لأجلها بقلم امل نصر


بأنفاس متصاعدة ينتفض من فرط غضبه واستنكاره
مرفضتيش عرضه ليه وخلصتي يا مزيونة بتديله فرصة عشان يتعشم تاني لييييه يا مزيونة!
ېصرخ وكأن الأمر هين عليها ولا يدري أن قلبها الذي ذبل من الحزن لم تعد به إرادة على المقاومة والرفض بقوة كما تريد أو السماح للضوء الوليد أن يتسلل إليها كي يعيد فيها الحياة من جديد فيزهر فيها ما يوشك على المۏت...
هرجع وأقولهالك من تاني برضه... ده شيء ما يخصكش. عرفان في الأول وفي الآخر يبقى والد بنتي ودي جلسة كبار قدم اعتذاره ليا جدامهم وبعدها ساب في يدي الأمر ما عرضش عرض.
تتحدث وهي تتهرب بعينيها عنه لا تجرؤ حتى على مواجهته. يبدو أن اليأس مما يحدث من مؤامرات حولها قد أضعف عزيمتها هذه المرة ويوشك على هزيمتها... وهو أبدا لن يسمح بذلك حتى لو اضطر لإجبارها...
ماشي يا مزيونة اللي خلاكي توقري الكبار وتسمعي للمحروس رغم عيبته... يبجى تسمعيلي أنا كمان وتفهمي كويس اللي هقوله عشان أنا هجيب الناهية واللي مفيش منها رجوع.
هو إيه اللي مفيش منه رجوع
إنك تتجوزيني يا مزيونة.
نعم!
نعم الله عليكي زي ما سمعتي كده أنا طالبك تتجوزيني أنا. إيه جولت حاجة عيب مثلا ولا المحروس اللي طالب يردك عايز يحطك عنده أباجورة تنوري
البيت
وكأنها لم تع مطلبه إلا مؤخرا برقت عيناها باتساع تبصره بتساؤل يعصف بها هل ما وصل لأسماعها كان حقيقة أم هو سوء فهم حل بعقلها المشتت بكثرة المصائب التي تحاوطها من كل جانب لكن الإجابة كانت واضحة وليس بها أي لبس بتلك النظرة التي يرمقها بها الآن.
إنت اټجننت! عايزني أنا أتجوز ومين! أتجوزك إنت! كييييف!
كانت تلك صړخة الاعتراض التي صدرت منها كرد على ما تفوه به من تخريف كما تصنفه لتواجه بشرار عينيه التي اشتعلت كجمرة من قعر الچحيم
ومالك بتجوليها كده واكني بكلمك عن حاجة متصحش ولا غريبة ده شرع ربنا يعني يا ست مزيونة لا حاجة عيب ولا حرام!
يا مري! وكمان بتأكدها!
تمتمت بها لاطمة بكفيها وجنتيها تواصل رفضها علها تردع هذا الرجل عن جنونه
إنت واعي لنفسك عايزني أتجوزك وأنا بتي حبلى وعلى مولاد مين يعجلها دي! طب عرفان لو ردني أهو برضه في الآخر يبجى أبو بتي ومحدش هيجيب عليا لومة إنما جواز تاني وراجل تاني... كيف!
ضاقت عيناه وبنظرة فهمت مغزاها جيدا تحدث يصعقها بجرأته
الكلام ده خليه لواحدة غيرك يا مزيونة. واحدة ما عليهاش طمع وعيون الرجالة مرجباها منين ما تروح ولا ألسنة الحريم اللي بتألف عنها قصص وحكايات في أي خطوة تخطيها برا بيتها. ثم كمان لا أنا كبرت ولا إنتي. أنا راجل ما جفلتش الأربعين وإنتي حتى التلاتة وتلاتين ماكملتيهاش يبقى إيه اللي يمنع
اللي يمنع أناااا! لا ليا نية في جواز ولا عندي نفس تتحمل أي راجل وحتى لو حصل... مش هيبقى إنت!
صړخت بها هذه المرة لتقطع الطريق نحو أي جدال آخر لتفاجأ بفعله ضاربا بقبضته القفص الخشبي المعلق بجوارها على الحائط الطيني فيتحطم أسفله يجفلها وهو يقول بحزم
طب اسمعي بقى يا مزيونة... آخر الحديت ملكيش طريق ولا سكة تانية عشان تدخلي البيت عندنا غير بجوازك مني. يا إما بقى هتتحرمي من شوفة بتك ولا تنتظري لما تقدر وتجيلك برجليها تزورك في البيت الحلو ده. ودي فيها على الأجل سنة! يعني ما ترجعيش تشتكي بعد كده إننا عطلناها عن تعليمها ولا مرعيناهاش زين في حملها...
أنا كده عملت اللي عليا.
قال الأخيرة وتحركت أقدامه مغادرا ببساطة كما دلف ببساطة لتسقط هي بجسدها على الأرض القاسېة تحدث نفسها باڼهيار
يا مرك يا مزيونة... عالنصيبة اللي وجعتي نفسك فيها إنتي وبتك! هلاجيها منين ولا منين بس يا ربي! هلاقيها منين
يعني ما خلصتش لسه من عرفان عشان تطلعلي إنت يا حمزة! ليه بس ليه بس...
.......................
لم يغادر لأقصي من عتبتها. ظل واقفا خارج المنزل يستمع لنحيبها بقلب ېتمزق لكنها لم تترك له فرصة.
عقلها المشتت بما يحدث من مؤامرات حولها والمنغلق على عقدها القديمة يمنعها من كل تفكير سليم. فحين يقدم الإنسان على الاڼتحار إن لم يجد يدا قوية تمنعه سوف يفعل ويلقى مۏته... ولا عزاء للندم بعد ذلك.
فلتكرهه كما تشاء الآن لقد حسم أمره.
لن يتركها. ولن يتنازل عنها أبدا.
ولو اضطر للمواجهة والتحدي مع الجميع... حتى معها هي.
والنصر حليفه في النهاية.
وهو واثق من ذلك.
... يتبع
الفصل الثلاثون
لا تجاهد الأمور حد الانكسار... بعض الفصول خلقت لنقرأها صامتين نسلم فيها للقدر زمام الحكاية وننصت لقلبنا حين يهمس دعها تمضي كما شاءت.
فما ضاع من بين يديك لم يكن لك
وما بقي رغم العواصف هو قدرك وإن تأخر.
ثقي أن ما ترتبه السماء لا يخذل أحدا
فكل تأخير يحمل معه عناية
وكل ألم يمهد لفرح لم تحلم به بعد. 
الخاطرة الروعة والمراجعة من الرائعة سنا الفردوس
الفصل الثلاثون
ضاقت بها الحياة وكل شيء أنهكها التعب والتفكير حتى وجدت نفسها فور أن استيقظت من نومها صباحا بعد ليلة طويلة من السهر والسهاد تلملم أشيائها وتتخذ طريقها إلى الجهة الوحيدة التي تجد فيها راحتها أن تتلمس أثر الأحباب بزيارة قبور من رحلوا وتركوها في منتصف الطريق قبل أن تشتد عظامها وتصبح جاهزة للمقاومة.
هو بالقرب من القپر الذي يجمع والدها ووالدتها كما عاشا على ظهر الحياة معا جمعهما المۏت أيضا.
والدتها التي فقدتها بعد زواجها من عرفان بأربع سنوات تقريبا في عز ضعفها ومرضها تركتها ټصارع الحياة وحدها طفلة في السابعة عشرة من عمرها تحمل على يدها طفلة ينهكها المړض وزواج لا تحتمله وزوج لا تطيقه.
ليتحمل والدها بعدها الذنب وحده فجاهد حتى وضعها على أرض مستقرة بعض الشيء قبل أن يتبع زوجته هو الآخر ويرحل بعدها بثلاث سنوات فتدير دفة مركبها بابنتها وحدها. متزوجة فقط بالاسم لتحمي نفسها من ألسنة البشر وأفعالهم. تكافح للوصول بها إلى مرسى آمن ولكن طالت المسافة وطال المشوار ونال منها الأڈى النفسي والجسدي ونفدت طاقتها تريد الراحة ولا تجدها وإن داعبها الأمل بشيء جميل صدمها الواقع بعدها.
أضاء هاتفها فجأة بنغمة خاڤتة لوصول رسالة ما إليه. فتحته لترى من المرسل لتتفاجأ بهذا المتغطرس يبعث لها النص الآتي 
لولا عارف إن الواد حازم معاكي ما كنت هسمح أبدا إنك تروحي القرافة من غيري. 
ووه!
تمتمت بها لتترك النظر في شاشة الهاتف وتردف بغيظ شديد 
دا كانه اټجنن صح
إنتي بتكلميني يا عمتي
رفعت مزيونة رأسها نحو ابن شقيقها الذي كان منشغلا بسقي النباتات المزروعة حول القپر فنفت له فورا 
لاه يا حبيبي منحرمش يا رب... كمل سقيهم يا حازم خصوصا الصبارة ارويها وراعيها زين حكم دي بتتحمل كتير... كتير جوي.
اهتزاز مكتوم بالقرب من مسامعها يستمر ويستمر بصورة مزعجة حتى امتدت يدها تفعل ما اعتادت عليه فتمر أسفل الوسادة التي تنام عليها تتناول الهاتف وتضعه على أذنها لتجيب بصوت ناعس وبدون تركيز 
ألو مين معايا
لم يأتيها الرد على الفور وقد ألجمت الدهشة الطرف الآخر مجفلا بتلك النبرة الأنثوية الغريبة عنه.
إنتي مين
سؤاله البسيط أشعل تحفزها المعروف لترفع رأسها بوعي بدأت تستعيده 
نعم حضرتك بتتصل على حد مش عارفه
نبرتها الحادة فقط هي من جعلته يتحقق من هويتها بعد أن غلبه الظن بأن ذاك الصوت الناعم الناعس الذي وصله عبر الأثير لواحدة غيرها فتبسم بتسلية يجيبها 
لا خلاص يا أبلة اعتماد عرفتك. سامحيني شكل السواقة شتت تركيزي.
حسنا لقد استعادت وعيها بالكامل الآن لتعتدل جالسة بجذعها وقد علمت بهوية محدثها 
خليفة القناوي! نعم يا فندم في حاجة
لم يصلها منه إلا الصمت مما جعلها تردف ملطفة بعض الشيء 
حضرتك أنا بس مستغربة اتصالك بيا والوقت بدري جوي كده
شعرت بضحكة تخللت نبرته وكأنها قالت مزحة رغم تقريعها المباشر له 
للمرة التانية هتأسفلك يا أبلة بس أنا فعلا والله مضطر. حضرتك واخدة تليفوني من امبارح ودا شغلي وحالي ومالي كله عليه...
برقت فجأة تستدرك حماقتها حين وعت على الهاتف الغريب عنها حتى في ملمسه تسب نفسها بكل الشتائم.
هذا الهاتف الذي غفلت عنه في حقيبتها اليدوية حتى لم تكتشف وجوده إلا مساء حين بحثت بها ليلا تخرج منها نوتة التذكير التي تدون بها كل شئ مهم تود القيام به في اليوم التالي فور أن تضع رأسها على الوسادة كي تنام لتتفاجأ به.
كم تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها 
حضرتك أنا ما خدتش بالي إنه في الشنطة أصلا غير على الساعة أتنين بالليل لما فتحتها بالصدفة ساعتها كنت عايزة أتصل مقدرتش عشان معرفش الباسورد دا غير إني ماكنش عندي فرصة أبعت حد يوصلهولك على البيت والساعة كانت داخلة على اتنين الصبح.
خلاص يا أبلة اعتماد مفيش داعي للتبرير دا كله حصل خير.
ماشي بس إنت برضو كان لازم تتصل يوم بحاله ماتسألش على تليفونك
ما أنا اتصلت والله ياجي سبعين مرة وإنتي برضو ما رديتيش حتى بصي كده على سجل الهاتف...
ضړبت بكفها على جبهتها بخزي شديد وهي ترى بالفعل صدقه من العدد المهول للاتصالات علي الشاشة بأرقام عدة لتغمغم بالسباب مرة أخرى حتى وصلت إليه همهمة غير مفهومة فسارع يخفف عنها 
خلاص يا أبلة اعتماد حصل خير زي ما بجولك أنا كمان كان لازم أبعت حد ياخده بس الحقيقة إني من امبارح برا البلد كل اللي طالبه منك دلوك تبعتيلي ملف من عندك محتاجه جدا.
توترها الشديد جعلها ترد بفظاظة وكأنها تهاجمه 
ملف إيه بالظبط ما سمعتش توي بجولك إيه أنا معرفش كلمة السر بتاعة حضرتك عشان أفتحه.
لا حول ولا قوة إلا بالله يا ستي عارف والله عارف... اكتبي عندك وأنا همليكي.
أغمضت عينيها تجاهد السيطرة على تشنجها وعصبيتها علها تحجم قليلا من كم الغباء الذي يتساقط منها دون حساب فتتمالك وتردف باستجابة إلى الرجل الذي يخجلها بلطفه وصبره 
تمام اتفضل حضرتك.
حين انتهت أخيرا من مهمتها بإنهاء المكالمة بعد إرسال الملف الذي عرفها عليه لم تستطع منع نفسها من المرور سريعا على صوره الشخصية...
بالجلباب ومع أطفاله وبين إخوته وبملابس عصرية أنيقة لا يرتديها إلا نادرا.
قد يكون أجمل
من شقيقيه الآخرين ولكنه بعيد عن الأضواء لا يظهر في الصورة مثلهم رغم هدوئه وكرم أخلاقه.
أستغفر الله العظيم يا رب أنا إيه اللي بعمله ده
ألقت الهاتف من يدها بندم وضعته جانبها على الوسادة تعيد الاستغفار مرارا وتكرارا مقررة ألا يدفعها الفضول إلى فتحه مرة أخرى.
ولكنها وما همت بأن تنهض من فراشها حتى أضاءت شاشته بدوي اتصال وارد مما جعلها تتأفف بضجر تتناوله وتجيب بحدة 
ألو إيه تاني
مين اللي معايا على التليفون
جزعت اعتماد بړعب تبعده عن أذنها بعد أن وصلها الصوت الأنثوي بالسؤال واضعة كفها الحرة على فمها.
بماذا سترد وهي الأعلم أن الإجابة ستجر