لأجلها بقلم امل نصر


قولتلك بلاش هتتعبي وتتعبيني معاكي كان لازم نيجي بنفسنا ما كنا استنينا على ما البنية تخلص بالسلامة وترجع بيتها لازم الزحمة دي يعني!
ردت منى بإصرار وهي تلهث
وكان هياجيني قلب إزاي يا سي منصور ثم أنا كمان قولتلك خليك وأنا هركب أي تاكسي وبعدها أروح مع إخواتي.
عض على شفته بغيظ شديد منها ومن رأسها اليابس المتعب ليهمس كازا على أسنانه
يعني ماشية بالعافية وبجرك جر وبرضه مخك جزمة عليا النعمة ماسك نفسي عنك بالعافية مشندلاني وتعباني معاكي.
تبسمت بانتشاء تردد كي تزيد من غيظه
لكن على قلبك زي العسل.. أشندلك وأتعبك وعلى قلبك زي العسل أوعى تنكر يا منص.
رمقها بطرف عينيه بحنق يتصنع الضيق ومن داخله لا ينكر بالفعل فكم يود خنقها... ومحبتها.
توقف عن حديثه مع نفسه حين وقفت فجأة وتجمدت قدماها في مكانها واختفت ابتسامة مشاكسة على طرف شفتيها ليحل محلها عبوس تام توجهت به إلى جهة أمامه وما إن الټفت هو نحو ما تنظر حتى عرف السبب.
وقعت أبصارهما على عرفان الذي كان واقفا مع إحدى الممرضات وانتبه بدوره إليهما فتقدم يقترب منهما مغمغما
شكلها ميسرة بدل ما أسأل وأتعب كويس إني لقيتك يا أستاذ منصور عشان تاخدوني في طريقكم أنت وحرمك المصون.
ردت منى بنبرة جافة وخالية من المودة
وناخدك ليه يا أبو ناصر اللي خلاك عرفت المركز لوحدك يخليك تعرف أوضة ليلى.
تبسم بسماجة قائلا
وماله برضه نوفر على نفسنا التعب.
كادت منى أن ترفض بفظاظة غير آبهة بأصول أو أعراف پغضب نابع من يقينها الدائم بما يضمره من سوء نية نحو شقيقيها وزوجاتهما مهما ادعى غير ذلك.
إلا أن منصور تدخل بحكمته يدعوه للسير معهما ليجهض أي محاولة منه لإفساد
الفرحة والمولود الذي على وشك أن يأتي إلى الدنيا
رغم أن وجوده كفيل بأن يفسد سعادة اليوم بأكمله ويحوله إلى لحظات من الحذر والترقب.
...........................
اندفع منصور وزوجته إلى الممر الذي يؤدي إلى غرفة ليلى بناء على وصف حمزة لهما وخلفهما بخطوات واثقة ومستفزة يسير عرفان. فكانت الأجواء مشحونة بصوت مزيونة الذي يملأ المكان وهي تتشبث بطرف الكرسي النقال الذي تجلس عليه ليلى التي كانت في حالة ذهول وتعب تغمض عينيها وتحاول التنفس بهدوء وسط هذه المعمعة.
أنا أمها يعني مش حد غريب كيف أتمانع ومدخلش معاها بتي تولد وأنا أقعد بره ده إيه الكلام الفاضي ده
في المقابل كانت الممرضات يقفن بصلف وجمود وكأن صياحها مجرد ضجيج اعتدن عليه يوميا قالت إحداهن بنبرة حادة وهي تدفع الكرسي بقوة
يا أستاذ خلصونا! المړيضة لازم تدخل فورا وممنوع حد يدخل معاها العمليات نهائي يا تسيبونا نشتغل يا نلغي الحالة!
بصبر يحسب له كان حمزة يحاول امتصاص ڠضب تلك النمرة الشرسة بروية مراعيا لمشاعرها رغم اقتناعه وبشدة برأي الممرضتين يضغط على كتفيها لتهدئتها بينما ملامحه تنطق بقلة الحيلة
يا مزيونة... يا مزيونة سيبيهم يعدوا بالبت بتقولك ممنوع وجودك معاها هيعطلهم مش هيفيدها دي أوضة عمليات يعني محتاجة هدوء ارجعي لورا وبلاش توتريها أكتر!
صاحت به باكية
أرجع وأسيب بتي لوحدها يا حمزة
تدخلت في تلك اللحظة اعتماد التي كانت تغالب تعبها بصعوبة وخليفة يساندها
يا حبيبتي ملهاش لازمة والله دخلتك بصي على بتك وشوفي حالتها إزاي
سمعت منها ونزلت بعينيها نحو ابنتها التي نفدت طاقتها بالإضافة لحزنها لعدم وجود معاذ والذي وعدها بعدم التخلف عن تلك اللحظة أبدا ولكن يبدو أنه قد أخلف وعده...
في هذه اللحظة وصل منصور ووقف مصډوما من المنظر بينما تقدمت زوجته لتستكشف سبب الشجار أما عرفان الذي فاجأ الجميع بحضوره فقد اندفع نحو ابنته بدراما مبالغة
ليلى يا ست أبوكي أنا جيتلك مجرد ما وصلني الخبر من غير ما أنتظر حد يبلغني فيهم!
أومأت له بتعب شديد وعدم قدرة على الحديث أصلا لتشير الممرضة بالذهاب ثم أومأت نحو والدتها حتى لا تمانع لتجبر مزيونة على الصمت تبكي بحړقة وهي تتابعها وهي تسحب بالكرسي النقال في اتجاه غرفة العمليات في الطابق العلوي. يضمها حمزة حتى لا تقع في لحظة من الصمت الثقيل لا يقطعها إلا صوت الدعوات من البقية اعتماد وخليفة ومنى ومنصور وحسنية الجالسة التي لم تتوقف عن التسبيح أما عرفان فقد كان واقفا بجموده المعروف حتى أجفل جميعهم بصيحة أوقفت الممرضتين قبل أن تصلا لفتح باب الغرفة
استني عندك أنتي وهي.. أنا داخل مع مرتي!
التفتت الرؤوس نحو صاحب الصوت الذي كان قادما يهرول بخطواته انفرجت أسارير ليلى وأشرق وجهها رغم التعب حتى دمعت عيناها وهي تتلقى اقترابه منها بلهفة متمتمة باسمه
معاذ... افتكرت مش هتيجي
ألصق جبينه بجبينها قائلا بصوت لاهث
ده أنا كنت أموت لو موفيش بوعدي معاكي! مجرد ما عرفت من حمزة خدت أول طيارة وجيتك جري.. مفيش ولادة هتحصل من غيري!
سمعت الممرضة كلماته لترد بحدة قاطعة اللحظة الجميلة بين الاثنين
مين اللي هيروح ولا مين اللي هيجي هي شغلانة ما إحنا قولنا من الأول محدش داخل معاها غرفة العمليات وسع يا أستاذ خلينا نمشي بيها.. وسع!
اتجنيتي ولا اتخبلتي
هدر بها معاذ پعنف حتى ارتدت الفتاة إلى الخلف بړعب منه فكاد أن يتدخل شقيقاه رغم حالة الذهول التي تكتنفهما من فعله إلا أنه حسم
الأمر من البداية مردفا بحزم لا رجعة فيه
مرتي مش هتدخل تولد من غيري يا كدة يا أسويلكم مصېبة سودة أو أوقع قتيل.. أنتوا متعرفوش جناني أصلا!
.........................
داخل مكتبها وقد انفردت بها بعد انتهاء الحفل الصغير كانت الأجواء هادئة في مكتب مريم لكن الفضول يلمع في عيني روان وهي تجلس أمامها تحاول أن تبدو طبيعية رغم صعوبة ذلك فهذه الفتاة مريم تكشف لها بكل وضوح الفكرة التي ترسخت في رأسها منذ رأت لهفتها نحو معاذ الذي غادر دون حتى أن يعيرها اهتماما بنظرة أو يستأذن. راحت تحدثها في أشياء شتى حتى أتت على الحديث الذي يهمها
قلت لي بقى إن معاذ.. يطلع أخو طليقك طب إنتي مكنتيش تعرفي إنه شغال معانا هنا
بابتسامة ماكرة ردت روان وهي ترجع بجسدها على الكرسي
طبعا لأ يا مريم كنت هعرف منين وأنا بعيدة عن الصعيد أصلا بقالي فترة ريان بتصل بيه يا دوب عشان أطمن عليه مش هيحكي لي كمان إن عمه شغال فين
اممم.
زمت مريم شفتيها علامة على انغماسها في التفكير فتابعت روان تحثها على التحدث بطريقتها
بصراحة انبسطت أوي لما شفته النهاردة تبع التيم بتاع شركتك أنا أكتر واحدة عارفاها لأنه كبر قدامي تقريبا عبقري.
آه.
تمتمت مريم تتظاهر بعدم الاهتمام وهي تخرج من حقيبتها قداحة كي تشعل السېجارة التي وضعتها بفمها
ما أنا خدت بالي من كدة بحكم شغله معايا رغم قصر المدة لفت نظري بذكائه الفطري وشخصيته القوية بس استغربت لما عرفت إنه مرتبط يا دوب لسه متخرج امتى لحق يتجوز واللي اتجوزها دي نظامها إيه أكيد جاهلة وخام ولا أنا غلطانة
ردت روان بخبث
لا يا قلبي مش غلطانة بس أنا معرفهاش غير طشاش قابلتها مرة واتخانقنا أصل اللي إنتي متعرفهوش كمان هو إن مراته تبقى بنت الست اللي لعبت على طليقي عشان يتجوزها.
تمتمت مريم بدهشة
أوبااا.... إنتي بتتكلمي جد جوزك فضل عليكي ست كبيرة
ردت بنبرة تغلفها المسكنة
بالعكس دي أصغر منه بعشر سنين حسب ما عرفت لكنها تلعب بالبيضة والحجر هتتفاجئي لما أقولك إنها جاهلة ومش من مستواه ده غير إنها عادية جدا يعني من النوع اللي لو شفتيها في وسط مية واحدة مش هتعلم في ذاكرتك لكنها مية من تحت تبن قدرت بوش الملاك اللي بترسمه قدام الجميع إنها توقع حمزة كبير العيلة والوسيم الأنيق وقعته يتجوزها وبعدها خلته يجوز معاذ لبنتها شوفتي الستات القادرة
صفنت مريم عدة لحظات والسېجارة في فمها لم تشعلها حتى الآن حتى إذا استدركت لتوقدها قالت تحثها على الاستكمال بلهفة
وبعدين يا روان أنا عايزة أعرف كل حاجة عن الست دي وبنتها خصوصا بنتها بما إنها زوجة معاذ....
.........................
استقرت ليلى أخيرا على تختها الطبي ملامحها الشاحبة يغلفها هدوء النصر بعد معركة الولادة. وبجوارها كانت مزيونة كظلها الذي لا يفارقها ملتصقة بحافة التخت تمطر جبين ابنتها بوابل من القبلات الحارة ودموعها تسبق كلماتها المرتعشة
الحمد لله يا ضنايا.. رد لي روحي بسلامتك.. الحمد لله الذي نجاك يا ضي عيني.
خرقت منى هذا الجو العاطفي بضحكتها المعهودة وهي تقترب بتهكم لا يخلو من المحبة
شوفي يا اختي يا الولية! اللي يشوفها دلوقت والفرحة مش سايعاها ميقولش دي اللي كانت من شوية مقطعة نفسها من البكا بره.. وكأنها واحدة واقعة وعايزة محاليل! سبحان مغير الأحوال!
ضحكت مزيونة بخجل لتدخل اعتماد على الخط بقلبها الطيب قائلة
اعذريها يا منى قلبها كان مخلوع على بنيتها.. ربنا يفرح
قلبها ويعوضها.
ردت منى بتفكه وهي تغمز لاعتماد
ويفرحنا بيكي إنتي كمان.. تخلفيلنا عصافير رايقة وعسل زيك إنتي والحليوة خلفاوي.. ياما نفسي أشوف خلفتكم!
لم يكد الصمت يحل حتى دلف خليفة الغرفة ليرد ببديهته الحاضرة
مالك بخلفتنا إنتي يا ظريفة خليكي في
خليفة القرود بتاعتك!
شهقت منى متصنعة الصدمة قرووود بقى إحنا نخلف قرود ما سمعكش منصور كان عملها حكاية!
وسط هذا الصخب سألت حسنية بلهفة وهو راح فين جوزك ولا حمزة ولا معاذ كلهم مختفين!
أجابها خليفة وهو يستريح بجوار زوجته يا أمة جوزها بيصلي وعرفان مشي بعد ما اطمن.. أما معاذ وحمزة فمن ساعة ما راحوا بالعيل للحضانة ما بانوش.
فجأة اندفع الباب ودخل حمزة يزف الصغير يضمه إلى صدره بتملك فكاهي وخلفه معاذ والد الطفل يهرول بتذمر مضحك
يا حمزة يا حبيبي اتق الله! أنا أبوه ولحد دلوقت ما اتمكنتش أمسكه زين.. حتى التكبير إنت اللي كبرت في ودنه ومعبرتنيش!
رد حمزة بظفر وهو يبتعد بالطفل
وإنت تكبر في ودنه ليه على أساس إنك واصل قوي أنا اللي أكبر.. إنت آخرك خلفته وخلاص على كده!
وضع حمزة الصغير في حجر مزيونة التي ارتجفت يداها برهبة اللقاء الأول بعد سنوات من الانتظار وهمست
بسم الله.. الله أكبر.. تبارك الله فيما أبدع. شبهك يا ليلى ساعة ما اتولدتي.. كأنك كنتي بتبصي في المراية كتير يا بت!
حاول معاذ التسلل من خلف حمزة ليرى طفله فمنعه حمزة بيده مرة أخرى
لا ارجع يا حبيبي لما يجي دورك.. لسه المدام تشبع منه وبعدها الحجة وبعدها الأستاذ خليفة وزوجته وبعدها الست منى.. ولما نخلص خالص نبقى نحن عليك تمسكه دقيقة.
اشتعلت الغرفة بالضحك ومعاذ يضرب الأرض بقدمه حنقا دا ظلم والله! يا حمزة مش وقت هزارك التقيل ده!
هنا نطقت ليلى بضعف ممزوج بالمرح
هو فعلا تعبان يا عم حمزة.. دا كذا مرة يدوخ معايا في أوضة العمليات لولا انه كان بيمسك نفسه بالعافية ليوقع ويضحك عليه الممرضات!
صدم معاذ من خېانة زوجته وصاح محذرا