لأجلها بقلم امل نصر


إيه شكلي اتلهيت ونسيت الصورة حتى مش فاكرة حطيتها فين... آه!
صدرت الأخيرة منها پألم حقيقي حين حطت أنامله تقبض على عنقها ككلابة حديدية يضغط بكامل قوته حتى كاد أن ېقتلها خنقا بالفعل لولا أنه استدرك فعلته قبل فوات الأوان حين رأى التغير السريع في ملامحها إذ تحولت بشرتها إلى الاحمرار الداكن بسبب احتباس الډم وعدم وصول الأكسجين واتسعت عيناها بشكل غير طبيعي وهي تناظره پخوف وذعر.
استفاق نازعا كفيه عنها يراقبها وهي تأخذ أنفاسا عميقة ومتقطعة وكأنها تتعلم التنفس من جديد. تبع ذلك نوبة سعال قوية ومؤلمة وجسدها يحاول من خلالها إدخال أكبر قدر ممكن من الأكسجين.
حتى إذا استردت بعضا من وعيها تطلعت بعينين باكيتين تؤنبانه
حرام عليك كنت هتاخد روحي فطيس عشان صورة! تهون عليك روح بني آدم على حاجة ما تستاهلش قيمتها إيه المرا دي عندك عشان تودي روحك في داهية ولا لما أنت حاببها جوي كده ما اتجوزتهاش ليه بعد ما اتطلقت من عرفان
ما لكيش صالح!
صړخ بها وقد التمعت عيناه لأمر لم تفهمه لينهي بټهديد صارم
قدامك بكرة يا نورة. إن ما جبتيش الصورة يبقى اللي وقفته من شوية هكمله المرة الجاية وقولي على نفسك يا رحمن يا رحيم.
بنت الجنوب 
يوم اختبار جديد قد تم الانتهاء منه بعد ليلة من السهر والقلق يليه انتظار أمام لجنتها حتى الاطمئنان على خروجها مبتسمة كالعادة فلا يتبقى سوى انتظار النتيجة.
أما الآن فقد حان موعد العودة إلى المنزل الكبير وقد كان اليوم ممتلئا بالأشخاص بحضور الشقيقات المتزوجات وأطفالهن.
حسنية التي تترأس الجلسة كعادتها بصحبة منى وزوجها مع غياب باقي الشقيقات المنشغلات في المطبخ والأعمال المنزلية لوالدتهن.
يا مساء الخير دا الحبايب كلهم موجودين!
ألقى حمزة تحيته مرحبا ليقابله منصور فاتحا ذراعيه بمبالغة في رد التحية
نسيبي الغالي وحشتني يا غالي!
تقبل حمزة عناقه مرحبا بشك قائلا
وفاتح دراعاتك وبتحضن كمان لا شكلك رايق النهارده. يلا المهم إنك وحشتني أنت كمان. وأنت يا بت يا منى عاملة إيه مش عادتك تبقي هادية
أومأت له بابتسامة كإجابة فتكفلت والدتها
بالرد عنها قبل أن تتجه بالحديث إلى البقية
سيبوا منى في حالها مش فايقالكم! طمنينا يا بت يا ليلى عملت إيه في الامتحان سبع ولا ضبع
ضحكت ليلى ليأتي الرد من معاذ الذي هلل بتفاخر
سبع وسبع الرجال كمان يا حسنية! حرمنا المصون كدها وكدود.
يا خوي وإحنا نكره يعني!
قالتها منى وهي تسحب ليلى لتجلسها بجوارها بعد أن اقتربت منها الأخيرة لتصافحها وتقبلها فيأتي دور مزيونة التي دلفت خلفهم مع ريان
آهه والبرنسيسة التانية كمان جت! تعالي يا ندلة يا اللي ما بتسأليش. لازم أنا أسأل لكن أنت لأ.
شهقت مزيونة مهرولة إليها بطيبتها
يقطعني يا حبيبتي هو أنا أقدر أستغنى عنك برضو حبيبتي يا غالية والله ملخومة في امتحانات ليلى.
قابلت منى عناقها بحب دون جدال فتدخل حمزة مدافعا عن زوجته
بتبرري ليه يا ملكومة أنت على أساس هي مقطعة رجليها على البيت
ردت منى بغيظ
شوف البارد ده كمان! أنا ليا عذري يا حبيبي.
عذر مين يا أم عذر كان على رجليك نقش الحنة يا أختي
قالها حمزة بسخرية فجاءه الرد من منصور ضاحكا
لاه يا غالي بس حامل...
هي مين اللي حامل
ضحك منصور ليعود ويؤكد بزهو
المدام يا عمنا منى أختك حامل!
شيء من الذهول أصاب حمزة وهو يلتفت نحو شقيقته التي صارت تتلقى التهاني من مزيونة وابنتها وشقيقها معاذ لينضم إليهم مهنئا بعد أن تأكد من صدق صهره
مبروك يا منى مع إنك موقفة من كذا سنة أنا افتكرتك استكفيت...
لا يا حبيبي استكفينا إيه هو في حد يستكفى من العيال برضو
تفوه بها منصور بعفويته غافلا عن أثر كلماته على من يرسم الإبتسامة اندماجا معه لكن داخله غصة تكونت في حلقه لا يستطيع البوح بها.
فردت منى بغيظ من زوجها
طبعا يا حبيبي هو أنت محتاج تعبر ولا تتكلم أصلا والله يا حمزة واخدة كل احتياطاتي وحالفة من جوايا ما أكرر الغلطة تاني لكن إرادة ربنا غلبت أكيد من دعوات الفقري ده أنا عارفة لما يحط دماغه في حاجة...
ضحك زوجها بصخب أمام تعليقات البقية وتهنئتهم ليصيب الصمت حمزة وهو يتابعهم.
أما معاذ فصار يهلل بقدوم طفل سيكون أصغر من طفله كي يأخذ فرصته ويضربه إن لزم الأمر!
وليلى التي كانت تقيس بطنها بجوار منى وقد كانت متقاربة معها في الحجم تقريبا ولا تختلف عنها سوى بفرق قليل رغم فرق شهور الحمل بينهما.
حسنية تنظر إليهم برضا بينما مزيونة التي ظهرت عليها الفرحة بحق لم تنتبه إلا مؤخرا إلى نظرة زوجها الغريبة إليها قبل أن يقوم ويستأذن مغادرا فصارت تتبعه بعينيها حتى اختفى خارج المنزل وعقلها قد وصل أخيرا إلى سر حالة الغموض التي تكتنفه.
بنت الجنوب 
سألت عن مقر تواجده حتى وصلت إليه لتطأ قدماها ذلك المكان الجديد عليها رغم عدد الشهور التي قضتها في المنزل منذ زواج ابنتها ثم زواجها هي أيضا لتصبح فردا من العائلة. هذه أول مرة تدخل الإسطبل.
تلك المساحة المصممة بعناية من الخشب الداكن الذي اكتسب لونا عتيقا بفعل الزمن. رائحة التبن الجاف النظيف وجلد السرج المدبوغ تفوح في الهواء ممزوجة بعبق ترابي لطيف. وعبر السقف المائل تتسلل أشعة شمس الأصيل الذهبية لتستقر في شكل أعمدة من النور.
وفي ركن الإسطبل حيث الضوء أكثر خفوتا وقعت عيناها عليه. يقف بوضع شبه ثابت يسند ظهره إلى إحدى الدعامات الخشبية نظراته مثبتة على حظيرة واسعة قليلا حيث ترقد الفرس الأم وإلى جانبها كان المهر المشاغب
الذي لا يكف عن الحركة حتى نهض ليشغل المساحة حولها بالقفز يمينا ويسارا. مشهد يسر العينين وهو يراقب بصمت ثقيل.
تبدو على ملامحه علامات الإرهاق والهم بالتأكيد هي انعكاس لما يدور برأسه من أفكار تعلمها جيدا.
حمزة...
نادته كي تنتشله من شروده وتجذب انتباهه إليها فتعلق بصره بها حتى اقتربت منه تخاطبه بابتسامة يشوبها الاضطراب
إيه الحكاية طلعت من جارنا واختفيت فجأة! حضرنا الأكل وبقينا ندور عليك عشان تتغدى معانا مش لاقيينك غير بس الواد ابن أختك منى هو اللي دلنا وقال إنه شافك كنت داخل عند الفرسة من يجي ساعة معقولة كل ده قاعد بتتفرج عليها يا حمزة
حمحم بصوت خشن ليجيبها بفتور
عادي يعني أنا ممكن أكون سرحت ونسيت الوقت. على العموم أنا أصلا ما ليش نفس. روحي اتغدي إنت معاهم عادي وأنا شوية كده وهاجي أشرب الشاي معاكم بعد ما أعمل مكالمتين مهمين.
لم تستجب بل تجمدت برهة قبل أن تباغته بقولها
حمزة هو إنت زعلان عشان مني طلعت حامل
احتد بصره نحوها بضيق ينفي مستنكرا
لا طبعا! إيه اللي بتقوليه ده هحقد على أختي وجوزها يعني نقي كلامك يا مزيونة!
شعرت بالحرج حين انفعل عليها لتعبر عن أسفها بصوت مخټنق وعين احتجزت فيها الدموع
معلش أنا آسفة.
همت أن تلتف وتبتعد عنه وقد تحركت
قدماها خطوتين إلى الخلف كي تغادر ولكنه كان الأسبق يمنعها قابضا بيده القوية على ساعدها ليردها إليه
رايحة فين وهتسيبيني أنا لسه سمحتلك تمشي أصلا
قال الأخيرة بنبرة مازحة ليرفع ذقنها إليه متطلعا إلى عينيها التي التمعت بالعبرات فزاد ذلك من ثقل ما يشعر به ليضمها بين ذراعيه دون سابق إنذار مرددا بندم
ما عاش ولا كان اللي ينزل دمعتك حتى لو كان حمزة نفسه.
تلقت مبادرته بلهفة لتشد عليه بذراعيها تسند رأسها على صدره الدافئ وفي رحب حضنه الذي تجد فيه ملاذها لتقول
أنا حاسة بيك يا حمزة وعارفة إن اللي جواك مش حقد ولا غيرة عفشة. إنت نفسك تخلف مني وأنا أكتر والله بس... بس...
بس إيه يا مزيونة بس إيه بس اتكلمي الله يرضى عنك خلينا نشوف لو في مشكلة نحلها.
لم يكن حديثا بل كان رجاء وكان ردها الصمت. شعر برجفتها واضطراب أنفاسها لقد بدأت تتخذ الأمر بجدية لكنها تحتاج إلى الجرأة
أنا معاكي يا مزيونة وهصبر عليكي بس المهم تاخدي الخطوة معايا وتجمدي قلبك. شوفي نبتدي بإيه دكتورة نسا ولا دكتورة نفسية تاخدي وتدي معاها في الحديت
أيضا كان ردها الصمت لكنه لم يدم طويلا هذه المرة حين قطعته قائلة
لا دكتورة النسا ولا النفسية هيجبوا فايدة إن ما كنتش أنا مستعدة. اصبر عليا شوية كمان يا حمزة هانت...
أغمض عينيه وتنهد بتعب يقبل مقدمة رأسها عدة مرات قائلا بقنوط
أصبر عليكي مية سنة كمان ولا يهمك يا قلب حمزة.
رفعت وجهها المغرق بالدموع تتبسم في تضاد مع هيئتها لتقول بعشق صادق
أنا بحبك قوي يا حمزة وبحب ريان عشان بشم ريحتك فيه حتى أحيانا بتمنى أجيب عيل شبهه يعني يبقى واخد منك ومنه.
ظهرت أسنانه البيضاء نتيجة ابتسامة متسعة حلت بزاوية شفتيه بعد سماعه ولأول مرة لرغبتها في الإنجاب منه. إذن قد اقتربنا ليغمره الفرح بعد كلماتها فيأتي رده العملي على الفور إذ دنا بوجهه يقبل ثغرها الذي ألطف على قلبه بما يتمنى سماعه.
بادلته مستجيبة بلهفة فإن كان يرغبها ويرغب الإنجاب منها مرة فهي أيضا تعلقت بقربه وأصبحت ترغبه وترغب
الإنجاب منه آلاف المرات.
بنت الجنوب 
داخل حجرة المدرسات وقد تقلص عدد اللاتي يعملن في ذلك الوقت إلى اثنتين فقط تقومان بالأعمال الإدارية. كانت إحداهن اعتماد والأخرى في المكتب المقابل لها.
كل واحدة منهكة فيما يخصها حتى رفعتا رأسيهما في اللحظة نفسها تزامنا مع الرائحة التي هبت فجأة تتخلل أنفاسهما مع دخول إحدى السيدات الجميلات برداء العباءة السوداء الباهظة الثمن.
وقفت لحظة تطل بكليتها من مدخل الباب وبابتسامة سامة ألقت التحية على المرأة ثم على
اعتماد التي أصابها الذهول وهي تراها
صباح الخير يا أبلة عطيات... صباح الخير يا... أبلة اعتماد! ولا أقولك يا ضرتي أحسن
خرجت الأخيرة بصوت خفيض إلى حد ما لتصل العبارة واضحة إلى اعتماد من تلك المسافة القريبة. أما عطيات فقد انتفضت من محلها ترحب بها بمبالغة
يا أهلا يا أهلا بالست هالة ست الناس بنت العيلة! ده إيه الطلة البهية دي!
قابلت هالة تحيتها بتواضع مزيف تصافح المرأة وتتبادل معها الحديث بعجالة أمام اعتماد التي أصابها الذهول بالخرس والتصقت بالمقعد تراقب الحديث الذي يبدو وديا أمامها
عاملة إيه عاملة إيه الست حسنية يا رب تكون بخير. سلمي لي عليها يا شيخة من بدري ما شفتهاش.
ما تشوفي وحش يا حبيبتي هي زينة الحمد لله بس إنت عارفة عاد هي طول الوقت مشغولة في البيت المليان بعيالها وعيال عيالها.
ربنا يزيدكم ويبارك يا حبيبتي. أنا لازم أعدي عليها بنفسي. لكن إنت ما قلتليش جاية النهاردة عشان تقديم البنت برضه
نفت هالة بابتسامة غير مفهومة وعينها اتجهت نحو اعتماد تجيبها
للأسف يا غالية أنا مش جاية عشان البت دي موضوعها اتحل من البداية والفضل طبعا يرجع لأبوها ربنا يخليه. إنما