لأجلها بقلم امل نصر


لو مش واثق فيا وفي أخلاقي مكنش مشي ولا سابك معايا من أساسه أقل حاجة كان وقف العربية وسحبك من إيدك وخرجك بس إحنا مش عيال صغيرين ولا تافهين هو عارف أنا مين كويس ده غير إنه عارف إن إجابة السؤال هتوصله مني من غير تعب ولا انفعال. اهدي بقى عشان إحنا داخلين مدخل البلد مينفعش الغفير يشوفك وأنت مڼهارة لازم تبقي طبيعية.
يا نهار أسود عليا وعلى سنيني أبقى طبيعية وإحنا داخلين على البلد! يا عم ما توقف وبكفاية فضايح.
وكأنه لم يسمع شيئا ناظرها بطرف عينيه واهتز كتفاه بعدم اهتمام 
أنت حرة تندبي ولا تولولي حتى أنا عارف بعمل إيه كويس.
تاني هيقولي عارف! الله يرضى عنك وقف وريحيني طب فهمني يا ك...
قطعت عبارتها حين انتبهت لمرور السيارة داخل البوابة الكبيرة للبلدة والغفير الذي ثبت أبصاره نحوهما وقد وقعت الفأس في الرأس كما يقولون. وبقلب يرتجف فزعا صارت تتابعه وهو يقطع الطرق من جهة إلى جهة حتى انعطف بالسيارة ببراعة وثقة نحو الشارع الرئيسي المؤدي لمنزل والديها وأصبحت على بعد أمتار منه. وكلما اقترب كلما زاد التوتر بداخلها حتى شعرت بقلبها على وشك التوقف لا تعلم ما الذي يدور برأسه ولكنها تعرف جيدا أنه لن يعجبها.
بعد لحظات قليلة وحين وصلت السيارة لتصطف أمام بوابة المنزل الداخلية وجدت والدها واقفا على عتبة الدرج الأخيرة في انتظارها. بجسد مرتعش ترجلت آليا منها
تضع قدميها على الأرض وهي لا تشعر بها من الأساس أما عنه فقد خرج بثقة يتقدم إلى والدها يتحدث معه بمرح يثير الدهشة حتى أجبر الرجل ليرحب به ويدخله إلى المندرة أو صالة استقبال الزوار.
أما عند حمزة فكان في حالة لا يجد لها وصفا ڠضب امتزج بحيرته وأفكار أخرى تقوده لنتائج كان يشك
فيها من الأساس.
منذ أن رآها داخل سيارة صديقه في الكرسي المجاور له ولغة الحديث التي لم يسمعها تظهر سيطرة وسطوة أمام استسلام وأدب غير طبيعي من هالة ابنة عمه التي يعرفها تمام المعرفة. ليست تلك علاقة طبيعية لضابط بسجينة سابقة معه حتى لو كان على معرفة سابقة بعائلتها! ذلك الشيء الذي أدخل بقلبه الحيرة هو ما منعه من أن يتصرف بصورة حاسمة مع ذلك الموقف الغريب الذي يمر به لأول مرة.
حمزة.. أنت لسه سرحان في اللي حصل
ذلك ما تفوهت به مزيونة التي حضرت معه الموقف في طريقهما للعودة إلى البلدة بعد إيصال ريان لمدرسته وليلى التي التقت بمجموعة من صديقاتها فكانت هي الوحيدة التي حضرت ورأت رد فعله الذي ما زالت تستغربه حتى الآن وما يضاعف قلقها هو شروده المستمر 
حمزة....
أيوه يا مزيونة سمعتك.
أمال فيه إيه طيب
مفيش حاجة يا بوي اطمني.
فاض بها وقد ملت من مراوغته لتصارحه بوضوح هذه المرة 
ما هو مش موضوع اطمن ولا اتزفت الحكاية بصراحة أنا مش فاهمة زعلك ولا سكوتك. شاغلك قوي موضوع هالة اللي شوفتها في العربية مع كمال صاحبك كنت وقفت يا سيدي على أي جانب تشوف وتستفسر يمكن الراجل شافها صدفة وعرض يوصلها..
كانت تتحدث بسجيتها ولا تعرف ما يدور برأسه ولا ما لا يستطيع الإفصاح عنه ليرد باقتضاب 
ومين قالك إني بفكر في الموضوع ده من أصله هو كمال ولا بت عمي حد فيهم محل شك أنا دماغي في حتة تانية متشغليش بالك أنت.. عن إذنك بقى أدخل آخد شاور.
ختم جملته الأخيرة ونهض ذاهبا إلى وجهته يتركها تطالع أثره مستنكرة موقفه غير المفهوم.
وعند هالة التي تحصنت داخل غرفتها تترقب القادم بقلق شديد منذ عودتها من الخارج بصحبة ذلك المزعج الذي أجبر والدها على الترحيب به واستقباله وكأنه ضيف عزيز وهي لا تعرف حتى بماذا يخبره وعم يتحدث معه كل هذا الوقت.
استفاقت من شرودها مع اندفاع باب الغرفة ودلوف شقيقتها إسراء التي تركتها في المحافظة 
هالة.. أنت جيتي لوحدك وسبقتيني
سمعت منها هالة واحتدت وهي تجيبها 
أنت اللي بتسألي يا إسراء بعد ما سبتيني ورحتي هجيتي مع أصحابك البنات على الكافيه اللي جنب العيادة! طب افتكري إن ليكي أخت دراعها لسه متجبر.
تقدمت نحوها إسراء بلهجة يغمرها الأسف 
أنا آسفة يا حبيبتي بس أنت كمان كنت رنيتي ولا بعتي رسالة دي كلها دقايق بس اللي سيبتك فيها أرجع ألاقيكي طلعتي وجيتي على البلد بالسرعة دي! لا وكمان لقيتي اللي يوصلك.. يا ريتني كنت معاكي عشان أركب العربيات الحلوة دي!
قالت الأخيرة بلمحة شقية مع ابتسامة استفزت هالة لتنهرها 
بقولك يا إسراء احترمي نفسك وبلاش تلميحاتك دي سيادة الظابط شافني صدفة وأنا طالعة وعرض عليا يوصلني لما حس إني تعبانة يعني بلاش مخك التخين ده يروح لبعيد.
أومأت إسراء تحرك رأسها بصمت وتلاعب أدخل في قلب هالة شكا حسم في نفس الوقت مع دلوف والدهما إليهما بعدما طرق باب الغرفة المفتوح بخفة 
مساء
الخير.
اعتدلت هالة ترد التحية حتى كادت أن تقف ولكن منعها بإشارة من يده 
مساء النور يا بوي اتفضل.
أما إسراء فبادرته بسؤالها 
سيادة الظابط مشي ولا لسه قاعد يا بوي
بملامح مرتخية ونظرة ثبتها على هالة التي ېقتلها الترقب رد الرجل 
مشي رغم إني دقيت عليه يتغدى بس هو اعتذر عشان يلحق شغله. على العموم ليه عزومة كبيرة إن شاء الله قريب عندي!
عزومة كبيرة.. ترددت العبارة بمسامعها لتزيد من دهشتها واستغرابها الذي لم يدم طويلا مع إفصاح أبيها عما حدث 
أنت تعرفي إن الراجل كلمني عنك
كلمك عني كيف يعني قال حاجة عن القضية
جاء الرد منه بسؤال ليفاجئها بابتسامة غير مفهومة تسبق إجابته 
لا القضية يعتبر اتحسمت خلاص يعني مفيش منها قلق أنا بتكلم على حاجة تانية خالص..
حاجة إيه يا بوي
سبقتها شقيقتها إسراء بالاستفسار فلم يلتفت إليها الرجل بل ظل على وضعه في النظر إلى هالة التي جف حلقها وارتخت أقدامها الملتصقة في التخت من التوتر ولم تعد تقوى على حملها حتى قال 
والله ما أنا عارف ده حظ ولا نصيب زي ما بيقولوا بس الراجل وضح نيته زين ومخباش إنه عايز يتقدملك بعد ما تخلص عدتك يا هالة ويتجوزك على طول لو أنا معنديش مانع.
شهقة عالية خرجت من حلق إسراء المستمعة للحديث لتردد بتساؤل وفرح شديد أمام صدمة هالة التي كانت تنقصها لمسة واحدة لتقع 
معقولة بتتكلم جد يا بوي سيادة الرائد كمال ذات نفسه عايز يتجوز هالة الراااائد كمال!
وإحنا قليلين يا بت!
تمتم بها الرجل ليردف بتفاخر وتعال أظهر فرحه الشديد بهذا الخبر 
رغم إنه فاجأني بطلبه بس أنا عاجبني فيه إنه مراعي الأصول ومرديش يتقدم رسمي غير بعد ما تخلص العدة لكنه أظهر نيته عشان لو هنفكر أو هنرفض من دلوك.. والله وكان الحظ هيتبسملك من تاني يا هالة قال وأنا اللي كنت شايل همك!
هكذا أظهر والدها ترحيبه وانبهاره بعرض الرجل الذي كان قد رفضه سابقا دون أن يسألها متوقعا موافقتها على تلك الفرصة العظيمة. وهي بالفعل لا تملك حق الاعتراض على ذلك الرجل الذي لا يضيع وقتا وكيف ترفض وقد سلمت أمرها إليه مسبقا فكان ردها صمتا مطبقا بينما شقيقتها تهلل بفرح غامر 
يا ألف ألف مبروك يا خيتي ربنا بيعوضك عن نصيبك اللي فات بنصيب أحسن منه.. مش أحسن وبس لا ده نصيب عسل بشهده كمان!
عودة إلى حمزة الذي خرج من المرحاض يجفف شعر رأسه بمنشفة ثم ألقاها ليتناول الفرشاة ويصففه بتباطؤ غريب أمام تلك المتمعنة في النظر إليه من داخل شرفتها ولم ينتبه لوجودها حتى الآن بفضل الشرود الغارق فيه.
كادت أن تسأله وتلح عليه حتى تعرف ما برأسه ولكن صوتا من الأسفل جعلها تنزل بعينيها إلى خارج منزلهم لترى سيارة أتت تتوقف أسفل شجرة التين وترجل منها ذلك الضابط صديق حمزة.
تأكدت أن كل الإجابات سوف تأتي وحدها وقد حضر صاحب الأمر فخرج صوتها إليه لتخبره بوجودها أيضا وينتبه إليها عبر انعكاس وجهها في المرآة 
صاحبك اللي مستنيه وصل يا حمزة انزل بقى عشان تفتحله.
كان يعلم أنه سوف يأتي إليه بنفسه والآخر عرف بذلك الأمر دون تفكير هذه ميزة الصداقة حين تتعمق وتكبر مع مرور الزمن حتى النضج ولكن يتبقى التوضيح والصدق في إيصال المعلومة وذلك ما عزم عليه كمال حتى وهو يتلقى استقبال صديقه بجمود
وفتور 
أهلا بالباشا منور ومشرف.
بادله الأخير المصافحة بحرارة مقابل الصقيع 
أهلا بيك أنت أنا جيلك بنفسي وداخل بيتك يعني واجب استقبالك ليا يكون أحسن من كدة.
تحمحم حمزة بخشونة يدعوه للجلوس 
طب اتفضل الأول نقعد وبعدها نتفاهم.
استجاب لدعوته ليجلس بثقة وأريحية قائلا 
نقعد يا سيدي ومش هكلفك حتى حق الشاي أنا شربته خلاص في بيت عمك وكان طعمه جميييل!
علق حمزة 
رحت بيت عمي!
آه رحت ووصلت هالة لحد عندهم وعمك كان راجل كريم جدا معايا لدرجة إنه كان عايز يغديني.
كماااال!
قاطعه بقوة مردفا 
جيب من الآخر إيه اللي بينك وبين هالة
سمع منه ليستخف ساخرا 
كدة على طول خلتها حاجة ما بينا عشان مجرد بس شوفتها راكبة معايا العربية خلاص حكمت إن فيها
حكاية طب افرض قابلتها صدفة يا أخي وكلفت نفسي أوصلها لبيتهم.
مال حمزة بوجهه نحوه يحدثه بمكاشفة 
عشان عارفك وعارفها.. عارف طبيعة كمال اللي مش هيحط نفسه في موضع شبهة حتى لو من باب الشهامة وهي نفس الأمر عمرها ما هتقبل تركب مع راجل لوحدها حتى لو كانت تعبانة ده غير حساسية الوضع ما بينكم ولا أنت نسيت
اممم..
زم كمال فمه المغلق يدعي التذكر ليعارضه بعد ذلك 
لا بصراحة منسيتش لكن تقدر تقول سامحت وده اللي خلاني أزيح الماضي ورا ضهري وأتقدم لها من تاني..
برقت عينا حمزة في الأخيرة فاستطرد هو موضحا 
قصدي يعني أعبر عن رغبتي في الجواز منها بعد ما تخلص عدتها أنا برضه راجل بفهم في الأصول وفاتحت والدها في كدة والراجل رحب..
عمي أنا رحب!
ده مكنش مصدق كمان.. قصدي كان باين عليه قوي الفرحة وقالي بعد ما تخلص عدتها كل خير إن شاء الله.
سرعان ما استوعب حمزة ليواجهه بقوة 
ليه
ليه إيه
ليه تتقدم لها ولا تفكر فيها من أصله خلاص صفصفت الدنيا من الحريم
أنت مضايق يا حمزة عشان اتقدمت لبنت عمك ولا عشان كانت مرات أخوك سابقا
جاء رد حمزة على سؤاله المباشر بصراحة كاملة 
أيوه مضايق ومش عاجبني الموضوع وحاسس إن فيه حاجة مش مظبوطة.. خروجها المفاجئ من القضية زي الشعرة من العجين وطريقة الكلام النهاردة في العربية بينك وما بينها أكدت ظني.
لم يجد كمال مخرجا أمام محاصرة صديقه سوى أن يبادله الصراحة 
اتفقت معاها إنها تقبل بجوازي منها مقابل إني أخرجها من القضية.
شعر حمزة بالخبر كالصاعقة التي حطت فوق رأسه وهو ما زال لا يستوعب ليثور به غير مصدق لجرأة فعله 
أنت بتقول إيه