفون وتأخرني على الامتحان يا معاذ.
تبسم لها وهو يتناول متعلقاته من درج الكومود قائلا
ما كله برضه عشانك يا ست ليلى حمزة بيتصل يوصيني وأمك ماسكة راسي من امبارح أسئلة عنك. المشكلة أنه كله صداع على دماغي وأنت نفسك صاحبة الأمر خايفين ليزعجوكي أو تتوتري. يا غلبك يا معاذ.
قهقهت ضاحكة ردا على طريقته ليواصل هو بفكاهة وهو يتأملها
ما يعرفوش إن البرنسيسة بقالها ساعة بتتعدل قدام المرايا وكأنها رايحة فرح صاحبتها.
تخصرت بزهو أمامها تعقب على قوله
ليه يا حبيبي عايزاني أروح مبهدلة ولا أقل من البنات يعني مش كفاية البلونة الصغيرة والباشا اللي يبين نفسه من تحت الفستان.
كان في الأخيرة قد اقترب منها ليحاوطها من الخلف بذراعيه التي امتدت على البروز البسيط لبطنها يربت عليها يحدث انعكاسها في المرآة أمامه مقبلا وجنتها المنتفخة يبث داخلها الاطمئنان بطريقة فكاهية
وماله لما يظهر ويبين نفسه ده حبيب أبوه اللي هيحضر مع أمه امتحانها عشان لو نسيت الإجابة يديها رفسة يفوقها تفتكر على طول.
ضحكت للمرة الثانية حتى إذا توقف علقت بجدية وحب له
أهي خفة دمك دي هي اللي مخلياني بنسى إن في امتحان أصلا. بس حبيب أبوه ده هو نفسه حبيب أمه كفاية إنه سبب في زيادة ارتباطي بيك أكثر وأكثر يا معاذ أتدلع على حسه عشان عارفة إنك مش هترفض لي طلب وحتى لما أغلط أنت اللي تفوت وتعدي لي بسببه مش بقولك حبيب أمه!
تنهد يخطف قبلة أخرى من وجنتها مرة أخرى يود إطالة الحديث بينهما لكن الوقت لا يسمح ليضطر بفك ذراعيه عنها بيأس قائلا
والله كلامك حلو يا أم الغايب بس شكلك نسيتي الامتحان صح وباين الوقت هيفوتنا.
سمعت منه لتلقي بنظرها على الساعة تزين رسغها لتنتفض مهرولة نحو حقيبتها
يا لهوي ده أنا كده هيضيع علي أول مادة فعلا لو ما لحقتش. بسرعة يا معاذ عشان توصلني بالعربية.
جاء رده وهو يسبقها دون
أن يفوت فرصته في التنمر عليها
على ما تخلصي النزول بخطوات البطريق أكون أنا سخنت العربية...
...............................
داخل منزل اعتماد وشقيقتها.
كانت اعتماد في هذا الوقت تلاعب الصغيرة ابنة روضة التي كانت غائبة في غرفتها منذ ما يقارب الساعة تاركة لها الصغيرة التي تدخل البهجة إلى قلبها بضحكاتها ولعبها. حتى تذكرت اعتماد موعد خروجها لتنهض بالطفلة هذه المرة متجهة إلى غرفة والدتها لتعطيها إياها. ولكن ما إن اقتربت من الباب وقبل أن ترفع يدها وتطرق عليه لتستأذن في الدخول حتى توقفت فجأة مع سماع النهنهات التي صارت تصل إليها بوضوح ثم حديث الذل والرجاء
يا محمود أنا إيه ذنبي بس والله والله كل يوم بفتح السيرة قدامها عشان تحس على ډمها لكن مفيش فايدة! كل مرة تسمعني الكلام الماسخ. قوله إن دا جلسة رجال ولازم تتنفذ... أيوه والله عارفة معاكش المبلغ الكبير بتاع التعويض بس... بس يعني لو أبوك يساعدك ولا عيال عمامك اللي حضروا الجلسة ولا واحد فيهم ربنا يقدره ولو بمبلغ صغير... خرست يا محمود وسيبت سكوتي لربنا. بس... بس أنت لو تقدم أي حاجة... طب أبويا الحاج رافض يديك مليم أمك يا محمود لو طلعت غويشة واحدة من إيدها هتجيب على خمسين ألف جنيه و... محمود متتهمنيش إني حن عليك! أنا لا ببصلها ولا زفت. أنا بس... يا محمود... يا محمود... منك لله يا اعتماد منك لله!
في تلك اللحظة كانت اعتماد تفتح عليها الباب لتجدها تنظر إلى الهاتف الذي اسودت شاشته مع انتهاء المكالمة من جانبه بوجهها كما يبدو فصبت روضة اللوم والاڼهيار على الحلقة الأضعف لها وهي شقيقتها.
والتي ابتلعت الغصة المؤلمة وتقدمت بصمت تام حتى اقتربت لتضع الطفلة في حجرها ثم التفتت لتغادر كاتمة على جرحها بالملح.
ولكن هذا لم يرض روضة التي تحدثت من خلفها في تبرير أحمق بعد أن علمت بسماعها المكالمة
على فكرة بقى أنا دعيت من قهرتي يعني لازم تعذريني وتقدري الضيقة اللي أنا فيها.
أغمضت اعتماد عينيها بتعب شديد ومرارة جثمت في حلقها حتى تحاملت على ألمها لتلتف إليها وتتحدث بصعوبة
ومين يقدر الضيقة اللي أنا فيها في عيشتي مع واحدة زيك زي الأتب اللي في الضهر ولكنه بتقل الحجر ومع ذلك مقدرش أشيله
انتفضت كعادتها لا تتحمل الإهانة والوصف المحق فيها لتعارضها بلوم
أنا برضه اللي زي الأتب ولا أنت اللي شوفتي نفسك بعد ما
فوزتي بالحليوة ابن البهوات ومعدتيش حاسة بأختك ولا بۏجعها طب أديك سمعتي بنفسك أبوه رافض يساعده وولاد عمه حتى أمه رافضة تطلع غويشة واحدة من إيدها تسد حتى ولو ربع المبلغ. يعني محدش حاسس ولا همه!
ردت اعتماد بعد انتهائها من عبارات المظلومية التي تتجدد منها يوميا تخاطبها بمنطق العقل الذي لا تعرفه من الأساس
محدش فيهم راضي يساعده حتى أمه دا ميخليكيش تنتبهي إنه لو راجل أمين كان هيلاقي الكل يسارع في مساعدته مش يجيله الرفض حتى من أقرب ما ليه أنت بس اللي مسلماله أمرك زي ما سلمتيه دهبك وضيعه زي ما كان هيضيعك برضه ويمضيكي على قرض. أنتوا تستاهلوا بعض على فكرة. بس أنا ذنبي إيه عشان تحسبيني عليا قولتلك روحيله وخلصيني من همك لكن أنت مصرة تبقى الروحة رسمي بالتنازل مني عن التعويض اللي اتقرر في جلسة الرجال وعشان لما ېغدر ويرميكي تلاقيني برضك في ضهرك بس دا مش هيحصل يا روضة. بلغي الصايع بتاعك إني مش هتنازل
عن حقي وإن وصلت إني أحبسه هعملها. أما أنت بقى غوري في داهية وادعي عليا براحتك.
ختمت كلماتها وتحركت مغادرة تتجاهل صياح تلك الجاحدة من خلفها تدعي قوة زائفة وعدم اكتراث ولكنها من الداخل تتهادى كجبل صنع من الرمال ليسقط حتى يختفي ويتلاشى تماما.
............... 
ها هي تطل من أعلى الدرج تراه جالسا في وسط الردهة الأمامية لمنزل والديها يداعب الصغيرتين يدغدغهما بأنفه حتى تصدح ضحكاتهما الطفولية فتصل إليها وإلى خارج المنزل.
عدة مرات أتى لرؤيتهما في غرفة الاستقبال الخارجية دون أن تعلم هي في معظم الأحيان سوى بعد انصرافه.
أما اليوم فقد جاء طالبا رؤيتها. هل تراه تراجع عن الخطبة المزعومة لتلك المدعوة اعتماد أم أتى في أمر آخر ستعرف الآن.
مساء الخير يا خليفة. قومي من على حجر أبوك يا بت.
وجهت الأخيرة إلى الصغيرة التي كانت تصدر منها القهقهات العالية أثناء دغدغة ابيها لها بأنفه لتجبره على الانتباه إليها ونجحت بالفعل.
غتوقف هو يزفر داخله ليقبل ابنته وشقيقتها ويصرفهما بلطف ثم يتفرغ لها. وقد اتخذت جلستها في الكرسي المقابل له مباشرة فبادرته بسؤالها
نعم يا خليفة. بلغني أنك جاي مخصوص تقابلني. يا رب تكون جاي في خير!
قالت الأخيرة بمغزى مقصود لتزيد من ثقل المهمة التي أتى من أجلها.
ضاق صدره من البداية ولكنه مصر على إنهاء النقاش بقراره الحاسم الفاصل
نعم الله عليك يا ستي بس أنا كنت جاي نخلص الأمور المعلقة ما بيننا.
سألته بتوجس تقصفه بكلماتها
أمور إيه بالظبط وضح يا ولد
عمي. يكونش هتردني المرة دي
تصلبت ملامحه فأجابها دون تردد
دا على أساس إن أنا اللي كنت طلعتك من البيت ڠضبانة مثلا على العموم أنا جاي أوفر علي وعليك التعب والشد والجذب. شوفي عايزة إيه يا هالة وأنا أنفذه لك. أنت بنت عمي قبل ما تكوني أم ولادي اللي عمري ما هفرط فيهم والود ما بين عيلتي وعيلتك لا يمكن يعكره مشاكل ولا انفصال.
اشتدت ملامحها عند الأخيرة وكأنها تلقت صڤعة بعدما فاجأها بطلبه الصريح بطلب الانفصال منها!
يعني أنت جاي وتقول لي اطلبي وأمري لأجل أطلقك وأجيب الشحاتة الواطية مكانك
احترمي نفسك يا هالة وماتغلطيش فيها.
وكمان مش هتحمل عليها كلمة لا دي شكلها عاملالك عمل سفلي محكم!
إلى هنا ولم يتحمل ليضرب بكف يده ذراع الكرسي بحدة
سفلي ولا علوي اخلصي قولي طلباتك عشان لت وعجن أنا مش عايز.
توقف فمها عن الكلام تتطلع إلى زوجها الماثل أمامها البحر الهادئ الساكن وقد ثارت أمواجه الغادرة ليلفظها إلى خارج محيطه بقوة دون ندم أو تردد. لكن لا والله لن يحدث.
هدأت قليلا من ضجيج الحړب الدائرة داخلها ونيران البغض التي تود حړق