لأجلها بقلم امل نصر


بسبابتها نحو المرأة التي كانت جالسة على المصطبة الإسمنتية بهدوء منذ بداية الشجار وتدعى الريسة.
لتعود مستطردة
أنا قاعدة لوحدي بس لما توصل إنها تسرق علبة الكريم بتاعتي والغسول الغالي لا يمكن أسكت لها!
مال رأسه نحوها بنظرة يحفها الاستغراب قبل أن يسألها
شوفتيها بعينك وهي بتسرق
لأ بس هي عينها عليهم من إمبارح.
زفر پغضب مكتوم يزم فمه ردا على إجابتها التي لم تقنعه.
كدابة والله وبتألف يا كمال باشا! صاحت بها نوسة بمظلومية تقسم.
وليكي عين تحلفي يا عديمة الدين! عقبت هي پصدمة.
كلمة تانية وها أدخل كل واحدة فيكم في حجز انفرادي!
زأر بها بخشونة وغلظة صوته يرتجف من فرط الڠضب وكلماته تتكسر من الحدة ليجبرهن على الصمت المطبق تحت وطأة سلطته التي لا ترحم غير عابئ بنظرات الذعر التي تطالعه بها رغم تصنعها القوة. لينهي مردفا
ها أطلع من هنا وها أبعت الصول زكية تيجي تفتش في حاجتكم واللي تطلع عندها المسروقات تنال جزاءها. وفي كل الحالات ما أسمعش أي نفس تاني لأي واحدة فيكم سامعين
لم يخف عليه انتفاضتها على أثر صرخته التي ضړبتها كالرعد ليعيد عليها بتجبر وعيناه تلتهمان تفاصيلها
قلت سامعين!
أومأت برأسها ردا له رافضة النظر إليه بعناد منها.
..... ...........................
ليست على طبيعتها لديها أعراض غريبة تكتنفها منذ فترة ولا تستطيع البوح أو الاعتراف بها قبل أن تتأكد. هواجس ومخاۏف تكتسحها بالإضافة إلى مزاجها المتقلب بالأساس ومع ذلك تسعى بصعوبة لإخفائها.
حيرة تجتاحها ما بين خوف من القادم ورغبة في شيء تتمناه بشدة لا من أجلها بل من أجل حبيبها الذي أثقل ظهره من الحزن ويترجى هذا الشيء كالذي يترجى الغيث. ومع ذلك لن تنطق ببنت شفة قبل أن تتأكد.
ماما مزيونة
ما أجملها من كلمة تلك التي صار يناديها بها هذا الشقي الواقف أمامها على باب المطبخ يفرك عينيه بنعاس ولا يدري بتأثير اللقب الجديد على قلب امرأة مثلها
نعم يا قلب ماما مزيونة تعال يا حبيبي تعال.
فتحت له ذراعيها ليتلقف دعوتها بترحاب شديد يهرول نحوها فتتقبله هي تضمه من رأسه وتقبله عدة قبلات مرددة بمديحها المعتاد
صباح الفل... والورد... والياسمين... الحلو اللي في الدنيا كلها على اجمل ريان
طب براحة لا يخلص في إيدك الحلو.
سخر بها حمزة الذي كان قادما من خلفه بملامح حل بها الضيق وكأن ما يراه لا يعجبه ليردف بأمر نحو صغيره
واد يا ريان روح اغسل وشك وفوق كده أنت راجل كبير مش عيل صغير.
استجاب ريان ليبتعد عن ذراعي مزيونة بنوع من الحرج يتجه مباشرة نحو المرحاض
حاضر يا بوي.
عبست مزيونة هي الأخرى تنتقده
براحة على الواد يا حمزة ده مهما عيل.
علا صوته بخشونة يشدد عليها بإصرار
مش عيل يا مزيونة قرب يقفل التمن سنين مش عايزه يطلع خرع لازم يبقى خشن زي اللي جابه سامعة
حسنا هي تعلم الآن أن لا فائدة من الجدال معه بهذا المزاج المتعكر قد يأخذ الحديث بصورة عكسية إن استمرت في النقاش لتغير دفة الحديث قائلة
شايفاك لابس الجلابية الصوف وشكلك طالع دقيقة استناني أخلص الفطار......
أوقفها ملوحا بكف يده أمامها
بلاش مش عايز هي كوباية شاي أشربها على أي قهوة وخلصنا عايز ألحق أحصل مشواري.
قالها والتف
يغادر فسارعت توقفه متناسية تعبها
لاه يا حمزة هتطلع على لحم بطنك.
حين هم أن يلتف إليها كانت هي خلفه تماما لتنال نصيبها منه بلمسة من سبابته اصطدمت بعينها لتتأوه بتوجع
آه يا حمزة صباعك دخل في عيني.
وه!
خرجت منه بهلع ليحاول رفع يدها عن عينها التي ادعت بأنها أصيبت
شيلي يدك خليني أشوفها اتطرفت جامد ولا أجيب لها دكتور أحسن
استجابت ترفعها بعد لحظات فانحنى هو ينفخ فيها حتى فتحت أجفانها بتأن أمام ترقبه ولكن وما أن ظهرت العين أمامه دون احمرار أو أي شيء يدل على إصابتها حتى عاد برأسه للخلف بتمهل متوجها اليها ا بتساؤل
مش باين إنها اتطرفت يعني
ما هي راقت من لمستك.
فاجأته بقولها حتى بزغت ابتسامته وقد فهم لعبتها ليضمها إليه براحة تغلغلت داخله بعد أن اطمأن عليها
بقيتي شقية يا مزيونة وبتلاعبيني!
ضمته بذراعيها هي الأخرى لتضيف عليه
والفضل يرجع ليك مش أنت اللي علمتني.
آآه
تأوه بتعب وكأنه كان في حاجة إلى غمرتها دون أن يدري ليتمتم بامتنان
يخليكي ليا يا قلب حمزة.
.............................
عاد إلى تلك البلدة مرة أخرى برغم الوعد الذي قطعه على نفسه المرة الأخيرة بألا يعود إليها حتى تغادرها تلك المرأة التي أصبحت تستحوذ على تفكيره وتؤرق عقله. البداية كانت غيظا وڠضبا ثم شفقة على امرأة لا تملك حيلة تمكنها من صد هذا البغل عنها ثم رعاية وواجب نتيجة الورطة التي أورد نفسه فيها بإرادته. وفي النهاية تبدل كل ذلك لمشاعر يرفضها بكل جوارحه ومع ذلك لا يقوى على صرفها عنه.
وصل إلى أمام المنزل الذي استأجره لها دون الاستعانة ب جمعة الأحمق.
وجد الباب الخارجي مفتوحا ليتمكن من الدلوف إلى داخله دون استئذان. يهم بمفاجأتها بعد أن اشټعل رأسه بظن غير مريح.
ولكن وما هي سوى خطوتين داخل الجزء الفاصل من الباب الداخلي حتى دوى صوتها الناعم تناديه بلهفة
عطوة...
الټفت إليها فوجدها تنهض من جلستها في ضوء الشمس وشعرها الطويل يحاوط وجهها من الجانبين. اقتربت منه ابتسامتها الساحرة ووجهها الندي تستقبله بحفاوة
يا مرحب بيك يا عطوة أنا افتكرتك نسيتني.
تحمحم يبتلع ريقه بتوتر سرعان ما أخفاه حين رد بفظاظة
يا أهلا... سايبة الباب مفتوح وإنتي طالقة شعرك تسرحيه في الشمس خلاص مالكيش أوضة ولا مش متعودة على سترة الحيطان
صدمها جفاؤه فخبتت ابتسامتها لتردد بصوت بالكاد يخرج من حلقها
الله يسامحك بس السترة مش في الحيطان وبس. أي نعم أنا طول عمري واخدة على عيشة الخيش لكن مع ذلك عمري ما انكشفت على حد ولا حد مسني في الحړام.
أنهت كلماتها وتحركت من أمامه تلملم شعرها لتربطه في عقدة واحدة من الخلف لتتركه يناظرها بندم حتى عبر عن أسفه
أنا مش قصدي طبعا بس بصراحة اتضايقت لما شوفت الباب مفتوح. يعني أي حد ممكن يدخل.
لأه محدش يقدر يدخل ولا حتى صاحبك جمعة.
هتفت بها تجلس على عتبة الباب الداخلي متابعة بانفعال
آخره يخبط باحترام ويسيب الحاجة اللي إنت باعتها قدام الباب ما يقدرش يتعدى حدوده معايا عشان أنا وضعاله خط ما يقدر يتخطاه. أنا مش هينة لحد.
حدق بها صامتا
لفترة من الوقت حتى استطاع أخيرا أن يتجاوز كبرياءه قائلا
عارف إنك ب مېت راجل يا نورا ما أنا كمان عدى عليا حريم بعدد شعر راسي وأعرف زين أفرق الحرة من الساهلة.
أومأت تشيح ببصرها عنه بعتب نتيجة لكلماته القاسېة تنتظر منه المزيد كي يطيب خاطرها. ولكن حين طال صمته
عادت إليه لتجده محدقا بها بنظرة لم تفهمها حتى أفصح عما يريده
ترضي يا نورا أعقد عليكي... بورقة عرفي.
..............................
زي ما توقعت النيابة قررت حجزها خمستاشر يوم على ذمة التحقيقات بعد شهادة بواب المدرسة اللي أيدت شهادة الأستاذة عطيات. أنا آسف يا حمزة.
وتتأسف ليه إنت جبت حاجة من عندك دا قانون ولازم يتنفذ.
كان هذا قول حمزة ردا على ما أخبره به صديقه الذي يتولى القضية الشائكة فقطع يزفر بإحباط ويده تتلاعب برأس العصا التي يمسكها. وكأن الكلمات قد هربت منه فتحدث الآخر بنوع من التحفيز
ما تبقاش يائس يا حمزة إحنا بس نعثر على الولد وإن شاء الله البصمات تطلع غير مطابقة وتخلص الحكاية مش موضوع يعني.
أومأ له حمزة بإيماءة لا تصل لعينيه لعلمه الأكيد بالنتائج مسبقا
إن شاء الله ربنا كريم. ممكن أشوفها
طبعا يا حبيبي ممكن طبعا وأي حاجة تعوزوا توصلوهالها أنا تحت أمركم برضه. أنا هخرج أنادي العسكري يجيبها تقابلك هنا في المكتب وأشوف طلباتك لو عايزة حاجة.
نهض عن مكتبه ثم تابع يطالع هاتفه على عجالة وهو يتحرك لينفذ ما نوه عنه
شوف كمان لو جوزها حابب يقابلها قبل ما أروح انا على بيتي.
جوزها وطلقها قبل ما تيجي هنا!
صدحت الجملة من خلفه ليتوقف فجأة ثم التف رأسه بتساؤل إلى حمزة الذي عاد يؤكد له
زي ما قولتلك خليفة مطلقها من قبل ما تيجي هنا.
أومأ له بحركة ليس لها معنى ليتابع ذهابه بعد ذلك بارتباك لحظي قد أصابه لكن سرعان ما استعاد توازنه وتبدلت ملامحه لتشتد پغضب واضح.
..................................
داخل مشفى الوحدة الصحية للقرية وبعد أن استأذنت من زوجها بحجة الذهاب مع ابنتها لمتابعة تقدمها في شهور الحمل تجنبت إخباره عن أي عرض يخصها هي.
ليأتي الآن دورها في مقابلة الطبيبة والخۏف والأمل يتصارعان في عينيها ما بين رغبة تكتسحها وفزع من تجدد آلام الماضي إن حدث.
دخلت إلى غرفة الطبيبة بخطوات متثاقلة والتوتر يشد أطرافها تسحبها ليلى التي كانت تبتسم للطبيبة بحماس تقابلها الأخرى بإشراقة دافئة لتخبرها بدون تأجيل أو انتظار
مبروك يا مدام مزيونة التحاليل بتثبت إنك حامل بالفعل.
شهقة عالية صدرت من ليلى تميل على والدتها التي ارتسمت على وجهها علامات الدهشة الصامتة وكأن الزمن توقف.
مبروك يا مزيونة! أنا كنت عارفة ومتأكدة من الأعراض اللي قولتيها! أمي حامل يا ناس وهيبقالي أخ يا دكتورة!
ضحكت المذكورة تخاطب تلك المصډومة
مالك يا مزيونة مش مصدقة ولا إيه بقولك حامل يا ست إنتي! اصحي كده للخبر الجميل ده وفوقي!
أيوه يا أمي دا عمي حمزة الفرحة مش هتساعه...
بسماع اسمه من فم ابنته وتذكرها للأمنية العزيزة لزوجها وقد تحققت كما يرجو انهار حاجز الصدمة. لتبدأ
يدها في الارتعاش بشكل لا إرادي وقد استوعبت الآن أن الأمر أصبح حقيقة لتنهمر الدموع بغزارة دون أن تحدد هل هي دموع خوف ويأس أم دموع فرح طاغ لم تشعر بمثله من قبل.
لأ لأ إيه الدموع دي بقى
خرج صوت مزيونة أخيرا في رد على الطبيبة
والله ما أنا عارفة يا دكتورة لا أنا عارفة أفرح ولا أخاف لأ...
قاطعتها الطبيبة بنبرة تحمل في طياتها ثقة واطمئنان
ولو! تخافي ولا تشيلي أي هم! أنا شوفت كل التحاليل وبقيت على معرفة كاملة بحالتك. أقدر أأكد لك إن اللي حصل معاكي زمان لا يمكن يتكرر إن شاء الله. ولو استجدت أي مشكلة يا ستي إحنا نعرف نتصرف برضه الطب اتقدم
كتير أوي عن زمان دلوقتي ولا إنتي ناسياها دي كمان
صاحت ليلى بمرح وهي تعود لمعانقة والدتها
لا تنسى دا إيه هي هتلاقي فرصة للتردد أصلا افرحي يا مزيونة خلينا نبل الشربات ونعلي الجواب دا إحنا هنعملها هيصة!
استجابت أخيرا تفيق من تجمدها تبتسم لابنتها ولحالة البهجة التي تنشرها فوضعت يدها على بطنها بغريزة الأمومة تشعر وكأنها تحمل العالم كله بين يديها.
....................... ...... 
أخوك ما جاش ليه لو مش عشان أم عياله يبقى على الأقل عشان بنت عمه!
وجهت إليه السؤال بحدة قابلها بهدوء شديد يجيبها
لو على حكاية بنت عمه فإحنا قايمين بالواجب وفوق طاقتنا