لأجلها بقلم امل نصر


ودلف إليها وقد كانت نائمة في ذلك الوقت فتأمل ملامحها لتتسلل الحيرة إلى قلبه مثل كل مرة
هل يتعاطف معها ومع ما حدث لها أم يشمت بها
ليس ندلا ليقوم بالثانية ولا ملاكا ليشعر كليا بالأولى لكنه في النهاية إنسان. ورغم حقده وكرهه القديم لها إلا أنه بعد تلك السنين التي مرت عليه قد كبر وفهم ونضج وأصبح يرى الأمور بوضوح وبنظرة أشمل.
فتحت عينيها فجأة وكأنها استشعرت وجوده فناظرها بقوة دون اكتراث لما قد تظنه واضعا يديه في جيبي بنطاله بتحد.
همت بالحركة لتنهض فوجد نفسه لا إراديا يساعدها حتى اعتدلت جالسة فوضع الوسادة خلف ظهرها لتستند عليها قائلا بروتينية
عاملة إيه النهارده
أومأت برأسها وخرج صوتها بالكاد
الحمد لله أحسن من الأيام اللي فاتت.
اممم
زم فمه ليقول بمكر
كويس أوي. يعني نشوف بقى الدكتورة تصرحلك بالعودة للحجز لو
لاه! أبوس يدك بلاش.
قاطعته بها فجأة حتى إنه شك في أنه سمعها جيدا قبل أن يتأكد من نظرة واحدة لملامحها التي غلفها الړعب أو ربما الانكسار.
فرد عليها بواقعية
ما هو انتي مش هتقضي
فترتك كلها في المستشفى. لو لا قدر الله المدة طالت ابن أختك ماشي ورا المحامي بتاعه وبيحور في مية اتجاه. لدرجة إن أبلة عطيات نفسها رمى عليها التهمة. هو من مصلحته يوسع الدايرة. النيابة مضطرة تتحفظ على الكل لحد ما تستقر على حل
توقف قليلا ثم تابع
يعني الطبيعي جدا إنك ترجعي علي الحجز يا هالة.
وإن قلت أنا الحقيقة ونهيت
الموضوع
فاجأته بها فأومأ بإهتمام وجلس على الكرسي المجاور لها يحثها بحماس
يبقى أحسن حاجة تعمليها طبعا. على الأقل اللي غلط ياخد جزاءه وإنت لو بريئة تخرجي فورا على بيتك ولأولادك.
أغمضت عينيها لحظات كأنها ټصارع ترددها ثم حسمت أمرها تخبره
أنا اللي اشتريت السم وطلبت من ابن أختي يحطه في قهوة اعتماد في مقابل إنه ياخد تلفوني الجديد.
ارتخت يده بالهاتف الذي كان سيسجل عليه اعترافها. ثم احتدت عيناه پغضب نحوها وقبل أن ينطق بالتساؤل تابعت هي تحكي
وفعلا وقفت عطيات في طريق
رجوعها من المدرسة بحجة الأسورة وراح حسني فضى المادة اللي اشتريتها في علبة القهوة بتاعة إعتماد اللي كانت مميزة ومعروفة. ورجع في يده الأسورة اللي كان واخدها مني أصلا.
ربع ذراعيه فوق صدره ليحدثها بعملية هذه المرة وكأنه فقد الأمل في إنسانيتها
ها كملي يا هالة. بعدين
قالت بجمود
ولا قبلين الموضوع كان ماشي زي الفل. هخلص منها وأستريح وكان مفيش حاجة حصلت. بعدها خليفة ما يلاقيش حد غيري ويرجعلي من تاني نفتح صفحة جديدة ونعيش أنا وهو والبنات. دا اللي كنت حطاه في مخي بس
ارتجفت أمامه فجأة تكمل برهبه
بس اللي حصل لما جيت أحط راسي على المخدة بالليل مقدرتش أنام. افتكرت إن المرة دي اللي هتروح فيها روح يعني مۏت! وأنا طول عمري بغلط وبلاقي التبرير اللي بريح بيه ضميري آخر العشية عشان محسش بالذنب لكن المرة دي محصلش مخي كان هيشت مني. وأنا بدور علي أي حجة أعلق عليها ذنبي برضك ملقيتش. ساعتها خدت قراري و قمت لبست عبايتي وطلعت للراجل اللي بيبيع القهوة في البلد جبت علبة زي اللي بتشرب منها اعتماد وروحت بيها علي حسني ابن أختي.
وبعدين كملي ياهالة
سألها بتركيز وقد تخلي عن حموده.
فأجابت دون تردد
طلبت منه يطلع الصبح بدري علي المدرسة من تاني بأي حجة ويبدل العلبة المسمۏمة بالسليمة قبل ما اعتماد تروح المدرسة. وساعتها يبجي يادار مادخلك شړ.
واديته التلفون اللي كنت وعداه بيه وعليه عشر تلاف جنيه. خدهم مني وقال أمين.
روحت بيتي وحطيت راسي ونمت. تاني يوم الصبح كنت هتصل بيه وهتابع معاه بس لقيت جنى بنتي تعبانة السخونة كانت واصلة أربعين جريت بيها علي أقرب عيادة ومنها الدكتور حولني علي المستشفي عشان حالتها كانت صعبة. قعدت بيها في المستشفي يومين. ولما ربنا نجاها حسيت إنها رسالة حمدته وبوست يدي وش وضهر إني لحقت ذنب كبير قبل ما أعمله وبتي تروح مني بسببه.
كنت فاكرة إن حسني نفذ ومعدش في موضوع من أساسه لحد ما أتفاجأت باللي حصل لاعتماد تالت يوم. اتصلت وقتها وسألته قالي نسيت!
نعم!
تمتم بها كمال بعدم إستيعاب.
فتابعت هي بنبرة مخټنقة بالبكاء
والله زي ما بقولك كده
مكنتش أصلا مصدقاه بس ما باليد حيلة بعد السهم ما نفذ
لكن وحق الله أنا صادقة في كل كلمة قولتها وإسألوا بنفسك أو جيبه هنا يواجهني...
زفر كمال طاردا دفعة كبيرة من الهواء الذي كان محبوسا في صدره ثم واصل التحقيق معها في باقي التفاصيل حتى وقف على أرض صلبة في الأدلة التي تثبت صحة قولها. وفي النهاية أغلق الهاتف الذي سجل به اعترافها لينهض بعد ذلك دون إضافة أي حرف آخر وصوت بكائها يتبعه حتى خارج الغرفة.
بنت الجنوب 
أنت بتتكلم جد يا كمال يعني كده الواد فعلا اعترف بالحقيقة
توجه حمزة بالسؤال إليه بعد أن سمع ما قصه عليه من أخبار مهمة أعادت الأمل داخله. فأجابه الآخر بتعب
عيل غبي البرشام لحس عقله من كله. أهو اللي زي
ده يعمل أي حاجة ولا حتى يحس بتأنيب الضمير لأن عقله أساسا مغيب.
تذمر حمزة يريد الإجابة على عجالة
وووه يا كمال مش وقته كلام عن الزفت! خلينا في المهم يا واد الناس أنا عايز أعرف اللي حصل.
تبسم الأخير مراعيا لهفته ليرد ويريح باله
ماشي يا سيدي اللي حصل إن بعد اعتراف هالة اتجهت مباشرة ناحية ابن أختها عندي في الحجز. طبعا هو حور ودخلني في مية سكة بس أنا ضغطت وحاصرته من كل الجهات وبالأدلة اللي عرفتها من هالة لحد ما أجبرته يعترف
توقف برهة بتفكير ثم واصل
الولد الفاشل ده كان فعلا عايز ينفذ كلامها بس مش عارف يعملها إزاي المرة دي من غير البواب ما يشك فيه بعد ما زنق عليه المرة الأولى لما شافوه داخل غرفة السعاة. قام مكلم واحد من الجماعة اللي بيضربوا معاه في الزفت اللي بيشربوه. الشخص اللي كلمه ما صدق سمع الحكاية منه قاله سيب الأمر علي وأنا هتصرف وأساعدك بحكم إنه بيدخل المدرسة عادي وبيعرف اللي شغالين فيها. حسني صدقه واعتمد عليه واداله خمس تلاف جنيه. مكانش يعرف إن الباشا التاني لقى فرصته في الاڼتقام من اعتماد عشان يخلص منها بسبب العداوة اللي ما بينهم.
مين ده واسمه إيه
سأل حمزة بتحفز فجاءت الإجابة منه بتساؤل
تعرف واحد اسمه محمود
يا ابن ال
تمتم حمزة وهو يضرب كفا بالآخر يردف بالسباب على المذكور سبب البلاء على المرأة وشقيقاتها
ده جوز أختها! الله ېخرب بيت أبوه! الواد ده يتسحب من قفاه وتحبسوه وتفتحوا قضية اعتماد القديمة معاه لما كان عايز يخلص عليها برضك. اللي زي ده حرام يقعد بره السچن لازم يتربى!
وحين ظل كمال على صمته صاح به حمزة
سكت ليه ما تكمل يا واد الناس! قول هتتصرف كيف
سمع ليرد بيأس
أقول إيه بس يا عم ما أنا اتصرفت زي ما إنت قلت كده وبعت قوة تجيبه من قفاه لكن للأسف اكتشفنا إنه سافر بره مصر من غير ما يبلغ أهله حتى. يعني لو بنت عمك اتنازلت من البداية واعترفت بالحقيقة كان زمانا قابضين عليه وخلصانة الحكاية
أغمض حمزة بقنوط متأوها
آآه منك يا هالة دايما تاعبة نفسك وتاعبة الناس معاكي.
بنت الجنوب 
كان عرفان في طريقه لاستقلال سيارة تقله إلى المحافظة من مدخل البلدة الذي يذهب إليه مضطرا حين يكون في عجلة من أمره متخذا الطريق السريع الذي يصل به إلى وجهته في أقل من ربع الساعة.
أبصر من البعيد طيف ذلك المتخفي عنه منذ فترة ليست بالهينة يغادر متخذا طريقا مخالفا وكأنه وجد رفيق كأس آخر. لعنه في سره فمنذ حاډث الغجرية وهروبها منه كأنه أصبح يتجنبه ولكن لما العجب فهكذا هو دائما معه ندل وقليل أصل.
تمتم بسبة نابية عليه قبل أن يتجه نحو غفير البلدة في مكانه المعروف على الأريكة الخشبية يرتشف من الشاي الذي أعده على كومة الڼار أسفله.
بجواره
كان سائق النقل الذي يتعامل معه في نقل مبيعات مزرعته من الفواكه والخضروات.
سلام عليكم يا حسنين. إزيك يا عوض يا خسيس.
رد الأول التحية وضحك الثاني يرد عليه
وه يا أبو ناصر! كده دايما تقابلني بالشتيمة من غير سبب! طب أنا عملتلك إيه بس يا بوي
عبس في وجهه موجها الخطاب إليه وإلى الغفير حسنين
قليل أصل ومبتسألش يعني إن ما كانش فيه لقمة عيش وشغل ما بينا ولا كأنك تعرفني ولا أعرفك بالظبط زي الواطي اللي طلع من البوابة جدامك دلوك.
فهم الاثنان مقصده فتدخل الغفير ملطفا
معلش يا أبو ناصر الدنيا تلاهي
يا ابوي تلاقيه مسحول في الشغل. النقل ما بين البلاد حاجة مش هينة ربنا يعينه.
والله ما كدبت.
قالها المدعو عوض ليواصل في التبرير إلي عرفان
إحنا ناس على باب الله يا عم عرفان ما بنصدق لقمة العيش تنادينا نجري عليها طوالي إن شاء الله حتى لو في الصين هنروح عليها. أما عطوة فدا حقك تلوم عليه راجل حر لا وراه مرا ولا عيال عنده ورث أبوه بيصرف منه من غير ما يشتغل. ولا يمكن لاقي شغلته في البلد اللي رجله بقت رايحة جاية عليها دي المرة
التالتة أشوفه فيها في نفس الأسبوع وأنا ماشي في طريقي بعربيتي يا داخل يا طالع منها.
ضاقت عينا عرفان بتفكير يستوعب كلماته وشيء ما زرع الفضول داخله ليقترب طالبا منه
طب بقولك إيه تقدر تعرفلي هو بيروح عند مين بالظبط في البلد دي
بنت الجنوب 
جاعد في الضلمة لوحدك ليه يا حمزة
هكذا تحدثت إليه مزيونة حين استيقظت من نومها في منتصف الليل لتجد الفراش فارغا من دونه. بحثت عنه حتى وجدته في غرفة مكتبه متكئا بنصف نومة على الأريكة الجلدية مربعا ذراعيه فوق صدره بشرود.
انتبه إليها فاعتدل فورا ليتلقاها وهي تدلف مستندة على عصاها. فساعدها حتى جلست وجلس بجوارها قائلا
إيه اللي قومك من نومك بس
إنت دي أول مرة تتأخر للوقت ده وأصحى ألاقي الفرشة باردة من غيرك. جاعد هنا من إمتى يا حمزة
رد يجيبها بفتور
يعني يمكن من كتير وأنا ما حسيتش بالوقت.
سألته بفراستها
إنت فيه حاجة مزعلاك صح
نفى كڈبا
لا طبعا مين قال الكلام ده آآه
حمزة ما تحاولش تنكر. إنت بالذات مكشوف إن كنت فرحان ولا زعلان. ما بتعرفش تداري أصلا زي باقي الخلق بيبان على وشك.
قاطعته بحدة حتي تقطع عليه كل سبل المماطلة
فصمت لا رغبة تدفعه للكلام لتردف بإلحاح
حمزة حن عليك وما تخبي عليا.
قلب عينيه بيأس يعلم أنها لن تهدأ حتى تعرف ليخرج عن صمته قائلا
يعني لو اتكلمت براحتي مش هتفهميني غلط من أولها عشان نبقى متفقين.
فكرت قليلا ثم قالت بثقة
وإنت عارفني قد كلمتي. قول اللي تقوله