لأجلها بقلم امل نصر


حتى تفرحها كما أدخلت هي السعادة بقلبها بالنجاح الباهر في الصف الثاني الثانوي قاطعة نصف الطريق في اتجاه غرضها الأساسي في الالتحاق بالجامعة التي تتمناها.
جاء الآن وقت العودة ولكنها لم تنسى تعليمات مزيونة بالذهاب إلى منزل جدها القديم كي تطل على برج الحمام المتواضع بداخله والذي يبلغ بناءه من عمر المنزل بعشرات السنين ليظل شاهدا على عظمة البناء رغم انه طيني ومتشقق نتيجة عوامل الزمن التي تركت أثرها به ولكنه عفي كما تصنفه مزيونة
اطعمت الحبوب للطيور ثم قامت بتنظيف اعشاشها من المخلفات العضوية والتي يتم جمعها داخل اشولة للاستخدام بعد ذلك لاغراض تخصها.
حينما انهت كل شيء خرجت إلى الساحة المؤدية نحو الزرعات لتغتسل من مجرى المياه القريب مستغلة خلو المنطقة من البشر في هذا الوقت من المغرب وقد ذهب المزارعين والعمال إلى منازلهم .
وفي الناحية الأخرى كان هو في طريق عودته إلى منزل عائلته بعد قضاءه وقتا لا بأس به مع اصدقائه وباقي اليوم تريض بحصانه داخل الحقول الزراعيه من أملاك عائلته حتى شعر بتعب الحصان وحاجته للشرب ليتوقف بالقرب من المجرى المائي الذي يعرفه في هذه المنطقة وتتسمر قدميه نحو اجمل صورة تلتقطها عينيه حتى كاد أن ېكذب ابصاره لروعة ما يرى
بدأت تسير بكفيها المبللة بالمياه على سائر الخصلات المبعثرة من شعرها الغجري الزاهي بلونه العسلي والتي انعكست عليها أشعة الشمس لتزيده سحرا.
غافلة عن ذلك المتجمد محله منذ آن نزل عن حصانه وتوقف بالقرب منها بغرض ان يسقيه من ذلك المجرى المائي ليدهش بتلك الحورية وثوبها الزاهي برسوم الزهور المنتشرة على انحائه.
لم يكن ابدا من المتربصين بالفتيات الجميلات او حتى تتبعهم وتعمد النظر اليهم لكن في مثل تلك الحالة كيف يجد القدرة لأن يتغاضى او يتجاهل يراقبها الآن وهي تعبأ الكفتين الصغيرتين بالمياه تدفعها على بشرتها مرة واثنان وثلاثة ثم تجففها بطرف شالها الناعم والذي وضعته على رأسها بعد ذلك لتلتف فجأة فتتقابل عينيه بوجه البدر
ذلك الوجه المستدير وتلك الملامح الفاتنة بلون العيون المشابه للون الشعر حتى ذكرته بتلك الفناتة الشهيرة في صغرها 
ليلى علو........
لم يكمل الاسم وقد تفاجأ بها تهدر به موبخة بعد ان تحولت تعابيرها من الإجفال برؤيته إلى الڠضب الشديد
انت مين وايه اللي موجفك في وشي كدة تسد عني الطريج. 
استدرك لخطأه بالفعل فتحرك بحصانه يبتعد به للخلف مرددا باعتذار
اسف والله انا كان غرضي بس اسجي الحصان واتفاجأت......
غرضك ولا ماغرضك ما يخصنيش
قاطعته بها بحدة لتتحرك وتتخطاه ذاهبة نحو وجهتها فتركزت ابصاره تتبعها وهي تغمغم بحنق يحق لها
واجف زي التيس سادد الطريج في وشي جال ويندهلي بإسمي وعايز يشرح ويحكي جلة حيا.
تيس .
تمتم بها بخجل من نفسه يعطيها الحق في سبته وشتمه ايضا فهذا الفعل لم يكن ابدا من اخلاقه ولكن....
توقف فجأة وتوسعت عينيه باستدارك لباقي عبارتها مرددا
ليلى واسمها ليلى كمان!
تابعها بعيناه وهي تختفي من أمامه ذاهبة نحو وجهتها وشيء ما داخله يحثه على الذهاب خلفها ولكنه يخشى رد فعلها بعد نعته منذ قليل بالتيس ربما المرة القادمة يتحول السباب إلى عرض مجاني للجمهور من اهل البلدة ولكن لما هذا الخفقان القوي من ذلك الصغير بصدره كيف لطيف امرأة ان يفعل الأفاعيل برجل مثله وهو الذي يتخذ الاخلاق الكريمة منهجه ويغض البصر عن جميع النساء إلا عن هذه الفتاة وكأنها طاقة من السحر قد أسر داخلها
صهل الحصان بقوة ليفيقه من غمرة الشرود الذي لفه لينتفض مستدركا حجم جرمه معبرا له عن اسفه
وه دا انا نسيت ان احنا جايين هنا ليه سامحني يا عزوز دلوك اخليك تشرب وترتوي.
قالها ليقوم بسحبه باتجاه المجرى ينفض رأسه من أفكارها الحمقاء مغمغا بحديث نفسه فور أن انقض فرسه على الماء يرتشف منه بعطش
دا انت شكلك عطشان جوي يا جزين معلش بجى اعذر صاحبك المرة دي واوعدك ان مش هتكرر تأتي احنا من امتى اصلا بنبص على الحريم ودول ميجيش من وراهم غير الهم و...........
قطع جملته فور أن وقعت عينيه على ذلك الشيء أسفل قدميه ذلك المتلصق بالأرض الطينية المبتلة دنا يرفعه إليه يستكشفه وقد بدأ واضحا في كفه اسورة نسائية قديمة من الذهب المثقل صغيرة الحجم لكنها رائعة التصميم بها نقش صغير جدا لكلمة لا بل........
ارتسمت فجأة ابتسامة كبيرة بثغره مغمغما بالأسم الذي استكشفه بعد تأمل دقيق
ليلى! يعني كمان زيادة تأكيد بأسمها هي ايه حكايتك معايا بالظبط يا ست ليلى
عاد إلى المنزل بعد انتهاء جولته داخل البلدة بتلك الخاتمة الغريبة والتي مازالت عالقة بذهنه حتى الآن يده تتحسس الاسورة داخل جيب جلبابه كل دقيقة وعقله يشرد بصاحبة العيون الجميلة والجدائل الغجرية المتمردة حتى انفعالها به ونعتها بالتيس.
وه دا الشيخ معاذ وصل اخيرا كمان يا ولاد سقفولوا انه ما بيتش في الزرعة ولا هو راكب ع الحصان. 
صدرت الكلمات من والدته التي كانت تجلس بصحن الدار تستقبله بسخريتها مما جعله يبتسم مقابلا تهكمها بالضحكات مشاركا مرح الاطفال الذين التفو حوله بالتهليل وكأنها قالت مزحة اسعدتهم
الله يجازيكي يامة وصلت كمان للنومة ع الحصان
قالها يقبل الأطفال قبل ان يصرفهم بلطف ويحل محلهم جوارها مشاكسا
ست الحبايب شكلها رايقة وعندها غاية تتمقلت عليا .
مصمصمت حسنية بشيء من الضيق
لا يا غالي مش بتمقلت بس انت حالك صح ما يعجبش حد خلصت كليتك وفضيت للسرمحة طب حتى فضي وقت لأمك ولا الجعدة مع اخواتك طول اليوم يا مع صحابك يا ع الحصان بتلف ع البلد.
قابل معاذ انتقادها بروية ولطف يهادنها 
مع ان الكلام في شوية من المبالغة لكن ماشي يا ست الكل انا يمكن صح مجصر معاكم من ساعة ما خدت الاجازة بس انتي لازم تعذريني ياما انا بجالي شهور في الدراسة وحړق الډم ما صدقت ارجع البلد وانسى أسيوط والجامعة والدنيا كلها لأجل ما اعيشلي يومين وانطلق على حصاني زي ما بتقولي ولا مع اصحابي المهم اصفي عقلي من المسؤوليات ما هي اصلا جاية جاية فيها ايه بجى لما اعيش الاجازة بكيفي.
امممم
زامت حسنية بفمها تدعي تفهما ثم تتابع ويدها تتلاعب بحبات المسبحة التي لا تتركها إلا للضرورة
وعلى كدة بجى اجازتك دي هتطول ولا ناوي تجصر وتفضى للكلام اللي فتحناه قبل سابق.
سألها بعدم تركيز
كلام ايه
الموضوع اياه
اي موضوع ياما انا مش فاكر والله
موضوع الجواز ېخرب مطنك خلاص مخك جفل ضبة ومفتاح عن الفهم.
قالتها بعصبية جعلته ينفجر من الضحك حتى استفزها لينعقد حاجبيها بضجر واضح مما أجبره على التوقف لينهض من جوارها منهيا النقاش من اوله قبل أن تبدأ في الضغط على عاطفته كي يزعن لرغبتها وينفذ ما تأمره به في أمر يخصه وحده ولا يحق لأحد التدخل في اختياره
ربنا يسهل يا ست الكل ويعدلها من عنده.
تبعته سائلة وهي تتابعه بعيناها ينصرف من أمامها نحو الدرج يصعده بخطوات متسرعة
يعني ايه مفهمتش كدة جصدك ايوة ولا لاه
لا ايوة ولا لاه انا عايز اروح انام ياما انااااام
شوف يا اخويا الواد 
غمغمت بها تمصمص بشفتيها مرة اخرى فلم يريحها بالهروب كعادته لتفاجأ بمن سقطت بثقلها على الاريكة تجاورها وقد كانت زوجة ابنها الأوسط خليفة تسألها بفضول
ها يا عمتي خلاص وافق على اسراء يخطبها ولا برضك اجل زي المرة اللي فاتت.
اجابتها بثقة نابعة من شخصيتها القوية
حتى لو هرب زي كل مرة برضو هيرضى ويوافق في الاخر انا محدش من عيالي طلع عن طوعي وطلع كسبان يا هالة.
تبسمت الأخيرة لتضيف على قولها بتأكيد
ايوة طبعا ما هو جدامه حمزة خير دليل لما جرب وطلع عن العيلة في الآخر بجى عايش مع ولده لوحده بعد ما طلق بنت البندر ايوة أمال ايه احنا بناتنا يشهد على جمالهم الكفر كله وإسراء اختي احلى البنات كلها كمان.
...يتبع
الفصل الثاني
بنشاط اعتادت عليه استيقظت مبكرا تسقي أشجار التين والعنب وبعض الخضروات الموسمية التي زرعتها حذيثا في تلك الحديقة الصغيرة التي تعتبرها جنتها ومتنفسها بعيدا عن ذلك المنزل الخانق الذي لا يربطها به سوى ابنتها حبيبتها هي التي تضع عليها الآمال وتتحمل من أجلها كل شيء عرفان القاسې وضرتها الماكرة صاحبة سجل طويل من المؤامرات التي حاكتها لها من وقت ان وطأت اقدامها ذلك المنزل 
اغلقت صنبور المياه تطوي خرطوم الري حتى تضعه في جانب أسفل إحدى الشجيرات ثم تناولت حزمتي البقدونس والجرير التي قطعتهم من الأرض قبل أن تسقيها لتدخل بهم المنزل تستنشق رائحتهم القوية داخل صدرها فتزداد انتعاشا 
وضعتهم على مائدة السفرة الفارغة في هذا الوقت والتي تتوسط المدخل متجهة إلى غرفة ابنتها تنوي ايقاظها وكانت المفاجأة حينما وجدتها جالسة على جانب الفراش بوضع لم تعتاد عليه ابدا منها
وه من الساعة سبعة الصبح الأميرة ليلى صاحية يا ولاد دي مبتحصلش حتى في عز امتحاناتها 
ابتسامة خفيفة ارتسمت بثغر ليلى تجاري والدتها المزاح حتى تخفي توترها
واهي حصلت يا ست الكل تفرحي ببتك بجى ولا تحرضيني عشان ارجع انام تاني انا على تكة اصلا 
لا يا ختي وعلى ايه جومي ياللا اغلسي وشك وصلي عبال ما احضر انا الفطار خلينا ناخد اليوم من اوله ياللا جومي 
قالتها وما ان همت بالخروج حتى اوقفتها ليلى بالنداء 
ما انا كنت عايزة اروح بيت جدي النهاردة 
قطبت مزيونة تسألها
تروحي ليه ما انتي كنتي امبارح هناك 
بابتسامة اجادتها ردت ليلى
ما انااا شكلي نسيت اغير مية الشرب من قدام الحمام معرفش عقلي كان فين راعيت انضف العشش تحتيهم ونسيت ان الميا نفسها كانت معكرة 
طقطقت مزيونة بفمها صوت استياءا تستنكر فعلها
وه معكرة يا ليلى وسبتيها حرام عليكي يا بتي دي بجالها اسبوع اصلا انتي تخلصي فطار وټخطفي رجلك عليهم وتاجي بسرعة مش عايزة كلام وحديت من مرة ابوكي
عبست ليلى رغم راحتها بموافقة والدتها للخروج لتغمغم في أثرها فور أن تحركت ذاهبة من أمامها
ضړبة في كرشها مالها هي اطلع ولا ادخل كانت ابويا ولا كانت امي 
تكون زي ما تكون مش عايزين رط ولا ۏجع دماغ يا ليلى 
تمتمت بالكلمات مزيونة من خارج الغرفة لتصل إلى ابنتها القلقلة من الأساس لتتذكر تلك الاسورة التي كانت تزين رسغ يدها منذ الأمس ولكنها استيقظت مبكرا على اختفائها بعدما غفلت عن الانتباه ولم تدرى متى فقدتها لينتفض عقلها من ثباته ويجعلها تعي على هفوتها في وقت راحتها فتحدث نفسها الان بحيرة
يا ترى راحت فين بس يا ربي انا مش كد زعل امي دي أغلى هدية جابتهالها في عز حوجتها 
في منزل حماد القناوي
كانت الأسرة مجتمعة بأكملها تقريبا على مائدة الطعام في تناول وجبة الإفطار تترأس الطاولة الحاجة حسنية
وبجوارها من الناحية