لأجلها بقلم امل نصر


الأشخاص ليضطر لتركهم. ولكن ما هي إلا ثوان حتى عاد إليهم بالخبر الذي وصله
حمزة... خليفة أخوك في مستشفى البندر مع خطيبته الأبلة اعتماد!
.........................
لا يوجد حجة كي يتركها هذه المرة ولن يمنعه أحد من مرافقتها ولا حتى هي.
للمرة الثانية ينقذها وهي على شفا المۏت يحملها بين ذراعيه ويركض بها حتى المشفى.
في الأولى كانت العلاقة بينهما عابرة تحيطها المشاحنات والشجار في بعض الأحيان لم يكن قد فهم مشاعره نحوها بعد. أما في الثانية والتي حدثت منذ ساعات فالله وحده الأعلم كيف كان حاله! قلبه الذي كاد أن يتوقف من فرط الخۏف عليها الارتجاف الذي اكتسح خلاياه وهو يجاهد بصعوبة لئلا تخور أعصابه عن نجدتها.
لماذا يتآمرون على قټلها ويضمرون كل هذا الغل نحوها إنها لا تفعل شيئا سوى ادعاء القوة بالزور ترتدي قناع الشراسة الزائفة من أجل حمايتها وحماية شقيقاتها. تلك المرأة التي يهابها جميع من يقابلها بداخلها هي أضعف النساء.
لقد وضعها القدر مرتين في طريقه كي ينقذها والآن هو لن يسمح أبدا أن تتكرر تلك الحوادث لها أو أن يمسها أحد بسوء. لن يتخلى عنها أبدا أبدا.
فاق من شروده حين شعر بحركة لإصبعها المجاور لكفه التي كانت مستندة على طرف التخت الطبي ليتمعن بوجهها بتركيز شديد وهو يلاحظ تحرك أهدابها وبعض العضلات قرب عينيها وجبهتها حتى فتحت بصرها للنور أخيرا تستوعب المكان الذي هي فيه. تتأمل السقف قليلا ثم تدير بمقلتيها في الأنحاء حتى وصلت إلى وجهه المقارب لها. تراه قد ازداد وسامة بتلك الابتسامة الرائعة التي يطالعها بها وهو يخاطبها
حمد الله على السلامة يا أبلة اعتماد كدة برضه توقفي قلبي عليكي
انتظرت لبرهة من الوقت حتى استوعبت لتسأله وهي تتذكر ما مرت به رويدا رويدا
أنا إيه اللي حصل معايا ليه حاسة بۏجع وجسمي كله مختل صحيح أنا كنت في الوحدة مش هنا... أنت كنت شايلني يا خليفة!
ضحك في الأخيرة وقد شعر بالتسلية ليزيد عليها
أيوه شيلتك بين دراعاتي الاتنين وفريت بيكي على الوحدة قعدت معاكي وهما يسعفوكي وبعدها شيلتك تاني برضه وجيت بيكي على هنا يعملولك غسيل معدة.
غسيل معدة!
تمتمت بها باندهاش سرعان ما ذهب وعقلها يستعيد لحظات ما سبق تلك الخطوة لتردف
انت كنت جنبي وأنا برجع يا خليفة
أومأ بعينه بابتسامة عابثة
حتى في مرة فيهم حصلت كم جلابيتي بس عادي يعني فداكي.
وكان في الأخير قد رفع ذراعه لترى البقعة التي كانت ظاهرة رغم المسح عليها بالماء لتغمض عينيها بحرج شديد تشيح بوجهها عنه
أنا آسفة...
ضحك بخفوت وامتدت يده ليعيد وجهها إليه بلمسة من ذقنها يخاطب ملامحها المذهولة
وليه الأسف من أصله حد قالك إني قرفت مثلا بالعكس ده أنت لو بهدلتي جلابيتي كلها والله ما كنت هزعل ولا هقرف حتى كفاية عليا إني اطمنت عليكي في الآخر وشوفتك وأنت راجعة للحياة من تاني راجعة لخليفة اللي روحه كانت تروح منه لو حصلك حاجة لا قدر الله.
تجمدت أمامه وكأن الصوت لم يصلها تطالعه فقط بصمت حتى ظهر رد فعلها بتنهيدة من العمق وعينان ترقرقت بهما الدموع وبصوت مغذب تترجاه
بلاش كلامك ده الله يخليك يا خليفة أنا قلبي مش متحمل والله لا حمل أحلام ولا حمل مشاكل يكفيني اللي أنا فيه...
بس إحنا مش بنتكلم في حلم إحنا بنتكلم في واقع يا اعتماد وبالنسبة للمشاكل أنا كفيل بيها.
ذلك الدفء الذي يتحدث به هو أكبر دليل على صدقه ولكن طاقتها التي نفدت من كل شيء تجعلها رافضة حتى التفكير. فهم الصراع الذي يدور داخلها فأشفق أن يضاعف عليها وهي في تلك الحالة ليردف مغيرا دفة الحديث
على العموم مش وقته الكلام دلوقت خلينا في موضوع الټسمم
اللي حصل معاكي تفتكري أكلتي ولا شربتي إيه بالظبط عشان الظابط اللي هيحقق معاكي زمانه داخل دلوقت يسألك.
..........................
الشاشة مدارة أمامها وهي جالسة في غرفة المعيشة عيناها على الفيلم الذي يعرض وعقلها في واد آخر. بعد انتهائها من المكالمة التي أجرتها مع ابن شقيقتها والذي أخبرها بآخر التطورات ألقت الهاتف من يدها على الأريكة جوارها بفتور وشعور غير مفهوم يجتاحها.
أولها ڠضب استعر داخلها حين سمعت بالأقاويل التي انتشرت في البلدة على لسان أفرادها تصف شهامة الخطيب المغوار الذي كان يركض حاملا الأستاذة المړيضة إلى الوحدة الصحية للبلدة ثم الذهاب بها إلى مشفى المحافظة. حديث عن خوفه عليها ولهفته يتناقل بمبالغة تثير الاستفزاز.
كيف وصل إليها في تلك اللحظة ولماذا يتكرر نفس المشهد في إنقاذها على يده ترى ماذا يقولون عنها هي الآن شفقة على ابنة العم المغدورة أم شماتة في الزوجة المغرورة كما يشاع عنها يا لها من إهانة لها في كلتا الحالتين.
ولكن الشيء الغريب الذي لا تفهمه هو عدم انزعاجها بخبر نجاتها من تجرع السم وفشل المحاولة.
..................
حين كان الثلاثة يسيرون داخل الطرقة في اتجاه حجرة المړيضة على حسب الوصف كان هو في ذلك الوقت جالسا على أحد المقاعد المخصصة للحضور وكأنه كان في انتظارهم.
ليتقدموا نحوه سائلين بلهفة
إيه اللي حصل يا خليفة... اللي سمعناه ده صح عن ټسمم اعتماد
أومأ لشقيقيه ثم وقف يرحب بالذي تفاجأ بحضوره معهما
طب استنوا بس أسلم على الراجل... كمال باشا!
اختصر الآخر المسافة بينهما ليضمه بعناق رجولي يتبادلان الترحيب ببعضهما قبل أن يعرض عليهم مجالسته في كافيتريا المشفى.
في الكافيتريا
اتخذوا طاولة لهما وحدهما ويدور الحديث بينهما
كيف يعني ما كالتش حاجة من برا طب لو حاجة داخل البيت خواتها ما اتسموش زيها ليه
كان هذا السؤال الذي تفوه به حمزة ليأتي رد شقيقه بتشتت
والله ما أعرف بس على حسب كلام رغد أختها الصغيرة واللي فطرت معاها ما حصلهاش حاجة. دا غير إن باقي الأكل زي طبق اللانشون والجبنة أكلت منه أختها وبنتها الصغيرة كمان. يعني على الأقل لو في حاجة يبقى الطفلة تاخد الضرر الأكبر لكن ده ما حصلش غير معاها هي وبس!
إزاي يعني طيب ما يمكن أكلت حاجة أو بسكوتة حتى. كل حاجة مش مستبعدة.
سأله بمهنية اعتاد عليها فكان رده النفي أيضا
هي أكدت للظابط إنها ما كلتش ولا شرت غير كوباية شاي بعد الفطار مع أختها وفنجان قهوة كانت بتشربه ساعة ما كنت بكلمها وبعدها حصلها اللي حصل.
طب كده ممكن تكون القهوة فيها حاجة لا قدر الله.
هتف بها معاذ في تخمين منه خطړ على البقية أيضا فوافقه خليفة
ممكن فعلا أنا قولت للظابط وهو أكيد هيشوف شغله.
عقب كمال بحماس
حلو خلاص يبقى تقرير المعمل الجنائي هو اللي هيحسم. أنا ههتم بالقضية بنفسي ولو طلع الموضوع فيه شق جنائي خليك واثق إني هجيبلك
حق...
توقف فجأة وهو ينظر إلى خليفة ثم واصل
... آه خطيبتك! صحيح أنا شوفت بناتك ما شاء الله عليهم. هي مامتهم مطلقة
هم خليفة بالتوضيح أمام صمت شقيقه الأكبر الذي اكتنفه شيء من الحرج ولكن سبقه معاذ الذي رد بعفوية
لا يا باشا مراته الأولى تبقى بنت عمه. يطلقها كيف اعتماد تبقى الجوازة التانية إن شاء الله. خليفة البطل هيعملها ويتنيها...
قال الأخيرة بتفاخر ومرح قابله المذكور بابتسامة عجز عنها حمزة الذي شعر بالضيق وهو يلاحظ 
ملامح الجالس امامه قد شحبت وبدا السؤال مرتسما على
وجهه بوضوح سؤال عجز لسانه عن النطق به هل يعقل أن تكون بنت العم التي ذكرها معاذ هي ذاتها التي ترك البلدة من أجلها في الماضي
رمق حمزة بنظرة خاطفة لا تحمل معنى واضحا ثم غرق بعينيه نحو الفنجان الذي يرتشف منه وقد تاه عقله بعيدا عنهم تماما.
........................
عودة إلى غرفة اعتماد التي التصقت بها شقيقتها الصغرى ټحتضنها بيديها الاثنتين تردد بأسى وخوف عليها
سلامتك يا خيتي سلامتك! إن شاء الله أنا يا رب إن شاء الله أنا ولا تتعبي أبدا تاني.
قابلت اعتماد فعلها ضاحكة بسخرية حتى تخفف من جزعها وعيناها تنقلان ما بين شقيقتها الثانية التي كانت ملتزمة الصمت كعادتها فلا تتحدث إلا فيما يخص مصلحتها.
وفي الناحية الأخرى كان حاضرا في ذلك الوقت منصور الذي بلغه الأمر بحكم عمله في المدرسة ليسحب زوجته للاطمئنان عليها والتي كانت تشارك في المزاح أحيانا
يا مچنونة ما أنا رايقة أهو قدامك! لزومها إيه الشحتفة أنا رايقة وزي الفل أهو قدامك فضحتينا.
لا يا اعتماد أنتي بقيتي تخلعيني كتير اليومين دول.
مش أنتي بس يا حبيبتي اللي بتخلعك إحنا كمان شعرنا هيشيب بسببها. ما تحفظي نفسك يا بت بالقرآن والأدعية تحميكي من العكوسات والمصاېب اللي بتحصل معاكي دي يا جزينة.
ردت اعتماد وهي تبتسم لها بتعب
والله بقرأ الورد اليومي والأدعية. هعمل إيه تاني
تدخل منصور
ما هو دا اللي بينجيكي برضه يا اعتماد. ربنا ما يجيب حاجة عفشة تاني.
تسلم يا أستاذ منصور ربنا يخليك.
عادت منى لمشاكستها
أيوة بس متنسيش عاد إن في المرتين تبقى على وشك المۏت لا قدر الله وخلفاوي هو اللي يطير بيكي عشان ينقذك! ولا فرسان الروايات يا ناس!
حقا أخجلتها حتى اندفعت الډماء إلى وجنتيها نافية عنهما شحوب المړض وكأنها عادت فتاة مراهقة تتلعثم في الرد عليها
ياا ستي... ربنا يبارك في صحته. هو إنسان محترم وخلوق و...
وإيه تاني
جاء السؤال من مدخل الغرفة حيث كان واقفا هو مستندا على إطار الباب يزيد من خجلها وهي لا تعلم متى أتى ليتدخل في الحديث معهم.
فكان ردها غمغمة غير مفهومة ضاعفت من تسليته ليعود مكررا وهو يقترب منها غير آبه بالحاضرين
أنتي بتكلمي نفسك
يا أبلة اعتماد ما تعلي صوتك يا شيخة. هو أنا مينفعش أسمع كلمة حلوة منك عني
أيوة يا أختي على الأقل ريحي قلب الراجل اللي مشحطط في المستشفيات!
أضافت بها منى بطريقتها لتساعد شقيقها لتضاعف خجل اعتماد الذي حدجتها بنظرة محذرة حتى تكف عن عبثها وهي تجاهد لتنفض الخجل عنها متماسكة تزييفا
لا طبعا إزاي ألف شكر يا أستاذ خليفة.
تااني أستاذ خليفة أنا لساني خطيبك يا أبلة اعتماد ولا أنتي نسيتي
تفوه بها ضاحكا بتحد على معارضتها وقد ثبت الأمر عليها وعلى الجميع أنه خطيبها بالفعل وقريبا زواجها.
........................
توقفت به سيارة الأجرة ليترجل منها يكمل طريقه مشيا على الأقدام إلى منزله. يسير في اتجاهه مستقيما حتى أوقفه أحد الأشخاص مناديا باسمه
عطوة...
ميز عطوة صوت صاحبه دون جهد ليجبر نفسه على الالتفاف إليه بتوتر يحاول إخفاءه ليرد بنبرة تبدو عادية وهو يراه جالسا على الأريكة الخشبية بجوار حارس البوابة للبلدة من تلك الناحية
أيوة يا عرفان معلش ما خدتش بالي منك. إزيك يا عم صميدة
رد الأخير التحية إليه أما عرفان فقد نهض من جوار الرجل ليقترب مقابلا له ليفاجئه بقوله
غايب بقالك كام يوم ومحدش عارف فين بتختفي! طب اسأل على حال صاحبك
ولا اطمن عليه بعد الخازوق اللي خده من