لأجلها بقلم امل نصر


في حالتي أنا لاه يا خليفة. اعتبرني طماعة ولا مغرورة عشان في كل الحالات أنا شايفة إن معايا الحق. زي ما أنت خدت بالك إني ما شلتش حمزة من دماغي أنا كمان كنت واخدة بالي إن كل اللي بتعمله معايا محاولات لكن اللهفة ولا الحب الحقيقي لاه يا خليفة عمر قلبك ما كان معايا ولا أنا شفت نفسي في عنيك.
لم ينكر ارتباكه من صراحتها ولم يستطع أن ېكذب تحليلها رغم قسۏة وقع كلماتها عليه. فمن الواضح أنه لم يكن وحده من يعاني. لكن هذا لا ينفي جريمتها. اشتدت لهجته وهو يوجه خطابه لها
ماشي يا هالة اعتبرينا إحنا الاتنين ظلمنا بعض أو أهلينا هما اللي جنوا علينا. لكن برضك دا ما يديكيش الحق تعملي جريمتك.
شوفتني بعينك
هم أن يرد لكنها سبقته قائلة في إشارة إلى الدليل الذي يدينها
حتى برغم اللي مسكته في يدك برضك ما يأكدش إني جانية.
ضيق عينيه يحدق بها بتفكير قبل أن يخرج رده في سؤال لها
هالة إنت في حاجة مخبياها
صمتت دون أن تحيد ببصرها عنه. انتظر ردها فلم يجد ما يخمد حيرته. بها شيء غير مفهوم لو لم يكن قد أمسك بالدليل بيده لصدقها ولكنها! لماذا لا تتكلم
هالة لو عندك حاجة قوليها. السكوت دا غريب منك وفي نفس الوقت يبرجل العقل.
تجاهلت إلحاحه وسألته بدلا منه
البنات عاملين إيه صحيح جنى رجعلها الدور تاني
تنهد بيأس من مراوغتها لكنه لا يملك إلا أن يجيب
لاه الحمد لله. جنى خفت وما تعبتش تاني. اطمني عليهم وما تقلقيش. أنا مراعيهم لحد ما تطلعي لهم بالسلامة إن شاء الله.
اعتماد بترعاهم معاك صح
قالتها بابتسامة أثارت استفزازه قبل أن تتابع
على العموم الله يهني سعيد بسعيدة. هي كانت بيعة خسرانة من الأول.
بنت الجنوب 
دخلت زنزانتها الموحشة التي تضم عددا من النساء التي لا تطيق النظر إليهن لكنها مجبرة على معاشرتهن بفضل هذا الوضع المفروض عليها.
ولسوء حظها وجدت تلك المرأة تجلس بين مجموعة منهن بعد قضاء ليلتها في الحبس الانفرادي. توقفت المرأة عن الحديث وطالعتها پحقد شديد نتيجة ما أصابها بسببها. فردت لها نظرتها بتعال رغم الخۏف الذي تسلل إليها من ناحيتها فما تراه من ڠضب لا يبشر بالخير.
تعالي هنا يا هالة.
كان هذا صوت الريسة كما تناديها المرأة التي تجد عندها الحماية منذ دخولها هنا. أشارت لها إلى الجزء الفارغ على المصطبة الأسمنتية بجوارها فاتجهت هالة نحوها تهرول لتجلس في منطقة الأمان بقربها. فقالت لها
هي البت دي طلعت من الانفرادي ليه حقهم كانوا يقعدوها أسبوعين.
ألقت المرأة نظرة بطرف عينها نحو نوسة المتحفزة الجالسة وسط الفتيات ثم عادت تحدث هالة بحذر
خدي بالك وطي صوتك وإنت بتتكلمي. نوسة بتبص عليكي وعينيها بتطق شرار. يعني تلاقيها مستنية الفرصة عشان تفش غليلها فيكي.
طب تقدر تعملها بس دا أنا كنت أوديها ورا الشمس وما أخليهاش تشوف الضي تاني.
ردت الريسة بنبرة تحذيرية شديدة
ما تهدي يا بت وبطلي عنجهيتك الفارغة دي.
تفاجأت هالة من حدتها ثم فهمت مقصدها حين تابعت
افهمي بقى مش كل الناس هتتقبل أسلوبك دا ولا هتكبر دماغها منه. اللي زي نوسة تقريبا ربنا حارمها من كل حاجة إلا الصحة اللي تهد بيها جبال. دي اتربت في
ملجأ ونص حياتها الباقية في الشارع. أكل عيشها ييجي من أي حاجة برضاها أو من غير رضاها.
يعني لا عيلة زي اللي بتشوفي نفسك على حسهم ولا أصل ولا فصل ولا حتى جمال ييجي ربع اللي عندك. اللي زي دي يتخاف منها عشان مش باكية على حاجة تخاف عليها.
تطلعت هالة نحو نوسة التي انشغلت عنها للحظات. تفحصتها من الخف البلاستيكي المتسخ الذي انحشرت به قدميها من فرط القذارة التي التصقت به ثم إلى الملابس الباهتة التي ترتديها من أول يوم رأتها فيه إلى وجهها المليء بالحفر وآثار المعارك القديمة وشعرها الواقف وكأنه لم يغسل منذ أسابيع. تخيلت رائحته فانكمشت ملامحها باشمئزاز.
انتبهت نوسة لنظراتها وحدجتها بنظرة ڼارية جعلتها تلتف سريعا عائدة إلى المرآة. بررت وهي تبتلع ريقها الذي جف من الخۏف
وأنا أعملها إيه هي اللي بترازيني وتجر شكلي على الفاضي والمليان. خليها تقعد في حالها وأنا في حالي وتخلص على كده!
ردت خلفها المرأة
لأ مش هتخلص يا هالة. عشان نوسة حطتك في دماغها. خلي بالك من نفسك أنا مش طول الوقت هتلاقيني معاكي.
سألتها هالة بريبة وقد أصاب البرد أطرافها من الزعر
ليه هي ممكن تعمل فيا إيه
أجابت المرأة بحكمة لا تمل من تكرارها
الله أعلم بس أنا مش عايزاكي تديها الأمان. اتجنبيها على كد ما تقدري. حتى لو جرت شكلك ما ترديش. على ما ربنا يفكها عليكي وتخرجي. سايسي أمورك واتعاملي بالحسنى مع باقي البنات. أكيد هتلاقي فيهم الزينة اللي ترتاحي معاها يمكن تبقى صاحبتك أو رفيقتك علي الأقل وتنفعك أكتر مني. متعتمديش عليا أنا في أي وقت ممكن أطلع وأسيبك.
وانتي بنت ناس يا بتي يعني ملكيش في الپهدلة. إيه اللي جابك هنا بس
تمتمت هالة ردا عليها وقد وصلها جيدا ما ترمي إليه المرأة
حظي الأسود أو يمكن ڠضب من ربنا عليا.
قالت الأخيرة وهي تشيح بوجهها إلى الناحية الأخرى بصوت بالكاد يسمع وكأنها تحدث نفسها
بنت الجنوب 
عودة إلى المنزل الكبير
جلست مزيونة مع اعتماد التي جاءت اليوم لتهنئتها على الحمل والاطمئنان على صحتها. كان في داخل اعتماد شيء من الحرج تتخطاه بصعوبة لدخولها هذا البيت والأخرى تفهمها فتشاكسها على هذا الأساس
ارسي على حيلك يا اعتماد اللي انت مكسوفة منه مش قاعد خالص. اهدي بجى.
شوفي الولية اللي اتعلمت المكر دي كمان!
غمغمت بها اعتماد متابعة
يا ست يا لئيمة يعني ده جزاتي إني ما أقدرش أتأخر عنك طب ما أقصدش خالص اللي بالك راح فيه عاد! دخلة البيت نفسها تقيلة.
ردت مزيونة متظاهرة بعدم الفهم
واه تقيلة ليه عاد ده حتى الرجالة كلهم مش قاعدين. حمزة راح يشوف صاحبه في قنا ومعاذ راح مع المزغودة بتي يجيبوا حاجة النونو قبل ما ينشغلوا في النتيجة والتقديم. فاضل مين... آه خليفة هو كمان راح
قنا...
دفعتها اعتماد بالوسادة ردا على تلاعبها
ده انت مرا! اتعلمتي المكر واللعب على كبر يا مزيونة بعد ما كنت قطة مغمضة.
ردت مزيونة ضاحكة
يا أختي بكرة تتعلمي زيي. هي اللي تتجوز من عيلة القناوي تفضل خالص على حالها! ده قليل إن ما طير برج من عقلك سي خلفاوي.
غلبت الابتسامة على اعتماد رغم اضطرابها ثم ما لبثت أن أوضحت بجدية
أهو الكلام ده هو اللي بيخوفني أكتر. ما أكدبش أنا دخلت البيت وأنا في نص هدومي من حسنية الست الله يباركلها استقبلتني بالأحضان و...
و إيه كملي.
حثتها مزيونة علي الأستكمال بفضول.
تابعت
اعتماد بتوتر
وقالتلي إنهم مستنيين الدنيا تهدى شوية وييجوا عندنا بربطة المعلم نتفق على كل حاجة في جوازي أنا وخليفة
صاحت مزيونة بلهفة معقبة علي قولها
يا أختي يا ألف نهار مبروك! لو
قاطعتها اعتماد سريعا واضعة كفها على فمها
بس اقفلي خشمك الله يرضى عنك! مش ناقصة فضايح.
تراجعت مزيونة عن الزغروطة ثم احتضنتها بفرح الشقيقة لشقيقتها
والله فرحتلك يا اعتماد من قلبي. خليفة راجل وهيعرف زين يهنيكي عشان بيحبك. انتوا الاتنين تستاهلوا بعض يا حبيبتي.
تأثرت اعتماد بفرحتها فغازلت دمعة عزيزة مقلتيها وسارعت في مسحها بإبهامها قائلة
حبيبتي يا مزيونة ربنا يباركلي فيكي يا رب. ده انت أختي وأكتر من أختي كمان. بس بصراحة ومتقوليش عليا هبلة أنا بتمنى هالة تطلع من حپسها. ساعتها بس هحس بالراحة.
ليه
سألتها مزيونة ثم تابعت
هو انت حاسة إنها بريئة
مطت اعتماد شفتيها ورفعت كتفيها للأعلى ثم أسقطتهما تجيب بعدم معرفة
بصراحة ما أعرفش وما يهمنيش أعرف. بس في حاجة جوايا مخلياني أدعيلها في كل وقت. هتقولي ليه تاني هقولك برضك ما أعرفش.
بنت الجنوب 
داخل المنطقة المعمرة حديثا في المحافظة حيث الشقق الفاخرة لأصحاب المراكز المرموقة اتخذ هو مسكنه. وكانت هذه أول مرة يزوره حمزة داخل منزله فاستقرا بجلستهما داخل الشرفة.
اختار حمزة الشرفة عندما جذبه المشهد الخارجي معبرا عن إعجابه
والله حاجة تفرح فعلا! منظر الخضرة وتنظيم الڤلل والعمارات حاجة آخر عظمة. بفكر آخد لي فيها شقة ولا عمارة أهي حاجة تنفع للزمن للواد ريان وإخواته
عقب كمال علي الأخيرة بدهشة
خلاص خليتهم إخواته! ده أنت لسه سامع بالخبر إمبارح
شدد حمزة متخذا الأمر بجدية
إمبارح ولا أول إن شاء الله هيبقوا قرطة كمان! هو في حاجة بعيدة على ربنا
رد كمال ضاحكا
لا يا سيدي مفيش طبعا. ونعم بالله. ربنا يكرمك بالعدد اللي تتمناه.
وأنت كمان يا رب. الا صحيح ما قولتليش أنت خلفت من جوازاتك
نفى بتحريك رأسه ثم تناول عبوة المياه الغازية من أمامه ليرتشف قليلا قبل أن يرد باستفاضة
شوف بقى أنا خطبت تلت مرات واتجوزت مرتين. عشان أعمر مع واحدة فيهم ما حصلش. إني أوصل مع واحدة منهم لمرحلة الخلفة مفيش. مش فاهم ليه بيقولوا عليا عصبي
قال الأخيرة بمزاح فضحك حمزة وعلق
ده عشان بس كلهم كانوا من بحري وفرافير! أنت عايز واحدة شديدة ياصاحبي تتحملك وتتحمل عصبيتك.
أومأ كمال بيأس
بحري بقى ولا قبلي كل حاجة نصيب. وأنا سلمت أمري لله. صحيح كنت عايز أسألك
قطع استرساله فجأة حين دوى هاتفه برقم يعرفه جيدا. ليستأذن حمزة بإنتظاره دقيقة وما إن
أجاب حتى انتفض لأهمية الأمر
تمام أوي ما تشلش عينك من عليه لحد ما أجيلك. إياك يغيب عنك.
في حاجة يا كمال
سأله حمزة ما إن أنهى المكالمة.
أجاب كمال سريعا وهو يتصل برقم آخر
عرفنا مكان الواد ابن أخت هالة بنت عمك. ونزلين نجيبه دلوقتي
ثم قال في الهاتف
أيوة يا بني جهز القوة أنا جايلك حالا.
بنت الجنوب 
هبطت اعتماد الدرج وكانت في طريقها إلى المغادرة بعد أن انتهت من جلستها مع مزيونة وأفراد عائلة القناوي التي كانت ترحب بها اليوم بحفاوة أدخلت في قلبها السرور والبهجة فلم ينقصها إلا حضوره وقد غاب اليوم.
ليظهر فجأة أمامها الآن وهي في الجزء الفاصل بين الطابقين حتى كادت أن تصطدم به وكأن المشهد القديم يعاد معها ثانية إلا أنها هذه المرة تداركت سريعا لتعود إلى الخلف مرتدة عنه بحرج فعلق
هو ضاحكا
المرة اللي فاتت راح فيها التلفون بتاعك المرة دي قلبي اللي كان هيروح فيها.
بعد الشړ على قلبك.
صدرت منها بتلقائية جعلته يتوقف عن الضحك مستمتعا بخجلها يشاكسها
الأبلة اعتماد بحالها النهاردة مشرفانا بحضورها بعد غياب! ده باينه يوم سعدي.
ردت بامتنان على مجاملته تتصنع الاتزان رغم الصخب الدائر داخلها كأجواء المهرجان ابتهاجا بكلماته
تشكر يا سيدي على ذوقك بس أنا جيت النهاردة أزور مزيونة وبالمرة أباركلها على الحمل.
ذهبت عيناه نحو الطابق المذكور ليعود إليها قائلا
عقبالنا.
نظرت إليه باستفسار فتابع يوضح بالمزيد
أنا كمان متلهف قوي على أي عيل منك