لأجلها بقلم امل نصر


بظهور مفاجئ لتلك المرأة
معلمتها المتجهمة دائما في وجهه كلما وقعت أبصارها عليه
صباح الخير عاملين إيه
ردت مزيونة التحية فقد أربكها حضورها المفاجئ قليلا
صباح الفل يا أبلة اعتماد وشك ولا القمر جيتي بدري يعني
ردت اعتماد موجهة نظرة ڼارية نحوه
بدري من عمرك يا حبيبتي
أنا قولت أبدر عشان ناخد درسنا في السريع بدل ما أروح المدرسة متأخرة
وأخدلي كلمتين من المدير الزفت
رجالة فقر ميجيش من وراها غير الفقر
وكأنها توجه الحديث إليه
طالعها بإجفال يعقب على قولها
ربنا يكفينا شړ الفقر صباحك خير يا أبلة اعتماد
ردت وهي تشير بيدها إلى مزيونة نحو باب المنزل
فتحركت لتسبقها للذهاب
فتلقي بردها إليه ساخرة
توك ما افتكرت ولا هي وصلت متأخر
سمعها حمزة
فالتجم في أثرها لحظات حتى خرج صوته
جاااكي فرسة! نشفتي دمي
هو أنا بيني وبينها تار الولية دي!
وإلى منزل حماد القناوي
داخل شقة العروسين
حيث تلك الجميلة التي تتمايل بردائها المدرسي أمام المرآة بعد انقطاع عن ارتدائه لأكثر من أسبوعين
وهاهي اليوم عائدة إلى دراستها بكامل نشاطها
بعد أن تمكنت من لملمة ما فاتها في وقت قصير بفضله
زوجها الحبيب الذي تكفل بمساعدتها طوال الأيام الماضية بعد رجوعهما من السفر
ساعات في استذكار الدروس تقابلها لحظات حب تجمعهما سويا
تلك الأيام التي تحلم بها كل الفتيات
أما هي فستخلدها في ذاكرتها إلى آخر العمر
ليتها تدوم إلى الأبد
لكن ها قد آن أوان انغماس كل منهما في مجاله
هي في طريقها إلى مدرستها
وهو من الغد سيسافر إلى عمله في العاصمة
وقد كان في هذا الوقت جالسا بجذعه على فراش السرير متكئا على قائمته
يتابعها منذ استيقاظها
بهم يغلبه رغم روح الفكاهة التي يتمسك بها في تعامله معها
هتجعدي تتخايلي جدام المراية كده كتير شكلك ملكيش غاية
أنا بجول نأجل يوم تاني على الأقل تلاجي نفسك مستعدة
سمعته فالتفتت إليه ضاحكة
ولا نص يوم حتى! مش كفاية الأيام اللي ضاعت
نام يا حبيبي وبلاش تعشم نفسك
الأساتذة جابوا آخرهم مني وأنا معدتش عندي حجج
اممم
زم شفتيه مطرقا رأسه بحزن
فخرجت من صدرها تنهيدة مثقلة
واتجهت إليه تجاوره على الفراش قائلة بتأثر
خلاص لو زعلان أغيب النهاردة ما جاتش على اليوم ده يعني
رفع رأسه إليها يوبخها ساخرا
إنت عبيطة يا ليلى
مش جايلة بنفسك إن معدتش المدرسة هتقبل حججك
عايزة تترفدي ولا يجيلك إنذار على الأقل
طالعته بقلة حيلة
طب أعمل إيه طيب ما انت زعلان
تبسم بمكر يشاكسها
وافرضي زعلان
أي حاجة أقولها هتبعيني فيها ما فيكيش مخ
توهجت مقلتاها ولكزته بقبضتها على كتفه بانفعال
طب أنا الحق علي إنك صعبت عليا
ماشيه وسايبهالك يا معاذ بس كده!
جبهتها
وقال بجدية تخللت نبرته
خلاص اهدي أنا بهزر معاكي
ثم افرضي يعني غيبتي بالفعل
ما أنا كده كده هسافر من بكرة وأغيب عنك
بالأسابيع
ده اللي شاغل بالي يا ليلى
مش يوم المدرسة اللي هتاخدي فيه ساعات بس وراجعة تاني
خمدت شراستها بتأثر وارتخت يداها عن ضربه
ناظرة له ببراءة قادرة على سحق مقاومته لشياطين رأسه
التي تدعوه لرمي كل الوعود والالتزامات خلف ظهره ويطيع أهواءه
لعدم تركها أبدا
ولكنه يحمد الله أن ما زال فيه ذرة من عقل تنهيه وتصرفه عن ذلك
فيردف لها برجاء
لاه لاه بلاش يا غالية تبصيلي بعينيكي الحلوة دي وتطلعيها في دماغي صح
جومي يا ليلى من جاري الله يخليكي
قومي روحي مدرستك هتتأخري عليها
شوية كمان وأنا مش هضمن نفسي
وفي الأسفل حيث مائدة الطعام
ارتصت أنواع متعددة من الأطعمة للإفطار
ولم يتبق سوى اللبن الساخن
وقد أتت به حسنية تحمله في وعائه المخصص
لتكمل به الوجبة المتكاملة وتضعه على المائدة
قبل أن تشاركهم الجلوس
تلقي نظرة شاملة على الحضور قائلة
ما شاء الله عليكم
محدش فيكم طلع يصحي معاذ ولا عروسته ياجوا يفطروا معانا
ما تخلي حد من عيالك يطلعلهم يا هالة
ولا روحي شوفيهم إنتي
سمعت منها الأخيرة فتوقف الطعام بفمها
وجاء ردها بحنق
إنتي عايزاني أنا الكبيرة أطلعلهم يا مرت عمي
وهما ما ينزلوش لوحديهم ليه مش عارفين اللي وراهم
وجمت حسنية تطالعها بإجفال لحدتها غير المبررة
فزفر خليفة الذي تابع الموقف منذ بدايته لينهرها بدوره
خلاااص وفري كلامك الماسخ
عنك ما طلعتي
أنا هرن عليه من مطراحي وأصحيهم ولا العوزة ليكي
تمتم بها بنزق فأفحمها عن الجدال
ليتناول هاتفه ويشرع في الاتصال بشقيقه
لكنه انتبه لهبوط الاثنين الدرج بكامل هيئتهما للخروج
فتراجع عن الاتصال
مقربا رأسه من هالة هامسا بضيق
حرام تجملي نفسك شوية بدل ما تبقي مكشوفة كده جدام الكل
عدلت رأسها نحوه تحدجه بنظرة ڼارية لم يأبه بها
ليصرف نفسه عنها ويوجه اهتمامه نحو العروسين وترحيب والدته المحب لهما
يا ما شاء الله عليكم
الله أكبر دول نازلين لوحديهم أهاه من غير ما نبعت حد!
أنا لازم أبخركم النهاردة قبل ما تطلعوا
تبسم الاثنان لحفاوة الاستقبال المبالغ فيها من المرأة وباقي الحضور
حتى خليفة الذي أشرق وجهه
وتحول تماما إلى مشاكسة شقيقه وعروسه المحظوظة كما رأتها الآن هالة
وقد انصبت أبصارها عليهما
على معاذ الذي كان ملتصقا بها وكأنه يرفض ابتعادها عنه تلك اللحظات
فرحته بها وهذا العشق المبارك من الجميع
شيء يدعو للتساؤل والتعجب
تعالوا يا عرسان تلحقوا الأكل الصابح وهو سخن
تفوهت بها حسنية وكان رد معاذ
مش هينفع يا حسنية يدوب أوصلها بالعربية
معلش يا أمي لما يرجع بجى أبقي اكليه براحتك
قالتها ليلى لتصيح حسنية ببهجة شديدة
يا ختي على أمي اللي طالعة من بوقك زي العسل!
تعالي يا بت الكلمة الحلوة دي جربي يا بت!
انصاعت ليلى 
يا ما شاء الله عليكم!
طب واقفين ليه ما تجعدوا خلي نفسي تتفتح أنا كمان معاكم!
هرجعلك يا حمزة أفطر معاك
قالها معاذ وهم بالذهاب مع زوجته
فتمتمت هي الأخرى بعجالة
وأنا على الغدا بجى يا عم يا حمزة
تأخير أكتر من كده مش هلاقي حد يدخلني المدرسة!
روحي يا بتي وربنا يوفقك اللهم آمين
علقت بها حسنية بطيبتها
أما حمزة فلم يتركها تتخطاه دون أن يوقفها
استني هنا خدي قبل ما تمشي
فتحت ليلى الكف التي تناولها
فجذبها على حين غرة واضعا بها شيئا ما
لتتفاجأ بورقة نقدية من فئة المئة جنيه
فأصابها الحرج وشرعت في إعادتها
لا يا عم حمزة مينفعش
قاطعها بحزم مشددا على أحرف كلماته
دااا مصروفك من هنا ورايح
زيك زي ريان
وده مفيش فيه نقاش ولا أخد ورد
يلا على مدرستك
همت بالجدال
لكن معاذ الذي انتفخ صدره بفعلته
أوقف الكلمات في حلقها
جالك مفيش فيه نقاش
اخلصي خلينا نلحق الحصة الأولى حتى
وسحبها فجأة ليهرول بها بخطواته السريعة
وصوتها يصدح معه
طب براحة هتوجعني يا معاذ!
ضحك جميع الحاضرين من كبار وصغار لمشهدهم
إلا هالة
فقد بات الأمر أمامها أقسى من قدرة تحملها
وفي داخل فناء السچن المركزي
حيث اليوم هو خروج عرفان
وقد كان وسط مجموعة من زملائه الذين يودعونه بطريقتهم الخشنة في المزاح الثقيل
وضحكاتهم تجلجل في قلب المكان ليثيروا انتباه الموجودين والمارة أيضا
حتى أتى عطوة من العدم
يرمي بثقله عليه متمتما
هتوحشني يا صاحبي
هتوحشني يا عرفان يا ولد بلدي!
رغم تفاجئه وانزعاجه من تلك الطريقة في توديعه
إلا أنه تماسك يربت على ظهره ويجاريه
تشكر يا عطوة دا من أصلك
وإنت كمان هتوحشني بس إحنا هنروح من بعض فين
كلها تلات تشهر وتحصلني
هو دا اللي مصبرني يا صاحبي
إني هطلع ونعيد صحبتنا تاني
بعد الفتنة اللي حصلت ما بينا وبعدتنا عن بعض
بس إنت أخيرا فهمت اللي فيها أها مسامحني يا صاحبي
للمرة التي لم يعد يذكر عددها يناديه صاحبي
وكأن بلعبته الأخيرة في التحايل على القانون ليخرجه من القضية
قد أهداه الحرية
هذا الأحمق يبدو أن الغباء قد استبد به
ونسي أن القضية تخص من إليه بالأساس!
يعني إن لم يتأكد من صدق الرواية التي أدلى بها
فعواقب الكذب ستكون عليه أقسى حتى من تخيله
هل يظن أن التعرض لعرضه شيء هين!
ولكن كل شيء في وقته
ملوش لازمة منه الكلام ده يا عطوة
شد حيلك بس
ولما تطلع تعلالي على طول
هتلاجيني مستنيك يا غالي
توقف بسيارته لينتصب واقفا يطالع المبنى الذي يجرى العمل على بنائه بواسطة الشركة المعروفة
ارتفعت رأسه نحو المخطوط على اللوحة المعدنية في تلك المنطقة الصحراوية القريبة من بلدتهم
مجمع مباني المشفى المتخصص لأبناء المدينة الجديدة والقرى المجاورة لها
وهو المشروع الذي تتولى الشركة إنشاؤه تماما كما فعلت من قبل في مبنى الوحدة الصحية ببلدتهم قبل عدة سنوات
حيث كان لقاؤه الأول بها
واقفة وسط العمال تشرف وتلقي بأوامرها على رجال لا يصلون لنصف حجمها
ولا يجرؤ أحدهم على رفع عينيه إليها
تماما كما يحدث الآن أمامه وكأن الزمان لم يتحرك لحظة
ما زالت كما هي لم تتغير
واثقة ناعمة وجميلة
لا يدري ما الذي أتى به إلى هنا
هل يوجد في هذا العالم رجل يعشق تعذيب نفسه مثله
ربما لكن يكفي هذا عليه أن يغادر
ارتد بقدميه بالفعل عائدا إلى سيارته يهم بالمغادرة
ولكن أوقفه ذلك الصوت الذي تعشقه أذنه
ليتوقف رغم إرادته يتابع نداءها باسمه بعد أن انتبهت إليه كما يبدو
خليفة يا خليفة استنى!
أغمض عينيه يستمتع برنة الصوت الناعمة
سحب دفعة من الأكسجين ثم زفرها ليملك بأسه
واستدار إليها يطالع اقترابها رويدا رويدا حتى وصلت إليه لاهثة
في إيه يا عم بقالي ساعة بنده عليك
برر بابتسامة لم تصل إلى عينيه
سامحيني مخدتش بالي هو انت بتندهي بجالك كتير
أومأت برقة
مش كتير أوي يعني
أنا يدوب خدت بالي وإنت واقف مدي ضهرك
رحت جاية على طول أتأكد وأسلم عليك
هو إنت هنا بقالك كتير بقى
أجاب وعيناه تحاولان الهرب من خاصتيها ومع ذلك لا ينجح
إحنا أصلا لينا أرض قريبة من هنا وأنا جاي من هناك دلوك
لقيت الفضول موجفني أشوف المشروع الجديد
بس ما كنتش أعرف إنه تبع شركتكم
تنهدت باسمه تعلق على قوله
آه بقى ما إحنا ماسكينه قريب بدل الشركة اللي كانت موقفاه
المهم إنت عامل إيه بقى
وريان قلب مامي وحمزة
ما تقولهم هما كمان يعدوا عليا مدام أرضكم قريبة من هنا زي ما بتقول
أنا باجي هنا يوميا على فكرة!
صمت حتى انتهت من إسهابها يومئ برأسه كاستجابة
بعد أن تمكنت من قلب فرحته بلقائها إلى تذكير صارخ بأولوياتها في الحياة
التي لم ولن يراها يوما
تمام يا هالة هجولهم الاتنين يبجوا يعدوا عليكي
مساء
وقد أتت اليوم في زيارة لابنتها بعد
غياب لم يتعد الثلاثة أيام
وكانت نتيجته شكوى وصلت إليها لتعبر عن استيائها منها الآن
بتشتكيني لجوزك يا ليلى عشان بس اتأخرت كام يوم
أمال لو زودت هتعملي إيه يا بت
وأنا اللي جولت إنك كبرتي وعجلتي في جوازتك دي!
تعقيبا على قولها ردت ليلى بتشتت
أنا اشتكيتك يا أمه
مين اللي قالك كده
أنا يمكن زعلت صح بس مش لدرجة الشكوى!
زعلتي!
زفرت مزيونة تردف بغيظ
على تلت أيام يا موكوسة زعلتي
يبجى كده بلغتي جوزك
والمحروس اللي ما يتبلش في خشمه فولة
بلغ الغضنفر التاني طب يمكن كنت تعبانة!
صدر منها شهقة عالية تقارب الصړخة مرددة بهلع وقد اقتربت منها تتفحصها بعينيها
تعبانة!
حاسة بإيه جوليلي أجيبلك دكتور!
صاحت
بها
الله ېخرب مطنك يا شيخة!
يا بت انتي مفكيش مخ
أنا بجول يمكن يمكن!
مكنتش تعبانة ولا حاجة زينة وتمام
لكن غيبت يا ستي فيها إيه يعني
لازم تتعودي يا بت!
وجمت ليلى بملامح تذكرها باحتياجها الدائم لها
مهما وجدت السعادة مع زوجها
مفيهاش حاجة
بس أنا مهما شفت من محبة في البيت هنا
عمري برضو ما هتعود على بعادك
ده غير إن معاذ من بكرة هيسافر
يعني انتي كده لو زودتي في الأيام يبجى عايزاني أتعود