لأجلها بقلم امل نصر


وأتمنى اليوم ده يبقى النهاردة مش بكرة.
برقت عيناها بذهول أمام جرأة الحديث الذي تسمعه لأول مرة منه تستوعب فحواه فانتفضت تهرول من أمامه بارتباك
طب طب أنا ماشية بقى عن إذنك.
تصدر أمامها يوقفها
استني يا اعتماد.
نعم
تأمل بها يشبع عينيه من رقتها التي كانت متخفية خلف قناع الشراسة وسلاطة اللسان ليراها الآن على حقيقتها كالزهرة التي تفتحت حديثا تأسر عينيه للنظر إليها والراحة تتغلغل داخله لا يريد أن يتركها أبدا.
إلا أنها تذمرت تطالعه بتساؤل جعله يعود لمشاكستها
ياريت لما أتصل النهاردة المسا تردي عليا. حاولي تتخلي عن عادة المدرسين في النوم بدري ممكن اتعلمي السهر شوية يا اعتماد.
لم تجد صوتها وقد لفها الخجل بشدة لتومئ إليه بارتباك ثم تكمل طريقها سريعا في النزول مهرولة حتى خشي عليها من الوقوع
بالراحة لا توقعي.
لتغمغم هي داخلها
على أساس إني لسه ما وقعتش ېخرب مطنك يا خليفة كنك مش ساهل واصل.
بنت الجنوب 
مساء
وقد غفت كل السجينات في ذلك الوقت المتأخر من الليل خرجت هي من زنزانتها متجهة إلى المرحاض العام في المبنى بصحبة زكية التي تنفذ كل رغباتها مقابل المال بعيدا عن ذلك المرحاض القذر كما تسميه الخاص بغرفة الحجز والذي تقرف حتى أن تمر بجواره.
دلفت داخل إحدى الكبائن النظيفة لتقضي حاجتها وما إن انتهت حتى خرجت كي تعود لتتفاجأ بآخر شخص تود لقاءه في تلك اللحظة وكأنها كانت في انتظارها واقفة أمام صف المرايا تستند إلى أحد أحواض الغسيل تطالعها بتحفز جمد الډماء في عروقها.
فذهبت عيناها تلقائيا نحو باب الخروج وزكية التي تنتظرها في الخارج لتتخذ طريقها مهرولة نحوه إلا أن الأخرى تصدرت أمامها تقطع الطريق عليها
على فين يا حلوة
حاولت هالة استجماع شجاعتها تجيب بنبرة جاهدت أن تجعلها عادية دون اهتزاز
شوفي يا نوسة أنا بتجنبك على كد ما أقدر. خليكي في حالك يا بت الناس وأنا في حالي. ابعدي كده عن طريقي.
ضحكة سمجة لاحت بفم المذكورة إلا أنها ذهبت سريعا لتتبدل ملامحها لأخرى مخيفة تخالفها
وإن قولتلك إني ماليش مزاج أعديكي هتعملي إيه
.. يتبع
الفصل الواحد والخمسون
وإن قولتلك إني ماليش مزاج أعديكي هتعملي إيه
قالتها نوسة بنبرة يفوح منها الخطړ والتوعد لتجبر هالة أن تتراجع بخطوتين الى الخلف عنها تتصنع القوة حتى لا تشعرها بخۏفها
انا لا عايزة اعمل ولا اسوي يا نوسة للمرة التانية بنبهك تبعدي عني ما تخليكي في حالك وانا خليني في حالي يا بنت الناس .
رددت نوسة بسخرية مقيتة 
وانا للمرة التانية بقولك... لا والكلام دا فات وقته خلاص!
لم تفهم هالة على غموض الاخيرة حتى تفاجأت بفتح إحدى الكابينات وخروج واحدة من صديقات نوسة متجهة إلى الخارج تحدق بها بصمت غير مفهوم ثم تنقل الى نوسة بنظره واضحة وكأنها كانت كحديث صغير ثم بعدها تغادر وكأنها لم تراهما من الاساس حتى اذا وطئت قدميها الارض خارج المرحاض دوى صوت صړختها
اااه اللحقيني يا صول زكية باين جمبتي قايمة عليا ولا الحصواية فيها اتحركت ھموت يا ناس حد يجبلي دكتور .
شيء تعجبت له هالة ولكنها لم تجد الوقت حتى للتفكير أو التساؤول وقد تفاجأت بكف كبيرة وضعت على فمها تكتمه في نفس الوقت الټفت ذراع قوية حولها تكبلها كقيود من حديد لترفعها من خصرها عن الارض ثم تركض كي تبتعد بها عن المدخل 
صارت هالة تزوم بفمها في محاولة بائسة لأن يصل صوتها إلى الخارج ووبقدميها وذراعيها تطوح بها للمقاومة او أن تطولها بضربات ولكن الأخرى كانت أقوى من ان تتأثر
حتى دلفت بها الى اخر كابينة لتدفعها بظهرها على الحائط الرخامي پعنف تألمت له هاله لتخرج صوت تأوه تحت كف الاخرى والتي بدلت من وضعها لتصبح مقابلا لها تبث في قلبها الړعب بعد ان احتجزتها بين الحائط وبينها تتحدث بفحيح
عاجبني قوي شكلك كدة وانتي مړعوپة مني ومستنية اخلص عليكي كنتي فاكراني هفوتلك يا بت دا انا ما اكرهش في عمري كد اللي من طينتك الحلوين اللي لابسين هدوم نضيفة وبيقرفوا حتى يبصوا عليا في الشارع كأنكم انتو بس اللي بني ادمين واحنا حيوانات.
طب اللي برا وبنعديلهم عشان مفيش في ايدنا حيلة لكن تيجي هنا ومسجونة زيك وزي وتتشطري عليا بالباشا اللي حن عشان عيونك الحلوة يخليني اشيل العقاپ لوحدي...
ماذا تفعل وهي بين يدي امراة تعميها رغبة الاڼتقام منها تسيطر عليها بقوتها تقيد حركتها تسلبها حتى حق الصړاخ سالت دموعها تترجاها بعينيها أن تعفو عنها فتبسمت نوسة بتشفي
لا لا بلاش منهم الشويتين دول عشان انا خدت القرار ودلوقتي جه وقت الحساب هطلع عليكي غل السنين كلها.... ومحدش هيقدر ينجدك من يدي
انهت الاخيرة تكشر عن أنيابها بتوحش ثم باغتتها بلكمة قوية جاءت ف وسط البطن تأوهت على اثرها هاله بۏجع اسفل كفها وكان هذا هو الصوت الوحيد الذي خرج منها فلم تعطيها الفرصة بعد ذلك حتى للتنفس فصارت تدفع بجسدها الضخم عليها كصخرة ضخمة تدهسها مرارا وتكرار وهي عاجزة عن صدها او وقفها تشعر فقط بسحق عظامها في كل مرة.
تركتها فجأة لتسقط على الارض تظن أن العڈاب انتهى إلا أن الاخرى أحبطت املها حين غرزت أظافرها على لحم ذراعيها لترفعها متمتمة
قومي يا حلوة افوقك فوقة عمرك كلها متنسيهاش فوفة هتفضل لازقة فيكي مهما استحميتي ولا بقيتي نضيفة.
في هذا الوقت كانت هالة مستسلمة لها تماما وهي على وشك أن تفقد الوعي كليا
لكنها انتفضت فجأة حين رأت الوعاء الداخلي لقاعدة المرحاض ورأسها المحڼي عليه بفضل تلك المچرمة التي تمسكها شعرها من الخلف فعرفت ما هي مقدمه عليه وكأن صاعق كهربائي أنعش روحها من المۏت ابت أن تعطيها غرضها لتتمسك ذراعها السليمة بحافة القاعدة تمنع رأسها عن النزول انشا واحدا اخر بعزيمة هبت داخلها رغم الألم الشديد بالذراع الاخر وباقي أعضاء الجسد.
لتزداد نوسة جنونا
الروح دبت فيكي دلوقتى لما وصلت للقرف طب انا هخليكي تشربي منها المية دي.
عند تلك النقطة تذكرت هالة صوتها الذي كان قد هرب منها أثناء تلك اللحظات الرهيبة التي مرت بها لتستجمع قوتها المتواضعة التي لا تناسب قوة نوسة الغاشمة فتشحذها كلها في صړخة عالية وصلت إلى كامل المبنى بل والى خارج القسم ايضا في ذلك السكون من الليل.
ليرتد ذلك بالزعر على نوسة التي شعرت بالخطړ وقرب كشفها مع الصړاخ المستمر من هالة لياتي ردها الفوري تدفع راسها عنها پعنف لتصطدم بالحائط الرخامي فتسقط على الارض غارقة في دمائها.
.............................
صباح اليوم التالي 
وضياء الشمس الوليدة تطل على الجدران باستحياء بداية ليوم جديد
استيقظت مزيونة لتحاول النهوض عن الفراش بحرص شديد حتى لا تزعج زوجها ويستيقظ هو ايضا.
اخيرا تمكنت أن تستقيم جسدها لتتحامل على القدم السليمة حتى استعانت بالعصا التي جاء بها إليها حمزة ثم تسير بها حتى وصلت إلى شرفة الغرفة تجلس على أحد المقعدين بها تتأمل السكون نسبيا حولها مع الحركة الخفيفة للبشر الذاهبة الى اعمالها او صهيل الخيل في الاسفل تلك اللحظات التي تنفرد بها بنفسها لتتخلى عن القناع الذي ترتديه طوال اليوم .
قناع المرح والسعادة والا مبالاة بالخطوة الخطېرة التي أقدمت عليها بتلك التجربة التي تمر بها الآن كيف توقف عقلها عن التفكير والصور البغيضة بذهنها تتوالي في كل لحظة ودون رحمة حتى وقد تغيرت الظروف بشكل جذري عن الماضي لكنها ورغم ذلك كيف تنسى قسۏة تلك الأيام وقد احتلت جزء كامل من عمرها
اممم تاني برضو بتتسحبي وتقومي من جمبي طب هنا في كروان كمان
ما كان هذا سوى صوت زوجها الحبيب الذي تفاجأت به أمامها مستندا بوقفته على إطار الشرفة بملامحه الناعسة وشعر رأسه المبعثر في جاذبية تنعش روحها كلما نظرت إليه 
فردت تجيب عن سؤاله
لا يا سيدي مفيش كروان بس فيه صوت الخيل والهدوء اللي يصفي العقل لكن انت ايه اللي صحاك يا حمزة وأنا اتسحبت بهدوء من جنبك
تقدم ليدنو نحوها يستند بكفيه على ذراعي المقعد الذي كانت جالسة عليه يقول
مجرد بس ما يختفي نفسك من جاري بحس روحي بتدب فيا تصحيني من عز نومتي عشان اجري ادور عليكي بالظبط زي العيل الصغير اللي بيدور على امه.
لا يفشل ابدا في وضع الابتسامة على فمها رغم رقة الوصف الذي أدلى به فياتي ردها بمنكافة كالعادة
وه عاد على كلامك المزوق صاحي وبالك رايق.
تلاعب حاجبيه في رد متوقع
واهين تلاتة أربعة خمسين حتى.
هذه المرة ضحكت من قلبها حتى مالت رأسها للخلف ليميل هو طابعا فوق جبهتها قبلة عميقة بعد ان أسعدت روحه على بداية الصباح بضحكتها الجميلة ثم اعتدل جالسا على الكرسي المجاور لها قائلا بمرح
صباحك فل
لترد تحيته هي ايضا
صباحك ورد وريحان يا ابو ريان.
سمع منها ليرتفع حاجبه بدهشة لجملتها
وه.... ما تكتبيها شعر بالمرة دا
انا بايني هتفاجأ بمواهبك على يوم من الايام.
ياللا بقى خليك مستعد عشان يمكن تلاقيني فجأة بقيت زي الابنودي ولا هشام الجخ ما هي مواهب متخفية عاد 
رد يلاحق تفاصيلها بتمعن وكأنه شاعرا باختلافها
يا ستي ربنا يكرمك في كل الأحوال انا معاكي وفي ضهرك المهم بس انتي تفتحيلي قلبك ما تحبيس حاجة جواكي بعيد عني.
توقفت عن عبثها تستفسر عن مغزى عبارته
قصدك ايه يا حمزة
حد قالك اني مخبية حاجة عنك
أجابها بثقة
انا مش مستني حد يقولي عشان عارفك وحافظك تضحكي وتبيني انك فرحانة وانا حاسس ان في حاجة ناقصة..... انتي مازالتي خاېفة من موضوع حملك صح
ڠصب عني يا حمزة..
قالتها ردا عليه لتتابع موضحة
ربنا العالم اني كنت بترجاه بس بصراحة عشانك مش عشاني فرحتك عندي بالدنيا لكن لو على رغبتي انا نفسي بصراحة حساها مخفية.... يمكن تلاقيها حاجة غريبة أو غباء مني بس انا بقولك على اللي حساه.
سيكون قاسېا ان عاتب أو لامها على صراحتها فهو 
لا ينكر صډمته بكلماتها ولكنه يتفهم جيدا على الحالة التي تمر بها وعليه أن يتحلى بالصبر كالعادة معها ايظنها سوف تنسى ما مرت به من مأساة وبتلك السهولة!
ليتنهد بقوة ناظرا اليها بتصميم يعقب على ما اردفت به
مش هشوفها حاجة غريبة ولا اقول عليكي غبية عشان عارف كل اللي بتقوليه ده دلوك بكرة هيتنسي ويبقى مجرد أوهام وراحت الذكريات اللي واقفة حاجز يمنع عنك الفرحة بكرة تنمحي من عقلك وتتبخر عشان لا يمكن اخلي اللحظات الصعبة دي تتكرر معاكي..... وحطيها حلقه في ودانك حمزة لما يوعد لازم يوفي.
وكان ردها ابتسامة ممتنة تستعين بثقتها به لتخمد مخاوفها تتبادل معه حديث النظرات ووعودا لا تحتاج النطق بها ولكن قطع اللحظة دوي الهاتف بصوت اتصال وارد.
ليضطر لتركها عائدا إلى الغرفة يجيب المتحدث
الوو صباح الخير يا كمال...... مين مالها هالة
...........................
يعدو