لأجلها بقلم امل نصر


يشعر به
أنا سايبهم يقطعوا في فروتي براحتهم ويألفوا في إشاعات محدش فيهم يستاهل إني أوضح له غيرك إنت يا عثمان لأن إنت بس اللي تهمني...
زم عثمان شفتيه بما يشبه الابتسام يظهر بعض الاقتناع إليه رغم ما يدور في رأسه من أفكار وهواجس بسبب الأحاديث المتواترة عن معاذ وتلك الفتاة ابنة مالك الشركة التي تفضحها حتى النظرات
ربنا ينجيك يا معاذ من أي كلام أو رغي على العموم أنا عمري ما أشيل منك وأتمنى لك الخير.
رد معاذ بنبرة يتخللها بعض الارتياح شاعرا بتقدمه خطوة نحو استعادة صديقه
ما هو دا برضه عشمي فيك يا صاحبي وبكرة تتأكد أكتر هروح أعلق الكاتل نسويلنا كوبايتين شاي وبعدها نتفرج على الماتش أنا عندي الدوري الإسباني كله هنا على الشاشة حتى قلب مع نفسك وشوف على ما أجيلك.
عقب عثمان بمرح وهو يتجه نحو الشاشة التي تحتل نصف الحائط في الردهة المتواضعة للشقة
أهي دي ميزة إنك تعيش لوحدك من غير ست تعملها مناحة لو قلبت من الفيلم ولا المسلسل اللي بتحبه.
ضحك معاذ من داخل المطبخ صائحا
ودا بيت أخوك عيش يا صاحبي مع نفسك دا إحنا هنخليها سهرة النهاردة على الماتش والبلاي ستيشن.
رحب عثمان ليتناول الريموت يبدل في القنوات باستمتاع حتى دوى صوت جرس المنزل هم أن ينادي معاذ ولكن تراجع في الأخير ليتجه نحو الباب ويفتحه بنفسه كي يرى من الطارق وكانت المفاجأة التي تمثلت أمامه بتلك الفتاة... مديرة العمل
آنسة مريم!
طالعته المذكورة بدهشة لا تقل عنه
إنت إيه اللي جايبك هنا يا عثمان مش دي شقة معاذ
أومأ المذكور پصدمة محركا رأسه وكأنه فاقد للنطق حتى حينما هتف عليه معاذ سائلا عمن يقف معه عند الباب لم يتمكن من الرد وظل مسبهلا إلى أن أتى معاذ بنفسه ليصعق برؤيتها.
هاي يا معاذ إنت كمان هتسيبني زي صاحبك من غير ما تقولي اتفضلي
وجدها أمامه تقف بكامل أناقتها المتعالية وتنظر بملامح غير مبالية وكأنه شيء عادي أن تزوره في منزله شيء عادي بالنسبة لها! عصف به الذهول بل كاد أن ېكذب عينيه لولا وجود الطرف الثالث صديقه عثمان الذي رأى نظرات التساؤل والشك في عينيه فخرج صوته متسائلا بحدة
حضرتك... في حاجة أصل يعني دي أول مرة... تيجي هنا...
قصد التفوه بالأخيرة حتى يسمعها عثمان الذي كان متجمدا مثل التمثال فجاء رد الأخرى بما يثبت العكس
جيت أشوف حجتك يا معاذ بعد ما اتأخرت على عزومة العشا اللي كلمتك عنها الصبح.
برقت عيناه بهلع لا يصدق تساهلها في لومه بتلك الصورة التي تثير الشك ليوجه أبصاره نحو عثمان يردد موضحا إليه
عشاء عمل اسمه عشاء عمل حضرتك وأنا كنت تعبان ومقدرتش أحضر.
مقدرتش تحضر ولا قعدتك مع عثمان اللي خلتك نسيت اللي وراك وخدك الوقت معاه
قالتها بشيء من سخرية لم يعجب الأخير فانكمشت ملامحه بشيء من الازدراء ليرمق معاذ بمقت وكأنه قد أمسك به متلبسا بالجرم ومن دون انتظار لتفسير آخر تحرك مفضلا أن ينسحب من بينهما
آسف يا مريم هانم على العموم أنا دلوقتي ماشي حضرتك عن إذنكم.
استنى يا عثمان!
هتف بها معاذ مناديا وقد تحرك خلفه إلى خارج المنزل بخطوتين ولكن الآخر لم يلتفت وتوجه مباشرة نحو المصعد ليتركه في مصيبته مع تلك المتبجحة التي دلفت إلى داخل المنزل دون استئذان غير مبالية بذلك المصډوم وقد تيبست أقدامه في الأرض لحظات يهدئ من وتيرة أنفاسه المتصاعدة قليلا حتى يستوعب ما تفعله تلك الخرقاء ولكن الڠضب المشحون بذهوله لم يعطه فرصة للانتظار ليعود إلى المنزل بملامح مظلمة ازدادت قتامة وهو يطالعها تجول بعينيها داخل أرجاء منزله
شقتك حلوة قوي يا معاذ رغم بساطتها تجمع بين الذوق العصري والكلاسيكي معقول يكون ذوقك!
لم يجبها وقد ظل على وضعه يرميها بشړ النظرات في انتظار الفرصة فقط للانفجار.
أنا بكلمك يا معاذ مبتردش ليه
توجهت بها إليه حين استفزها سكونه ليقطع صمته بملامح تعتليها القسۏة قائلا
مبردش عشان مينفعش آخد ولا أدي في الحديث أصلا في بيتي وأنا لوحدي معاكي حضرتك أنا سايب الباب مفتوح عشان قعدتك هنا متنفعش.
باغتها بقوله لترفرف أهدابها بعدم تصديق تسأله
إيه ده يا معاذ معقول تكون بتطردني إنت واعي للتصرف اللي بتعمله
صړخ بها
وانتي اللي بتسألي كمان! حضرتك جاية بيت واحد عازب وحداني لا يصح قعدتك ولا جيتك من أساسه.
قارعته بمنطقها الغريب لتضاعف من غضبه
أمال يصح إنك تسيبني ملطوعة مستنياك واحدة بنت ناس زيي تقعد بالساعتين على طرابيزة لوحدها في انتظارك وإنت قاعد هنا بتتساير مع عثمان زميلك في المكتب
شعر بالسخونة تغزو خلايا رأسه ما هذا الذي تتفوه به تلك المعتوهة
إنتي بتقولي إييييه أقعد مع صاحبي ولا مقعدش إنتي إيه دخلك ولا إيه اللي يقعدك لوحدك في المطعم من أساسه والعملاء والزفت الربراب اللي قولتي عليهم غاروا فين وسابوكي ولا هي يعني وقفت عليا أنا مجرد مهندس في بداياتي حتى لو شيلت مسؤولية برضه فيه اللي يسد عني وزيادة.
لا يا معاذ مفيش حد يشيل غيرك.
هتفت بها في رد سريع ثم تابعت تفصح عما تريده بصراحة فجة
أيوه مفيش حد يشيل وأنا أصلا مكنتش عازمة حد غيرك أنا كنت عايزة أتكلم النهاردة معاك براحتي وأقول اللي في قلبي أنا بحبك يا معاذ وإنت لازم تعرف كدة.
صمت ثقيل خيم على الاثنين في تلك اللحظة لا يقطعه سوى صوت معلق المباراة عبر شاشة التلفاز هي في انتظار رد عاطفي منه وهو قد تصلب في مكانه يحدق في وجهها لثوان دون أن يرمش وكأن عقله توقف عن العمل.
فانفرجت شفتاه قليلا دون أن يخرج منه ولو صوت صغير وكأنه يبحث عن الهواء أو يحاول النطق ردا على وقاحتها ثم ومن دون كلمة واحدة جر أقدامه خطوات قليلة ليسقط جالسا على الأريكة التي وجدها أمامه يمسح بكفه على ملامح وجهه پعنف وكأنه يلجم وحشا من الانفلات. اقتربت هي تجلس على الكرسي المقابل له تردف بمزيد من التوضيح
ممكن تقول عليا مچنونة بس أنا متعودتش أخبي حاجة في قلبي من أول مرة شوفتك فيها يا معاذ وأنا أعجبت بيك واللي كان غايظني منك هو التجاهل تجاهل مشاعري اللي أكيد وصلالك أو يمكن يعني عشان بسبب...
سبب إيه
خرج منه السؤال يتبعه حمحمة من حلقه محاولا بصعوبة السيطرة على انفعاله ليأتي ردها بما يصب عليه المزيد.
إنك تكون متردد بسبب موضوع جوازك أو إنجابك لطفل مثلا وشايفه عقبة ما بينا بس أنا عايزة أفهمك كويس قوي إنه ميفرقش معايا سواء تخليها على ذمتك أو تطلقها حتى في كل الأحوال إنت هتبقى ليا أنا إنسانة عندي ضمير يعني لا يمكن أبعدك عن طفلك.
هكذا كانت تتحدث بسهولة غير منتبهة لانقباض عضلات فكه بشكل لا إرادي وداخله بركان يغلي بعدما تمادت إلى حد الاستهانة بعلاقته بزوجته التي يعشقها.
لولا إنك واحدة ست وفي بيتي أنا كنت عرفت أرد عليكي كويس.
في استنكار منها قطبت حاجبيها باستفسار لرفض لا تتقبله
يعني إيه مش فاهمة يا معاذ.
انتفض بحسم لا يقبل النقاش فاردا ذراعه نحو باب الخروج
يعني مدام حضرتك وصلتيها لكدة يبقى بجاحة ببجاحة الباب لساته مفتوح لسعادتك يا سيادة المديرة وإن كان على الشغل فأنا من بكرة هقدم استقالتي.
انتفضت تقابله بعدم تصديق
يا نهارك أسود دا إنت فعلا بتطردني يا معاذ
رد بابتسامة باهتة لا تحمل مرحا على الإطلاق
والله أنا لحد الآن مراعي الذوق والأدب إنما حضرتك لو تحبي أقولها بالمفتشر فدا أبسط ما عندي.
اعتلى الڠضب تعابيرها لا تستوعب رد فعله وبإنكار منها لرفضه لها ردت
أنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة لو خدت طردك ليا على محمل الجد صدقني دي هتبقى إهانة كبيرة قوي إنت مش قدها أنا خارجة يا معاذ أسيبك تستوعب مع نفسك جايز جدا يكون دا تأثير المفاجأة... عن إذنك.
وخرجت تجر أذيال خيبتها دون اعتراف بهزيمتها تتركه يعود للسقوط على أريكته بتعب واضح يحاوط بكفيه على جانبي رأسه من تلك المصېبة التي وجد نفسه واقعا بها.
........................
أما في البلدة
داخل منزل حماد القناوي كان الصغير لا يتوقف عن البكاء حتى يأست والدته لتخرج من شقتها تنزل به الدرج دون أن تعرف لها وجهة تفضل ألا تزعج أحدا في ذلك الوقت المتأخر من الليل والجميع تقريبا نيام.
قاصدة أن تخرج به إلى الحديقة حتى اصطدمت أبصارها بجدته حسنية تسير في ردهة المنزل الواسعة وما إن رأتها الأخرى حتى فتحت ذراعيها بفعل عفوي لتحمله عنها تهدهده متسائلة نحوها
بسم الله الحفيظ بسم الله عليك يا حبيبي ماله بس يا بنيتي
ردت ليلى تخبرها بملامح متعبة تفرد في ذراعيها وتحركهما
والله ما أعرف هو كل يوم كدة في نص الليل يصحى ياخد رضعته ينام أو يقعد شوية ويسهرني معاه حتى
لو صحي كذا مرة برضه بيرجع ينام إلا النهاردة بقاله ساعتين مطلع عيني صړاخ من غير سبب لما ختل دراعي قلت أطلع بيه الجنينة يمكن يطسه الهوا يسكره ينام عشان أريح أنا كمان وأخطف لي ساعتين ورايا جامعة بكرة.
طالعتها حسنية بإشفاق وقد لان الصغير معها قليلا وخف صراخه يستجيب لمداعباتها له ولمساتها الخبيرة كجدة لأحفادها وأم لأبنائها قبلهم
متشليش هم يا بنيتي وروحي نامي أنا هاخده معايا أوضتي يمكن عنده مغص ولا متنكد من لعبكم معاه إنتي وأمك وعمك حمزة اللي هيتجنن بيه دا كمان...
ضحكت ليلى لتضيف حسنية بسجيتها
طالعة معايا أنده عليه أصحيه خليه يتشندل بيه شوية...
لا يا أبوي دا ما هيصدق مش بعيد ياخده في العربية ويسوق بيه في البلد زي ما عملها قبل سابق.
تفوهت بها ليلى تسارع لمنعها برجائها حتى لو كان مجرد اقتراح لتوافقها حسنية وكأنها عادت لرشدها
أيوة صح دا أنا كنت ناسياها الجزين ده رغم إنه أكبر عيالي لكن في العقل أصغرهم في الحتة دي ما يعرفش يخبئ فرحته أبدا.
شردت ليلى بابتسامة تطالع صغيرها وقد غفى في حضڼ جدته لتعلق
وأهو صاحبنا دا كمان نام على سيرة عمه حبيبه أروح أنيمه في سريره بقى.
تمسكت حسنية بالصغير تمنعها
لاه روحي الساعتين دول وأنا هاخده على سريري أصلي ركعتين التهجد على ما يأذن الفجر أبقى أبعتهولك مع حد من الولد خليفة ولا حمزة.
حاولت ليلى الاعتراض حتى لا ترهقها إلا أن إصرار حسنية جعلها تنصاع لرغبتها وتصعد هي كي تستريح قليلا. وما إن شرعت بصعود الدرج بخطوتين حتى دوى هاتفها بصوت اتصال زوجها حبيبها لتجيبه على الفور باستغراب
ألو يا معاذ إنت سهران لحد دلوك ولا يكونش جايلك قلق زي حالاتنا أنا وولدك
قالتها بنبرة ضاحكة فأتى رده بصوت مثقل باحتياجه لها
ليلى أنا بحبك قوي وعايز أسمعها منك إن إنتي