لأجلها بقلم امل نصر


حتى لو وصل بيه إنه يوقفلي ورقي الحمد لله مستورة وعندي اللي يكفيني من نصيبي في الأرض اللي انباعت زمان ولا الحوجة ليه دا كمان.
عقب هو على قولها بعصبية
طب خليه يتجرأ ويعملها عشان أقطع عيشه منها.
بسط وصفي يحاول امتصاص ڠضب الاثنين
يا إخوانا عمرها ما توصل لكده إن شاء الله. معاش أبوكي دا حقك يا مزيونة وسيبك من قرشين البنك دول لتعليم ليلى. كفاية اللي صرفتيه الأيام اللي فاتت ما إحنا بنرفضوا كل يوم هتيجي على معاطي ونشيل همه.
يا ليته ما تلفظ بالأخيرة فقد أعاده وبقوة إلى
تلك الهواجس التي يتهرب منها منذ طلاقها. لا يزعجه أمر موافقتها من عدمه بقدر ما ېحرق صدره نظرة الرجال لها وأطماعهم بها. يريد أن يعلنها للجميع أنها تخصه وليست متاحة للارتباط كما يظنون حتى لا يتجرأ أحد بالتفكير بها. ولكن كيف السبيل إلى ذلك ورأسها لن يتقبل الفكرة من الأساس إنها حتى لا تراه ليشغل نفسه بأمر أن يصلها إحساسه.
تحمحم بصوت خشن من أعلى الدرج ليعلمها بوجوده بعد أن استيقظ من غفوته التي استغرقت ساعتين ليجدها ما زالت في الأسفل. هبط الدرج بثقل متعمد في خطواته وبطء يقارب الرتابة حتى إذا لمست قدماه أرضية الطابق الأرضي كانت هي في استقباله بعد أن نظفت شقة مزيونة كما أمرها. ولمزيد من الإذلال لابد أن يسمعها منها
ها خلصتي تنظيف ولا لسة محتاجة وقت
أجابته بابتسامة صفراء
لع اطمن أنا غسلتها وعقمتها بالديتول ورشيت لها المعطر وكأنها شقة عروسة جديدة دا غير إني غيرت الملايات. يعني لو ليك غاية تردها من عشية هتلاجيها جاهزة.
حسنا لقد أجادت توجيه ضړبتها إليه لتنزع عنه نشوة الانتصار وتضعه أمام نفسه في خانة العجز عن فعل هذا الأمر. ليعقب كازا على أسنانه بحنق شديد
ماشي يا ختي كتر خيرك انجلبي يلا على فوق وجهزيلي اتغدا وإياك تقولي ملحقتش.
انتفضت فجأة تزيد من تصنعها
لا طبعا إزاي تجول كده دا أنا أسوهولك على رموش عنيا يا غالي. كل الوكل اللي انت عايزه هيجهز على الصينية حالا.
أشار بكفه كي تختفي من أمامه وتذهب وقد ضاق ذرعا منها بعد أن عكرت صفو مزاجه ببرودها. تحرك خطوتين حتى أطل برأسه داخل شقة مزيونة ليتأكد من صحة ما أخبرته به بل وأكثر فقد نظفتها وعطرتها بالفعل. هم أن يدلف داخلها ليستكشف باقي الغرف ولكن منعه صوت أحدهم في الخارج ينادي باسمه قبل أن يلج إليه مهللا
عرفان يا صاحبي كفارة انت طلعت إمتى يا راجل
تبسم المذكور فاتحا له ذراعيه
الله يسلمك يا عطوة دا انت اللي واحشني يا راجل.
في منزل حماد القناوي وقد اجتمعت العائلة بأكملها على طاولة السفرة في اليوم الأسبوعي الذي تخصصه حسنية لحضور الجميع بناتها وأزواجهم وأطفالهم لتناول الطعام معها ومع أفراد المنزل. غاب عنها أكبر الأبناء وأصغرهم حمزة ومعاذ ولكن هالة وأطفالها تقوم بواجبها وأكثر في الظهور وفرض نفسها بأنها العضو الأهم في المنزل.
كل نايبك يا واد يا آدم عشان تكبر وانتي يا ريان يا أم ياسين قربي اللحمة لجوز أختك أصله ما بيحبش الفراخ.
قالتها بإشارة نحو منصور زوج منى التي ضجرت منها ومن تصنعها لتتدخل قائلة
خلاص يا حبيبتي جوزي أصله مالوش لا في دي ولا في دي وكله خفيف في الاتنين. اجعدي على حيلك وحطي اللقمة في حنكك بدل الحديت كفاية صوت المعالق ولعب العيال.
بسخرية ماكرة استطاعت أن تربكها عن الجدال فتبسمت تحاول حفظ ماء وجهها برد ساخر هي الأخرى
لا لحمة ولا فراخ! أمال مقضيها خضار وبس
جاء رد منى ليخرسها تماما
فسفور سمك وفسفور.
فغرت فاها بذهول وقد تسرب داخلها شك حول المعنى المبطن خلف عبارتها فجاءت الإجابة بكل وضوح من منصور الذي سعل بضحك مكتوم مطأطئا رأسه بخجل من باقي المجموعة رغم ابتسامتهم هم أيضا إلا منى التي كانت تأكل بثبات وبراءة وكأنها لم تفعل شيئا لتضاعف من حنقها منها. تلك المحبوبة من الجميع حتى من زوجها منصور العاقل الوسيم الوقور أمام الجميع إلا معها. ليتها تملك نصف حظها.
حمزة يا ولدي انت جيتتعالي
كان هذا صوت حسنية بعد أن وقعت أبصارها عليه عائدا من الخارج يلفت انتباه الجميع إليه ليجبر نفسه على رفع كفه نحوهم بالتحية والترحيب بكل فرد منهم باسمه قبل أن يستأذن ويتركهم رافضا الدعوات بمشاركته الطعام معهما بحجة عدم شهيته بابتسامات مڠتصبة لا تخفى على قلب والدته ولا عن شقيقته منى التي تعلم سر حزنه.
زي ما بقولك كده يا صاحبي أنا قاعد كافي خيري شړي لكني مش نايم على وداني. الكلام كتير وأنا بشوف بعيني. الراجل اللي اسمه حمزة ده دخل حتى في زواريق أخوها. أني مش فاهم بصراحة غرضه إيه ومن إمتى كان يعرفهم من أصله عشان يتقرب منهم كده
هكذا كان يبث سمومه في أذن هذا الأحمق والذي من المفترض أنه صديقه ولكن حقد النفس يعمي صاحبها عن الحقيقة حتى لو كانت بوضوح الشمس.
أمم... وإيه تاني كمان قول يا صاحبي أنا مش هكدبك. اللي يرميني في السچن الرمية دي ويسلط عليا الحكومة تنخور في الجديد والجديم حتى شريكي طفش مني لما اتضر هو كمان. بس وأنا ورحمة الغاليين ما هسيبه. لكن اللي عايز أعرفه دلوك وصفي إيه دوره عامل نفسه دكر عليا أني بس
تبسم عطوة بخبث يردد من خلفه
ما أنت جولت بنفسك دكر عليك أنت وبس أكيد هو كمان لاقي مصلحته. لكن إنت هتسكت
زفر مخرجا دفعة كبيرة من الهواء المشبع بهيج النيران التي تسري بداخله
أمال عايزني أعمل إيه وأنا متكتف يدين ورجلين بعد ما بجيت تحت عنين الحكومة على أي غلطة ممكن تعكشني. لكني برضو مش هسكت. مستني الدنيا تهدى شوية وأروح للشيخ خميس...
ونستنى ليه يا عمنا ولا تروح للشيخ خميس وانت عارف من الأول إنها مصدجت ونقبك هيطلع على شونة. اضرب ضربتك قبل الواد ده ما يسبجك وأنا معاك وفي ضهرك.
حدق به عرفان يريد أن يصل إلى ما يرنو إليه بحديثه. فواصل عطوة الشرح بصوت خفيض كوسوسة الشيطان الذي يدفع الإنسان للخطيئة ثم يتبرأ منه
أنا جصدي إن كانوا كتفوك بالتعهد بعدم التعرض جدام الناس اخلص من الراجل ده اللي واقفلك زي اللجمة في الزور
وساعتها مرتك و أخوها هيبقوا في يدك بعد ما يغور ده اللي مستجوين بيه.
هكذا صار يبسط الأمر أمامه ويدعمه وكأن القضية قضيته مستغلا عنجهية الآخر وغباءه عن فهم ما يدور برأسه. ومع ذلك فاجأه بالرد
طب والله فكرة زينة. نفذ يا عطوة وأنا أديك اللي انت عاوزه بدل ما ندخل حد غريب ويفضح أسرارنا وأنت خبرة ومش جديد عليك.
انتفض المذكور وقد أجفله بعرضه يردد برفض تام
وه! أنفذ كيف الله ېخرب مطنك الشغل ده أنا بطلته من زمان من ساعة ما توبت. شوفلك حد غيري يا حبيبي شوفلك حد غيري.
وهكذا أخرج نفسه من الحسبة ولكن رأسه اتجهت لشيء آخر بعد أن ذكره بمهنته القديمة... لماذا لا يستغلها لمصلحته الآن
ثلاثة أشهر مرت عليها في ترتيب المنزل بإمكانياته المحدودة ليصبح في النهاية جنتها الصغيرة. وقد اكتمل من معظم الأساسيات المطلوبة حتى الأجهزة الكهربائية استطاعت توفير الضروري منها فاشترت ثلاجة بالتقسيط وحصلت على التلفاز من شقيقها كهدية. وجدت فيه تسليتها وقت الفراغ خاصة حين تنشغل ابنتها عنها في استذكار دروسها كما كان يحدث الآن قبل أن تأتي إليها المذكورة داخل غرفة نومها حاملة طبقا تأكل منه.
أنا خلصت مذاكرة بدري النهاردة قولت أجي أكمل الفيلم معاكي. دخليني جنبك يا مزيونة
قالتها ليلى وهي تصعد إلى السرير لتحشر نفسها معها تحت الغطاء حتى تناثرت من الطبق عدة ثمرات فوقه لتلفت أنظار والدتها التي علقت مبتسمة
يا ما شاء الله جيبتي منين التين الحلو ده
تبسمت ليلى وقدمت الطبق إليها لتتناول منه هي الأخرى
من شجرتنا يا أمة هو إنتي غريبة عنه
وضعت مزيونة إحدى الثمرات في فمها تلوكها وهي تستلذ بالطعم قائلة
لا يا ست الحلوين طبعا عارفاه. أنا بس مستغربة جبتيهم كيف! الشجرة تقريبا محلوبة كل اللي رايح واللي جاي ياخد منيها دا حتى بيجطفوه أخضر. ومحدش بيصبر على التينة لما تطيب زين إلا الفروع العالية دي محدش بيوصلها واصل. لا تكوني ركبتي الشجرة يا جزينة
قهقهت ليلى نافية وهي تهز رأسها
لا يا أمة ما وصلتش للدرجادي. إينعم أنا شقية بس معدتش صغيرة على طلوع الشجر.
أمال جبتيها منين
ابتعلت ليلى محاولة إخفاء توترها واختلقت قصة سريعة للإجابة
بجريدة نخل سحبتها معايا وأنا جاية من الدرس بجيت أرفعها لأعلى فرع وأنزل بيها أحلى واحدة أنمر عليها.
قطبت مزيونة حاجبيها تستوعب الفكرة والتي لم تروق لها كثيرا فاكتفت بتوجيه النصح
طب ياريت متكرريهاش تاني. مش مستاهلة شندلة وتعب على شوية تين طازة. لو عايزة أبقى أشتريلك.
أومأت ليلى رأسها بطاعة ثم رفعت إليها الطبق مرة أخرى لتجعلها تشاركها في تناوله أمام التلفاز حيث كانا يشاهدان فيلما عربيا قديما. لم يكن الفيلم يروق لليلى كثيرا لكنه يعجب والدتها التي تندمج في أحداثه. كانت تعلم أن مشاهدة الأفلام الرومانسية هي متعتها الوحيدة بعدما حرمت منها كما سړقت منها أحلام الفتيات العادية في سن المراهقة السن الذي لم تمر به أصلا بتحملها مسؤولية الزواج المبكر.
انتظرت خروج الجميع وذهابهم إلى منازلهم حتى تخرج إليه داخل الحديقة التي التزم الجلوس بها ومراقبة الخيل الصغيرة وهي تأكل أمامه وقد غفا طفله على الأريكة الخشبية بجواره وظل هو لوحدته وهمومه كما يبدو أمامها.
اللي واخد عقلك تفوهت بها بمشاكسة لتلفت انتباهه إليها فتبسم ونهض عن مقعده لاستقبالها
يعني هيكون إيه بس يا حاجة حسنية هو إحنا معانا غير الشغل اجعدي بس الأول.
تحدثت بعد أن أجلسها بجواره
والله اسأل نفسك ولا بص في المراية وانت تعرف أكيد اللي شاغلك أكبر من أي هموم ولا أي شغل.
طالعها باستفسار فتابعت تفصح عما يشغلها
بصراحة يا ولدي أنا خاېفة من حاجة كده ومش عارفة أوصلهالك إزاي
حثها أن توضح أكثر
جولي يا أمة إنت هتتكسفي مني دا انتي الحجة حسنية!
تشجعت تجيبه هذه المرة
أنا سمعت إنك كنت سايق العربية النهارده ومعاك مزيونة وأخوها الولية مطلجة وأنا أخاف لحد يشوف كده ويظن يعني...
يظن إيه يا أمي صدرت منه بمقاطعة وانفعال تخلل كلماته مردفا
انتي بنفسك شوفتي الست المحترمة هي وأخوها. انتي عارفة زين باللي مرت بيه منبقاش إحنا والزمن عليها! ولا انتي هتخلي هالة تنخور في دماغك
وه يا ولدي وإيه
اللي جاب سيرة هالة دلوك
عشان عارفاها يا أمي وعارفة حشيريتها في كل كبيرة وصغيرة.
توقفت برهة تمتص غضبه وقد بدا أمامها كعود ثقاب قابل للاشتعال وهي تريد