لأجلها بقلم امل نصر


ذقنه بتفكير وروية قبل أن يسأل وينتقده بحرص 
طبعا يا حبيبي بس أنا كنت عايز أسألك يا سيد الرجال مش برضك كان لازم تبلغ أبوك ولا تاخد رأيه قبل ما تعزم أمك من نفسك طب كنت جولي عشان تيجي مني أحسن 
شرد ريان قليلا حتى تذكر ثم أجابه 
بس أنا ما دعتهاش من نفسي ولا جولتلها تعالي غير لما هي سألتني 
سأله حمزة بعدم فهم 
إزاي يعني وضح أكتر 
شرح له ريان 
يا بوي هي اللي سألتني في التليفون وهي بتكلمني عن العزومة اللي انت عاملها عازم مين ومين ولما جولتلها فلان وفلان زعلت وجالتلي يعني كل الناس معزومة إلا أنا 
جولتلها تعالي في حمايتي مش أنا ولدك برضو 
تصنع حمزة ابتسامة باهتة ليصرفه فذهب وتوقف هو مغمغما لنفسه 
يعني عزمت نفسها وكانت عارفة بميعاد العزومة يا ترى إيه وراكي يا روان 
في الردهة الواسعة للمنزل الجديد حيث المأدبة الفاخرة التي ارتصت عليها أشهى الأطعمة بمختلف أنواعها 
كانت تضم عددا لا بأس به من النساء المدعوات من العائلة من أبناء عمومته وشقيقاته وبناتهم ترأسها الحجة حسنية التي تطوف على الجميع وتراعي بمساعدة بناتها أو حفيداتها اللاتي لا يقصرن معها 
تشاركهن مزيونة التي أذعنت لتلبية الدعوة تحت الإلحاح لتضطر إلى تناول الطعام معهن 
مع أن وضعها طبيعي جدا بصفتها والدة ليلى ونسيبتهم كما يقولون إلا أنها كانت تشعر بالغربة وسطهن 
رغم ترحيب حسنية المبالغ فيه وبناتها في معاملتهن الخاصة لها ولابنتها 
أو ربما هذا ما كان يزيد الأمر سوءا عليها أمام تلك المرأة زوجة حمزة السابقة 
فقد كانت تحدجها بنظرات غير مريحة لا ترفع بصرها عنها إلا قليلا حتى وهي تلوك الطعام الآن 
منذ بداية حضورها وهي تتفحصها من حجاب رأسها في الأعلى حتى خف قدميها 
ليست غبية عن نظرتها الدونية لها وكأنها تقصد أن تشعرها بالنقص 
بذلك الفرق الشاسع بين واحدة ترتدي ملابس عادية جدا عبارة عن عباءة سوداء وحجاب سماوي ترتديه أحيانا حتى في المنزل 
وبين تلك التي تجلس بعظمة وهيئة ملوكية رغم بساطة الملابس الغالية أيضا 
امرأة راقية ومتعلمة وجميلة أيضا منطقيا لا توجد منافسة من الأساس 
إذن لماذا لا توفر جهدها ولا تزعجها أصلا 
فقد رحمها الله أن عرفت قدر نفسها من البداية حتى لا تعلقها بالأحلام 
كانت مكشوفة لدرجة لفتت انتباه ابنتها لتهمس لها بنزق 
هي مالها الست دي بتبصلك كده ليه طالعة معايا أحرجها جدام النسوان وأسألها 
شهقة أجفال كتمتها مزيونة داخلها لتوجه الأمر نحو ابنتها التي أصبحت تبادل روان النظر بعدائية 
اجفلي خشمك يا زفتة وشيلك عنها مش عايزين حد ياخد باله من الحريم ولا البنتة 
بتحد أحمق عارضتها ليلى 
مش لما تشيل عينيها هي الأول وتحط همها في الطبق اللي جدامها 
هذا أكبر من تحملها ابنتها تدفعها عفويتها للتهور الذي قد تدفع ثمنه بفضائح هي في غنى عنها 
لم يسعفها سوى نظرة حازمة محذرة أخرست ليلى وجعلتها تصرف نفسها عن مواجهة تلك المرأة 
لتضع همها مجبرة في الطعام غافلتين عن مراقبة ثاقبة من إحداهن بأعين متوعدة مترقبة 
داخل غرفتها وكانت منكفئة على مجموعة من الكتب تعمل على تحضير جدول الغد من دروس المواد التي تدرسها لم تنتبه لدخول شقيقتها إلا عندما وضعت أمامها كوبا كبيرا من العصير الطازج فرفعت رأسها إليها بامتنان 
وه رغد هانم بحالها عاملة العصير وجايباهولي عندي دا إيه الهنا دا يا ولاد 
تبسمت لها المذكورة تعقب بطريقتها الصعبة في النطق بعض الشيء 
وو وهو يعني رغد عندها أأأغلى ممنك يعني يا ست اعتماد 
نفت الأخيرة بهز رأسها ونظرة حانية نحو شقيقتها الجميلة الرقيقة أصغرهم فقد أصيبت رغد بمرض ما وهي طفلة ولم تتمكن من العلاج منه لظروف الفقر الشديد حتى أثر على جهاز النطق لديها 
وظلت لفترة طويلة لا تتحدث إلا بالإشارة ولكن فور أن تمكنت اعتماد من الحصول على المال فعلت أقصى جهدها من أجل علاجها في رحلة طويلة انتهت إلى تلك النتيجة كانت تريد لها المزيد لكنها تحمد الله على ما تحقق 
ولا اعتماد عندها أغلى من رغد انتي عيني من جوا يا حبيبتي 
وو روووضة اننتي دايما ككنت بتجولي كده 
زفرت اعتماد بيأس تعلق على قولها 
أنا فعلا طول عمري بقول كده بس أختك تعبتني جوي وشكلي مش هتستريح غير لما تجيب أجلي 
بببعد الشړ عليكي رووضة طيبة ببس مشكلتها جوزها عفش 
ردت اعتماد بابتسامة ساخرة 
عادي يا حبيبتي ما كل الرجالة عفشين الرك على الحرمة نفسها 
واختك بهبلها هي اللي بتعشم الصايع جوزها في استغلالها 
والله لو تملك نص عجلك بس لكانت ريحتني 
ضحكت رغد ليشرق وجهها الجميل بمرح تعشقه شقيقتها الكبرى بل وتعتبر ابتسامتها وضحكتها بمثابة جائزة لها في عز لحظاتها يأسا ببراءتها تشعر أن الدنيا ما زالت بخير 
صحيح تلييفووونك فييينه 
تنهدت تجيبها بغيظ 
باظ يا
حبيبتي خد نصيبه وراح 
صمتت تتذكر من تسبب في إعطاله لتضغط على شفتها بحنق شديد كلما أتى بعقلها عرضه عليها هاتفا جديدا من أحدث صيحة ثم ومن دون كلام رفعه عنها قبل أن يسمع الرد بصورة أقوى 
مغرور وجليل ذوق وشايف نفسه عشان ما هو حلو حبتين 
انتهى الغداء الكارثي لها في ظل أجواء من التوتر لم تشهدها من قبل 
كم ودت أن تترك كل شيء وتهرول على الفور إلى منزلها 
ولكن الحجة حسنية التي أصرت عليها للمجيء هي نفسها من أجبرتها بلطفها الشديد على أن تنتظر معهن وتشاهد جلسة المديح من شيخ البلدة 
بعد أن أنهى تلاوة القرآن لتحصين المنزل الجديد وزرع البركة به 
من خلف الباب الداخلي لساحة الضيافة التي أعدها حمزة جلست النساء 
ووقف بعضهن يتابعن الصوت العذب الذي يشدو بأجمل القصائد وخلفه يردد الحاضرون من رجال في الخارج ونساء في الداخل 
باندماج يثير الإعجاب ويريح النفوس الشاردة لأن تفصل عن واقعها هذه اللحظات حتى تمر دون شعور بالوقت 
قمر سيدنا النبي قمر 
حين توقف الرجل عن الإنشاد برهة انتبهت تكتفي من الجلسة والمشاركة وقد فعلت ما عليها 
تخاطب ابنتها هامسة 
بت يا ليلى أنا رايحة بيتي هتاجي معاي على ما الليلة تخلص وجوزك ياجي ياخدك 
ردت ليلى بلهفة 
لا أنا عايزة أدخل الحمام الأول بجالي مدة طويلة عايزة أجوم ومكسوفة أستأذن البيت ما شاء الله كبير وأنا مش عارفة فيه حاجة 
وساكتة ومجولتيش آخدك أنا على بيتي يا موكوسة 
تمتمت بها توبخ ابنتها وهي تهم بالنهوض مما جعلها تلفت انتباه منى الجالسة بجوارها 
فعلقت بطرافتها كالعادة 
ما تثبتي يا ولية وبطلي فرك على ما نخلص الليلة مع بعض هو إحنا كل شوية هنقولك اجعدي 
ضحكت مزيونة وردت بحرج 
يا ستي انتي بلاش ظلمك ده بنيتي عايزة تدخل الحمام هاخدها على بيتي ورجعالكم تاني 
تسحبيها على بيتك عشان تدخل الحمام يا مچنونة وهنا إيه مفيش جومي يا بت تعالي 
قالتها منى لتنهض تجذب ليلى من يدها ذاهبة بها وتبعتهما مزيونة حتى توقفت في منتصف الطريق تنبههما 
أنا هستناكم هنا طيب 
وافقتها منى بحماس 
تمام استنينا عشان نرجع وناخد جعدتنا مع بعض بعيد عن الحريم الفقر 
تبسمت مزيونة لمقترحها لتتوقف متحولة بنظرة خاطفة داخل أرجاء المنزل الفخم 
بعد أن خلى تقريبا من الأفراد لاجتماعهم عند دار الضيافة والاستمتاع بالمديح 
انتبهت إلى قنينة المياه الموضوعة على الطاولة التي تتوسط المساحة الشاسعة 
لتشعر برغبتها في الارتشاف منها فاقتربت لتضع منها في كوب وتشرب 
في نفس الوقت كان شخص آخر قد دلف إلى المنزل فوقعت أبصاره عليها 
ليتجمد في مكانه وقد ارتجف قلبه داخل صدره برؤيتها وحدها تحتل المساحة الشاسعة دون مشاركة من أحد 
نعم فهو منزلها وهي سيدة
الدار حتى وإن كانت تجهل هذه الصفة حتى الآن 
وكأنه عاد إلى أيام الصبا واندفاع المراهقة 
تحركت أقدامه دون تفكير نحوها يلتقط فرصته في الحديث معها 
مجولتيش رأيك إيه في البيت 
شهقة أجفال صدرت منها بصوت عال حتى سقط منها كوب الماء بما يحتويه على الأرض 
بعد أن فاجأها بحضوره وقوله لتستدرك سريعا متوجهة إليه بنظرة ڼارية 
ويدها لوحت إليه باستفهام لاهث فالتقطها بفطنته يعلق بمرح 
سلامتك من الخضة أنا كان جصدي أسألك بس مش أخلعك 
ألقت نظرة سريعة إلى الخارج بتوتر ثم عادت إليه موبخة 
وفرجت إيه انت أصلا إيه اللي جايبك هنا سايب كل اللمة اللي برا وجاي لي أنا 
رد يتحفها بابتسامة عابثة غير مكترث 
وأسيب العالم كله كمان وأجيلك يهمني أعرف رأيك رأيك أهم عندي من الكل 
ېخرب مطنك 
تمتمت بها تغمض عينيها بتعب ثم أردفت 
يا سيدي هو انت طلعتلي منين مالي أنا ولا انت مالك بيا عشان يهمك رأيي دا بيتك وانت حر فيه عملته قصر ولا عشة أنا إيه دخلي 
التمعت عينيه ببريق خاطف تتجلى فيهما الإجابة بكل وضوح حتى دون أن ينطقها يراوغها بمكر 
وه ولما انتي إيه دخلك أمال مين اللي له دخل هو البيت اتبنى هنا ليه أصلا 
تلك السهولة التي تحدث بها وعيناه تنطقان بما لا يدع مجالا للشك في صدقه 
لتتجمد في مكانها كالتمثال تعاد الكلمات بذهنها مرارا وتكرارا والمعنى يتجلى أمامها بوضوح الشمس 
حتى تمكنت من الرد أخيرا بتلعثم وهروب 
كنك شارب وجاي تستظرف سيبهولك خالص البيت اللي انت فرحان بيه ده 
كادت أن تلتف وتذهب ولكنها وجدته يتصدر أمامها بابتهاج يغمر قلبه 
هروبها المتعمد وارتباكها الملحوظ أمامه الآن كل تلك المظاهر تؤكد تأثيره الطاغي عليها حتى وإن أنكرت 
انت بتتصدر جدامي زي العيال الصغيرين زودتها جوي قسما بالله لو ما اتزحزحت من جدامي لأفضحك وأجلبها ليلة طين 
ضحك بعدم اكتراث بكل ما أردفت به مرددا 
بعد الشړ ما تبجى طين ولا زفت إن شاء الله هتبجى فل وآخر تمام البيت كمل واتبنى ومعدتش فاضل كتير 
ختم بتنهيدة ساخنة قبل أن يتحرك ويتركها 
هااانت هاااانت 
توقفت في أثره تتبع خروجه واختفاءه من أمامها 
بدوار بات يطيح برأسها وأقدام لا تقوى على حملها وكأن الأرض ذاتها تهتز من تحتها 
وما عادت ثابتة كما عهدتها دائما 
ماذا تبقى ليطلبها صريحة وإن فعل ماذا سيكون ردها 
ما شاء الله دا الحلوة عايشة في الدور على آخره كمان 
ذلك الصوت الأنثوي الذي أتى من البعيد أعادها إلى عالمها الحقيقي 
فتحت عينيها جيدا نحو تلك المرأة التي تتربص بها منذ حضورها 
تقف مقابلها تماما تطلق شررا من ناريتها قادرا على حړق من يقف أمامها 
تحدثت مزيونة بتشتت بالكاد تستوعب ما يحدث 
فيه إيه انتي بتكلميني أنا 
أمال يعني بكلم خيالك ياختي 
صدرت منها كرد
يصعق مزيونة بجرأتها وقد تحولت إلى امرأة أخرى 
تنزع عنها ثوب الرقي الذي تتحلى به أمام الجميع 
مستغلة غياب المدعوين يساعدها الصوت العالي للمديح الذي أصبح يصدح بقوة 
مع مشاركة الرجال لتفرغ بحرية شحنة الڠضب المكبوتة في صدرها 
فكراني عامية ولا مغفلة على عمايلك المكشوفة مع أبو ابني 
بتلفي وتدوري حواليه زي الحية 
وكأنها في كابوس حقيقي تكذب أذنيها وعينيها ما تسمعه أو تراه 
وعقلها يأمرها بالشجاعة والثبات أمام تلك المخلوقة 
انتي مرة جليلة أدب ومش محترمة وأنا لولا عاملة احترام للبيت اللي واقفة فيه وناسه كنت عرفتك مجامك 
تعرفي مين مقام مين