لأجلها بقلم امل نصر


بالكاد تلتقط أنفاسها واجهت ظلام عينيه الذي كان يحدق بها بنظرات لم تفهمها ثم لم يعطها فرصة أخرى للتساؤل فحملها بين ذراعيه متوجها بها إلى غرفته ليؤكد على ما تفوه به منذ قليل بالأفعال غير آبه بفزعها الذي تخفيه دائما بحماقة أقوالها.
..... يتبع
الفصل الستون
مع تباشير الفجر الأولى نزلت ليلى درجات السلم متوجهة مباشرة نحو الجناح الذي تسكن به والدتها مع حمزة لتطرق الباب متوقعة استيقاظ أحدهما على الأقل لصلاة الفجر.
وبالفعل لم تنتظر سوى لحظات حتى فتحت لها والدتها تحدثها بجزع
وه يا ليلى إيه منزلك دلوك من شقتك يا حزينة مش خاېفة لا تاخدي برد وولدك كيف سبتيه لوحده فوق
يا أمة أنا.....
لم تكمل العبارة حتى خرج إليها حمزة هو الآخر فزعا بعدما انتبه على صوت زوجته
ده أنا كدبت وداني لما سمعت نازلة في الفجر ليه يا ليلى
جاء الرد هذه المرة ولكن من جهة أخرى
أنا اللي منزلها يا بوي وواقف بالعيل قدامكم أها.
الټفت الجميع نحو السلم وعلى إحدى عتباته حيث يقف معاذ حاملا طفله وما إن وقعت عيناه عليه حمزة حتى انتفض نحوه بانفعال
ېخرب بطنك إحنا خايفين على الكبيرة وأنت نازل بالصغير ثم....... أنت لابس هدومك الخروج ليه أنت طالع دلوك يا واد
تكلفت ليلى بالرد عنه
ما إحنا نازلينكم عشان كدة معاذ طلبوه في الشغل ودلوك هو مسافر وعشان ميتعبش في المواصلات جيت أطلب مفتاح العربية منك يا عم حمزة.
وهيسوق هو لوحده كمان
خرج التساؤل من خليفة الذي سمع بالصدفة أثناء صعوده الدرج بعد عودته من صلاة الفجر ليردف موجها حديثه إلى معاذ
ادي الواد لأمه وتعالى هطلع أنا بيك في شنط تانية غير اللي جنبك دي
أشار خليفة في الأخيرة
نحو الحقيبة التي كانت موضوعة بجواره على إحدى العتبات فنفى معاذ بهزة بسيطة من رأسه يقول بصوت خرج كالهمس
لأ هي دي وحدها....
أثار مشهده اهتمام الأربعة وقد انصب تركيزه فقط على طفله الذي كان يحتضنه يغرس قبلاته على جبينه الصغير وكأنه يستمد منه زادا يصبره على الابتعاد عنه.
الأمر الذي دفع حمزة لمشاكسته
ما خلاص يا أخوي داير بوس في العيل الصغير لما هتنكده سيب الواد ينام ولا أقولك هات أخده أنا.
قالها حمزة وقد اقترب ليتناوله منه إلا أن معاذا ابتعد بالطفل عنه
سيبه في يدي شوية كمان يا حمزة عايز أشبع منه.
وه عاد.. شغل الأبهات المستجدين هو وكلة هتاكلها يا واد!
هتف بها حمزة ليثير ضحكات الثلاثة ليلى ووالدتها وخليفة الذي أشار له بيده وهو يحاول الاتصال بالهاتف في اليد الأخرى
براحة يا عم الخبرة اصبر عليه شوية ده أول فرحته برضه حتى على ما أخلص أنا مكالمتي مع اعتماد وأديها خبر.
واعتماد أهي بحالها قدامك.
جاء قول المذكورة وهي تنزل من طابقها والهاتف يدوي بيدها بصوت النغمة المخصصة لها حتى توقفت بضغطة من خليفة صاحب الاتصال منتبها لها وهي تتابع
أنا طلعت على صوتكم خير إن شاء الله تروح على شغلك وتيجي بألف سلامة يا معاذ أمي تحت زمانها سمعت هي كمان عشان تسلم عليها بالمرة.
أومأ لها معاذ ليرد بصوت ثقيل ثم يعطي طفله إلى حمزة يهم بالذهاب مع شقيقه الأوسط يجبر قدميه على التحرك وترك زوجته وطفله من أجل العمل.
..........................
في الفيوم وتحديدا داخل إحدى المستشفيات العامة للمحافظة..
هناك فوق أحد مقاعد الانتظار المعدنية القاسېة انحنى جسد عطوة الذي غلبه النعاس بعد سهر طال ليال كان يغفو ورأسه مائل نحو صدره بثيابه التي لم يغيرها منذ يومين.
يخيم السكون على ممر المستشفى البارد في ذلك الوقت المبكر من الصباح إلا من طنين رتيب لأجهزة المراقبة المنبعث من خلف الأبواب الزجاجية لغرفة العناية المركزة.
تسللت هي بخطوات وئيدة تحمل في يدها كيسا صغيرا تفوح منه رائحة الخبز الطازج حتى وصلت إليه ثم وقفت تتأمله للحظات ومزيج من الشعور بالذنب والامتنان يعتصر قلبها فهذا الرجل الذي دخل حياتها منذ فترة قصيرة بات يحمل أثقالها كأنها قدره المحتوم. ألا يكفي تحمله مخاطرة مساعدته لها في الهروب من براثن عرفان لتأتي به إلى هنا كي يتحمل معها مرض والدها الذي ألم به بعد فترة لم تتجاوز الشهر بعد زواجهم حتى أيقنت داخلها أنها نحس عليه.
عطوة..
هتفت منادية تضع يدها على كتفه برفق كأنها تخشى إيقاظ تعبه تعيد الكرة بهمس حنون
عطوة.. يا عطوة.. قوم يا حبيبي الصبح شقشق وأنت ضهرك أكيد مش حاسس بيه من التعب عطوووة!
فزع عند الأخيرة مستيقظا بتيه
إيه فيه إيه الحاج جراله حاجة الدكتور خرج ولا لسه
بلمسة رقيقة بيدها على عظام صدره صارت نورا تطمئنه
اهدا يا حبيبي مفيش حاجة والله.. الحالة مستقرة والحمد لله الدكتور من شوية طمني أنا بس قلت أجيبلك لقمة تقويك أكيد هلكان جوع بعد شندلة امبارح.
تنفس عطوة الصعداء ومسح وجهه بكفيه كأنه يطرد ما تبقى من نوم ثم نظر إلى الممر الخالي وعاد ببصره إليها
لا أنا الحمد لله مش جعان.. المهم طمنيني على أمك لساها تعبانة برضه
وكمان هتشيل هم أمي!
غمغمت بها نورا تغالب دموعها وهي تفتح كيس الطعام مردفة
أمي كل اللي عندها دور إنفلونزا تقيل شوية لكن أكيد هتخف منه إن شاء الله المهم أنت.... مش عارفة ليه حظك جاي معايا كدة ده إحنا لسه يا دوب بنقول يا هادي في جوازنا بدل ما نخرج ونتهنى بقيت مرمي في المستشفيات وشايل همي وهم أبويا.. وأمي اللي واخدة دور برد تقيل ده غير مصېبتي القديمة اللي أنت عارفها بهروبي من عرفان....... أنت شيلت شيلة تقيلة قوي يا عطوة وتعبت معانا تعب محدش يعمله غير الأصيل.
أصيل!
رددها عطوة يبتسم ابتسامة باهتة يردف بسخرية
طب خليها في سرك لو سمعك حد من بلدنا هيستلمك تريقة وبصراحة هيبقى عنده حق عشان أنا عمري ما كنت أصيل مع حد من يوم ما اتولدت وأنا واخد الندالة منهج!
طب ومستندلتش معايا ليه اشمعنى أنا وأهلي تعمل معانا كدة
اعتدل بجذعه متوجها بجلسته نحوها يجيب بصراحة تامة
عشان أنت وأهلك شفتوني زين رغم كل عيوبي وأنت بالذات يا نورا حسستيني إني بني آدم ولي حق إني أحب وأتحب. يمكن شايفة وقفتي معاكي في تعب أبوكي جميلة لكنك عمرك ما هتعرفي حجم جميلك علي خلتيني أحس إني إنسان حقيقي.. وزي ما شفت الهنا والسعد معاكي في أيام العسل حق علي كمان أشيل عنك همك.
لا تعرف أتفرح بكلماته أو تبتئس على حال رجل مثله ولد من أصل طيب ورجل غني لكن طلاق والدته الغريبة جعلته ينشأ منبوذا بين عائلته حتى حينما ورث الأموال لم يجد الاحترام نظرا لتاريخه السيئ بسبب تربيته غير السوية.... عجبا!
خد يا عطوة كل السندوتشات ولا خد من العيش المسكر اللي جيباه من الفرن سخن ويستاهل تحلي بيه خشمك اللي بيقول كلام حلو زيك يا حلو أنت.
قالتها بفكاهة جعلته يضحك ويتناول منها دون تردد فمن هذا الذي يستطيع رفض تلك الدعوة الجميلة من امرأة رائعة الجمال مثلها وتزيد عليه بالتدليل الذي لم يجده إلا من والدته وهو صغير
وكمان خلتيني حلو يا نورا! والله أنت تستاهلي عمري كله فداكي.
.........................
دخل خليفة إلى جناحه بخطوات هادئة بعدما اطمأن على إيصال شقيقه لفت
نظره الهدوء السائد في المكان والحركة الوحيدة تأتي من غرفة صغيراته رغم أن هذا وقت حضورهن الدراسي.
إذن لا يتبقى إلا زوجته العزيزة أيعقل أنها لم تذهب إلى عملها أيضا
جاءته الإجابة سريعا حين وجدها ترتب أسرتهما معطية ظهرها له وهي تتحرك ببطء ويبدو عليها التعب الواضح حتى أنها لم تنتبه إليه حين دلف إليها وتسلل بهدوء حين وصل ليطوقها من خصرها بذراعيه فانتفضت شاهقة بوجل ليسارع بطمأنتها
اهدي يا قلب خليفة أنا هو مش حد غيره.
وضعت يدها على موضع قلبها تلتقط أنفاسها بابتسامة إلا أن شعور الدوار الذي لازمها منذ الصباح بسبب الحمل والذي جعلها تفضل البقاء في المنزل اليوم عاد ليداهمها فجأة فاهتزت في وقفتها ليتلقفها بين ذراعيه ثم يجلسها على التخت خلفها قائلا بحنو
إيه الحكاية أنت هتخوفيني عليكي ولا إيه
عادت تهديه ابتسامة مطمئنة
يا عم وتخاف ليه بس ما دي أعراض حمل ومعروفة يعني على الحريم ولا أنت أول مرة تشوف
أسند رأسها فوق كتفه يجيبها
لاه مش تايه عن الحاجات اللي بتحصل للحريم في الشهور دي بس أنت تختلفي عنهم كلهم أنا أتحمل على الدنيا كلها إلا أنت.
بامتنان يغمرها رفعت كف يده إلى فمها تقبلها في تعبير واضح عن اعتزازها بقوله
ربنا ما يحرمني منك يا خليفة يا نصيبي الحلو.
ضمھا أكثر يشدد بكلماته
ويخليكي ليا يا قلب خليفة بس أنا حاسك متغيرة يا اعتماد وكأن اللي بيكي مش بس تعب حد مزعلك
لم ترد فعاد يكرر السؤال بصيغة أخرى
حد خربط معاكي بخصوص أمهم
لا يا خليفة دول ملايكة ربنا يخليهم بكلمتين بيتراضوا والبركة فيك قايم بالواجب في إنك بتتفاهم معاهم بطريقتك الموضوع ميخصهمش
أساسا.
أومال إيه طيب قولي على اللي تاعبك يا اعتماد
أخرجت من صدرها تنهيدة مثقلة لتخيم لحظة من الصمت قبل أن تتشجع وتخبره
أختي رغد يا خليفة حساها غريبة ولا مخبية عني حاجة.
حاجة إيه بالظبط
ردد بها متسائلا باهتمام لتعود إلى حيرتها وتخبره
ما هو ده اللي شاغلني يا خليفة دي أختي اللي ربيتها على يدي البت فيها حاجة مش مريحاني ولما بسألها بتنكر وتقول إنها تمام ودي مش عوايدها.
قطب جبينه قليلا بتفكير قبل أن يحسم الأمر
خلاص سيبي الموضوع ده علي وأنا هعرف مالها بس أنت متشليش هم.
تبسمت تضم خصره ليشدد هو بضمتها ويقبل أعلى رأسها
أنا عمري ما أخاف ولا أشيل هم طول ما أنت معايا يا خليفة ربنا يخليك ليا.
..........................
أمام مرآتها وقفت تتأمل نفسها والآثار التي خلفتها المعركة الضارية مع ذلك البربري على عنقها وبعض الأجزاء المكشوفة من المنامة التي ترتديها.
نعم بربري.. هذا هو الوصف الحقيقي له!
لقد جعلها تشعر وكأنها تتزوج لأول مرة فرض عليها مشاعر لم تخضها رغم سنين زواجها السابق. أيعقل أنه كان بمثل هذه الھمجية مع زوجاته السابقات إذن لا عجب من أنه لم يعمر مع أي منهما.
حلوووة!
دوت الكلمة تجفلها من شرودها لتلتفت نحو مصدر الصوت عند مدخل الباب لتجده متكئا على إطاره بكتفه واقفا بميل وعلى شفتيه ابتسامة عابثة يضيف بغمزة بطرف عينه
وجامدددة!
أنهى جملته ضاحكا ليزيد من استفزازها حتى ودت أن تلقي عليه بزجاجة العطر التي كانت أمامها لتهشم وجهه الجميل هذا الذي يفتخر به ولكنها للأسف لا تضمن العواقب مع مچنون مثله.
زفرت بقلة حيلة تلتفت عنه كاتمة ڠضبها داخلها لتتناول علبة كريم الترطيب وتدهن منها على ذراعيها ووجهها لتلهي نفسها عنه ولكنها تفاجأت حين رأت انعكاس وجهه خلفها فخرجت منها شهقة