لأجلها بقلم امل نصر


ليست على ما يرام وهذا ما جعلها قريبة من جميع إخوتها الكبار والصغار البنات والأولاد رغم أن ترتيبها في الوسط بينهم في الوسط بين الفتياتوكذلك الوسط بين الأشقاء. لذلك لا عجب أن أجمل أبناء عمومتها اختارها دونا عن البقية حتى وإن بدا هو أوسم منها بمراحل لكنه كان واقعا في حبها حتى النخاع منذ نشأته.
رغم اتزانه المبالغ فيه وشخصيته الجادة دوما إلا أنه معها... كل شيء يختلف.
لابسة ولفة خمارك الجديد قدام المراية شكلك رايحة مشوار مهم جوي... بس يا ترى من حجي أعرف وجهتك النهاردة يا ست منى
هكذا صدر السؤال منه بنبرة فيها شيء من السخرية التي فطنت لها فالتفتت إليه تطالع ملامحه العابسة وهو يلج إلى داخل الغرفة عائدا من دوامه الدراسي.
فتقدمت نحوه تشاكسه بمكر
لا يا واد عمي ما ينفعش أجولك... عشان مشوار خصوصي وما يصحش تعرفه.
تقلصت ملامحه بضيق أشد غير متقبل لمراوغتها المتعمدة في الحديث ولأنها تعرف طبيعته حين يشتد غضبه وقد يتخلى عن طبعه المتسامح في لحظة تركت العبث جانبا واقتربت منه برقة مستطردة
ورغم إنه خصوصي لكن أنا برضه معرفاك عليه... ولو كنت ناسي أفكرك.
عقد حاجبيه بتفكير محاولا فهم مغزى كلامها متسائلا
تفكريني بإيه أنا مش فاكر حاجة...
تنهدت بتعب مبتسمة وضړبت بكفها ظهر يدها الأخرى عائدة لطبيعتها المشاكسة
عشان تعرف بجي لما يكون العيب في الذاكرة التعبانة وتجيبها في مرتك الغلبانة!
منى!
صدح بأسمها محذرا فسارعت هي بالتوضيح
يا بوي ما أنا بفهمك عشان ما تجيبش العيب عليا. عايزاك تفتكر كلامنا امبارح اللي أمنتك عليه... ما تجيبش سيرته قدام حد! حمزة ومعاذ قلوبهم اللي طارت ناحية البنية وأمها ساعة ما شرحتلك عن التكتيك وإني مشتركة معاهم في التخطيط والتدبير.
ولا فاكر إن الحجة حسنية عضمة ساهلة
وضح جليا أنه قد تذكر بالفعل من خلال ارتخاء عضلات وجهه التي كانت مشدودة منذ لحظات قليلة ليتقدم خطوتين ويجلس على أقرب مقعد منه مخاطبا إياها بجدية مصطنعة
لا طبعا عارف إنها مش ساهلة وفاكر زين الكلام اللي قلناه. أنا لسه ذاكرتي ما تعبتش إنتي اللي غاوية تلفي وتدوري. ما تجيبي الفايدة من الأول.
معلش فهمي تقيل سماح بقى يا سي المدرس الأول ما تبقاش حنبلي يا بوي.
رفع حاجبه متصنعا عدم الاكتراث ثم أردف بسؤال
ويا ترى بقى إيه الچريمة اللي ناوية تعمليها معاهم دلوك
تبسمت بحماس وقد ارتاحت من جانبه داخليا فتناولت حقيبتها سريعا وهي تجيبه شاعرة بمرور الوقت المتسارع
هناخد الكبيرة لموقع الحدث ولما أرجع هفهمك وأحكيلك كل حاجة يا أستاذ منص!
أمام مرآته وقد وقف يتأنق بملابسه الفاخرة ينثر عطره بكثافة وبمزاج رائق غير عابئ بحنق الآخر الذي كان يراقبه بغيظ شديد يهز قدميه بعصبية لا يتوقف عنها حتى أجبر حمزة على انتقاده
وبعدين عاد في الشغل اللي يخليك تتعصب بالعافية! ما تهمد ياض وبطل فرك وانت واقف خيلتني.
جاء رد معاذ بسخرية تخللت نبرته
مش باين والله عمال تتسبسب وتفرد في الجلابية المكوية ع الحرف ولا كأنك رايح تخطب!
الله أكبر في عينك.
تمتم بها حمزة فاردا أصابعه الخمسة أمام وجهه مردفا
وهو أنا لو هروح أخطب يا واد هروح بجلابية ليه ما معندييش قمصان وبناطيل ولا حتى بدل ألبسها أنا راجل نزيه يا حبيبي والأناقة طبع فيا يا واض!
صاح به معاذ بنفاد صبر وقد فاض به الكيل
ماشي يا عم النزيه خليك جدع بقى وخدني معاك بلاش الرفض غير المبرر ده!
يااا...
توقفت الكلمات في حلقه يحاول استدعاء الهدوء بصعوبة فهذا الأحمق حتى الآن لم يقتنع بوجهة نظره رغم كل محاولات الإقناع
طب أعمل إيه عشان تهمد وتفهم أعمل إيه عشان تشغل مخك
عايز تروح معانا بيت اتنين ولايا بصفة إيه
طب افترض أنا انطسيت في عقلي وسحبتك معايا أقول لأمك إيه ها
واخدينه معانا عشان نفسحه مثلا
طب ناخد ريان بالمرة عاد لو هنفذو اللي في دماغنا واستعجلنا...
تابعه وهو يلوح له بأصابعه
أرسي كده واصبر شوية وكل حاجة هتم. هو مش سلق بيض والظروف أصلا ما تسمحش دلوك كام مرة نقولها
ضړب معاذ الأرض بقدمه ثم الټفت عنه واضعا ذراعيه فوق صدره مغمغما بغيظ
بتتكلم براحتك عشان مش في الڼار زيي! أني ھموت وأطمن عليها دي دراعها مكسور وخاطرها مكسور هي وأمها وبرضك محدش سايبهم في حالهم.
تبسم حمزة قائلا بسخرية
إيوة صح أنا مش في الڼار.
على العموم يا شيخ معاذ أدينا بنحاول باللي نقدر عليه. ادعيلنا بس بالتساهيل وخطوة الحاجة الحسنية لو نجحت تبقى اختصرت عليك كتير جوي.
أما في الأسفل فقد ولجت منى إلى داخل المنزل بخطواتها السريعة بناء على الموعد المسبق بينهم لتجد والدتها في انتظارها جالسة جلستها المعتادة ترتشف من مشروبها الساخن وتستقبلها بسخريتها
أخيرا جيتي! دا أنا افتكرتك لغيتيها من أساسه.
ضحكت منى تقابل نقدها بالمزاح كالعادة
لا ما هو منص كان ناوي يعملها معايا صح ويجعدني لكن أنا ضحكت عليه في الآخر وعرفت أفلفص من يده.
تمتمت بها حسنية ثم أردفت بلهجة تحذيرية
وووه عاد من مسخرتك! اتلمي وبلاها كلامك البارد ده على واد عمك.
أطلقت منى ضحكة عالية وصلت إلى مسامع شقيقيها وهما يهبطان الدرج ليعلق حمزة
اهي جات ياخوي بلوة هانم أؤس المصاېب!
متأخرة ليه يا بت
صدرت الأخيرة كسؤال أجابت عليه منى لتشاكس والدتها
منص هو السبب.
ڼهرتها حسنية محذرة بنظراتها
شوفي البت ومسخرتها! اتلمي يا بت واتأدبي!
لااه مش هتأدب
غمغمت بها منى ثم انطلقت في نوبة ضحك لم تتوقف إلا بعد سؤال هالة الفضولي
إنتوا رايحين فين جايبين منى من بيتها تروح معاكم فين
لم يكلف حمزة نفسه حتى بالنظر إليها وترك الأمر للنساء لوالدته وشقيقته التي أجابتها سريعا
واحدة قريبة أمي عيانة يا هالة أنا رايحة معاها وحمزة هيوصلنا. عندك اعتراض
نفت هالة بتحريك رأسها رغم عدم اقتناعها وشيء من الريبة تسرب داخلها لكنها لم تجد الحجة لتجبر على الصمت وهي تراقبهم ينسحبون من أمامها ويغادرون دون أن يخبروها عن وجهتهم أو عن هوية المرأة المقصودة بزيارتها.
لتنتبه في الأخير إلى تلك النظرة الحادة التي يرمقها بها معاذ وملامحه الساخطة ثم ومن دون استئذان تحرك بخطواته مبتعدا عنها وكأنه يريد أن يلحق القطار لتغمغم في أثره
وه... وده ماله ده كمان
أما عند مزيونة فقد كانت في هذا الوقت تحضر جلسة أخرى للشيخ خميس والعم جاد أصدقاء والدها القدامى اللذين تصدرا لها في كل المواقف الصعبة التي مرت بها سابقا أمام عرفان وظلمه لها. ليأتي اليوم
وينقلب الأمر إلى النقيض كما يصل إليها الآن من حديث الرجال الذين أتوا بناء على شكوى منه.
لكن والله لن تصمت هذه المرة
وصدجتوه صدجتوا عرفان وعطوة دول ليهم كلمة أصلا
جاء رد العم خميس بنبرة من التعاطف
يا بنتي اعتبرينا ما صدجناش بس نعمل إيه معاه وهو مصمم على كلام زميله.
ولولا إننا منعناه أول امبارح كان جه وعمل مشاكل معاكي تاني.
هو دلوك عامل نفسه مأدب ومحترم كلمتنا وإحنا بنعمل نفسنا مصدجينه وبنهاوده عشان ما يتغاشمش ويبهدل الدنيا. غرضنا بس نتقي شره.
طب وأنا عملت إيه بس عشان أجلب شره
عطوة الخسيس هو اللي اتصدر جدامي أنا وبتي في وسط الشارع
ولولا ابن الحلال اللي سحبه من جفاه يبعده عنينا...
ما هي المشكلة في ابن الحلال ده يا بتي.
قالها العم جاد ليواصل توضيح الصورة إليها
عطوة مفهم جوزك العكس بجى
وجوزك من ناره من حمزة ولد القناوي بعد الليلة اللي إنتي فاكراها مصدق
والموضوع كبران في دماغه.
إحنا مش عارفين نحكيلك إيه ولا إيه بس!
هبت منتفضة من ثباتها بعد أن وصلها ما يرنو إليه الرجل
جطع لسان اللي يجيب عليا كلمة!
أنا بنت الأحرار اللي ما حد من بناتها عرف العيبة!
يجي عرفان ولا قليل الأصل عطوة العفش يشنع علي!
حاول العم خميس تهدئتها
والله يا بتي عارفين وهو كمان عارف
لكن جايبها في الراجل اللي أسمه حمزة القناوي
بيقول إنه راجل مش خلصان وغرضه شين...
خرجت الأخيرة من فم العم خميس بصوت خفيض ليعكس حرجه الشديد مما يصر عليه عرفان
ليأتي ردها المفاجئ
الأستاذ حمزة!
بجى هو بيشكك في الراجل الزين ومصدق عطوة الح__شاش!
الراجل ما عملش معايا غير الواجب اللي يعمله أي حر مش هو بس.
في المرة الأولى لما نجاني من يد عرفان لا كنت أعرفه ولا يعرفني.
وفي المرة التانية لما وقف معانا هو وأخته وأخوه في تجبير بتي وكشف المستشفى
كان معايا أخويا.
وفي الحالتين كانوا صدفة!
أنا هشوفه فين تاني الراجل ولا هو يشوفني
ما كادت تنهي كلماتها حتى وصلهم صوت طرق باب المنزل الخشبي لتضطر ليلى إلى متابعة الحوار من بدايته وتتركهم لتذهب لترى من الطارق. وما إن همت أن تفتح الباب وانكشف أمامها ضوء الخارج حتى تجمدت ناظرة أمامها بذهول لتجبر والدتها على التساؤل
مين يا ليلى عندك
حمزة القناوي يا ست مزيونة.
هل ما وصل لأسماعها كان حقيقة هذا هو السؤال الذي طرأ في رأسها قبل أن تلتفت نحو مدخل المنزل فيفتر فمها بذهول شديد وهي ترى هذا المدعو حمزة بالفعل يطل أمامها بهيئته وخلفه منى شقيقته وامرأة عجوز أدخلتها ابنتها قبلهم بعد أن تجاوزت صډمتها. ثم دخل خلفهم شابان يحملان قفصين محملين بالفاكهة وطيور حية لزيارة أهل المنزل.
أمك وأخوك ومنى راحوا فين يا خليفة توجهت إليه بالسؤال لتجعله يلتفت إليها من أمام التلفاز ويجيب بعدم اكتراث
وأنا إش عرفني مسألتيش ليه الحجة حسنية مبتخبيش عنك أصلا
ضړبت بكفها على فخذها في لفتة عصبية أثارت الحنق بداخله لتقول بضيق شديد
ما هو دا اللي مجنني وزرع الشك جوايا إنهم يطلعوا كده فجأة من غير ما يدوني خبر. طب ليه والمشوار لواحدة قريبتهم عيانة زي ما بيقولوا هو الواجب فيه مدارية ولا يكونش دا كدبة وبيضحكوا علينا بيها والمشوار وراه حاجة تانية.
زي إيه يا أم العريف
يكون مثلا رايحين يخطبوا لحمزة والله ما مستبعد. ما هو باين من شكله واللبس اللي على الحبل دا متأتنك ولا أكن كتب كتابه. معقول يكون عملها
تتحدث بانفعال ينسيها نفسها ومن يتابعها الآن بتمعن شديد ليجفلها بتعقيبه
وافترضي هو كده صح ورايح يكتب كتابه ولا يتجوز حتى بمباركة أمي وأختي. إنت إيه اللي يخصك
ابتلعت تبرر غير واعية حتى الآن لغضبه المضاعف منها
كيف يا خليفة إيه اللي يخصني دا واض عمي يعني أفرح له لو صح لكن يداروا عني والله ما أسامحهم...
عنننك ما سامحتيهم إنت ليكي حق لازم عندهم ولا افتكرتي نفسك كبيرة كمان على أخواتي
قاطعها ضاربا بكفه على ذراع الأريكة التي كان متكئا عليها بإظلام حل بملامحه حتى صارت ترى الشرار يتطاير من عينيه نحوها يكاد أن يحرقها. لتلتصق بمقعدها غير قادرة على إخراج حرف واحد إنها
حتى لا تجد القدرة على ذرف الدموع وادعاء المظلومية بعد أن جفف الډماء في عروقها. فهي الأعلم بطبيعته كالبحر على قدر