لأجلها بقلم امل نصر


هدوئه وصفائه إلا أن الفرد لا يضمن غدر أمواجه.
............................................
في وسط الدار وقد كانت الجلسة بين الجهتين على أريكتين خشبيتين جلس عليهما الذين قدموا منذ دقائق مع الذين حضروا قبلهم. وهي بينهم يعصف بها التشتت فتجاهد بصعوبة السيطرة عليه.
ياليتها تذكرت أي شيء في العالم غيره تلك الصدفة العجيبة الغريبة كيف لها التعامل معها منقسمة بين شقي رحا لا هي قادرة على الترحيب بالضيوف جيدا ولا بقادرة على التبرير للرجلين الكبيرين اللذين التزما الصمت الآن بغموض يضاعف من قلقها لتتولى منى مهمة التقديم
دي تبجى أمي يا مزيونة الحاجة حسنية مرات الحاج حماد القناوي هي اللي أصرت تشوفك وتطمن على ليلى القمر بعد ما عرفت باللي حصلها.
أومأت بهزة من رأسها وصوت بالكاد وصل لأسماعهم
يا أهلا يا أهلا وسهلا بيكي يا حجة نورتينا.
قابلت حسنية استقبالها ببشاشة وحنو فتلك طبيعتها عاطفتها أقوى جزء حي بها مما يمثل ميزة هامة بشخصيتها وعيبا أيضا!
يا أهلا بيكي يا بنيتي تبارك الله فيما صور اللي يشوفك ميظنش واصل إنك متجوزة أصلا مش مخلفة كمان وبتك عروسة تبارك الرحمن. أومأت بشبه ابتسامة تستجيب لها على استحياء
دا بس عشان عيونك الحلوة يا خالتي مكانش ليه لزوم الزيارة والتكلفة.
ردت حسنية وأبصارها اتجهت نحو ليلى
تكلفة إيه هو إحنا عملنا حاجة دي حاجة صغيرة للبت الجمر ألف سلامة عليكي من كل شړ. شالله العفشين اللي تعرفوهم.
بالضبط كان قصدها واضحا عن والدها لتضاعف من ثقل ما يجثم على ظهر مزيونة حتى تدخل حمزة
أمي اللي في جلبها على لسانها يا جماعة متأخذوناش متأخذهاش يا عم جاد ولا إنت يا شيخ خميس والله لو أجولكم هي زعلت كيف أول ما حكتلها باللي حصل ما هتصدجوا زعلت كيف
خرج الحاج خميس عن صمته قائلا
مصدجين يا ولدي محدش في الدنيا يرضى بالافترا لكن إيه في إيدينا بجى
عقبت حسنية مفاجأة الرجل عندك حق يا عم الشيخ كلامك كله حكم لكن لا مؤاخذة في السؤال هو الشيخ مبارك أبو العنين يقربلك حاجة يعني عشان فيك شبه منه.
تهللت أسارير الرجل مندمجا معها
مبارك أبو العنين يبجى أبويا. هو إنت كنت تعرفيه
إيوة أمال إيه أنا كنت باجي عنده الكتاب ويحفظني بس كان شديد جوي وعصايته واعرة. ضحك الحاج جاد هو الآخر متدخلا معهما
عصايته كانت واعرة مع الكل بس ربت أجيال.
إنت هتجولي دا أنا حافظة نص المصحف.
ما شاء الله. طب إنت بت مين يا حاجة عشان أعرفك 
وهكذا صار يدار الحديث بين الرجلين والمرأة والدة حمزة لتخفف عنها قليلا. أما منى فاستغلت كعادتها لتجاورها وتمزح معها حتى استرخت داخلها واتزنت قليلا لتتذكر واجب الضيافة والأصول في الترحيب بالجميع. ولكن ما همت بأن تنهض محلها إلا وتفاجأت
كالجميع باندفاع الباب الخارجي بقوة. يطل أمامهم ذلك المتغاشم بجسده الضخم متحفزا بتبجح يقول
يا ما شاء الله يا شيخ خميس إنت والحاج جاد كمان لا يكون دا قراية فاتحة ولا اتفاج على كتب كتاب
انتفض الرجلان الكبيران ومعهما حمزة الذي عقب مستنكرا
إيه يا أخينا أنت داخل حوش ولا زريبة البيوت ليها حرمة مسمعتش عنها دي
تمتم عرفان قائلا مقابلا إياه بټهديد ووعيد
أنت تخرص خالص ومسمعش نفسك.
إما نسمع مين نسمعك أنت! إيه اللي دخلك بيتي أصلا يا عرفان تمتمت بها مزيونة لتتقدم إليه وتواجهه ببغض وكره وقد ضاقت منه ومن أفعاله.
فخطا ليقتصر عليها نصف المسافة ويقترب منها قائلا بفحيح وكلمات ذات مغزى
ومتسمعيش ليه ليكي راجل تاني غيري ولا هما الأغراب أحسن مني ولا يكونش كمان اللي كرهتيه زمان غيرت رأيك فيه دلوك وهتحبيه
تحرك الشيخ خميس من محله يريد كبح هذا الثور
عرفان يا ولدي عيب عليك دي معدتش مرتك عشان تعمل عمايلك دي.
لم تنتظر مزيونة دعم أحد منهم بعد أن استفزها بتلميحه الوقح لتخرج عن طورها الهادئ وتضربه بقبضتيها على صدره غير عابئة بالفرق الجسدي الهائل بينهما
طبعا دا العادي منك واحد عديم الأدب لازم يظن الناس كلها زيه حل عني بقى حل عني.
قبض بكفيه على رسغيها حتى كاد أن يكسرها مرددا بغل
يدك دي اللي طولت هكسرهالك ولسانك اللي جل أدبه عليا هجطعهولك يا مزيونة عشان إنتي عايزة رباية من أول وجديد.
ومين اللي هيسمحلك تمتم بها حمزة قبل أن ينقض عليه بلكمة قاضية جعلته يخلصها من يده سريعا وبخفة وما إن استعاد توازنه حتى هم أن يردها بأضعاف كما يصور له غروره ولكن الرجل العجوز الشيخ خميس تصدر له
اخزي الشيطان يا عرفان أنت اللي دخلت تتهجم ومحدش راح جابك من بيتك.
لولا عجز الرجل وخوفه من الڤضيحة إن مسه السوء بسببه كان دفعه دون ذرة ندم واحدة ولكنه مجبر على احترامه
شيطان مين يا شيخنا يعني أنا أشتكيلك من الواد وأخوه عشان يحلوا عني مرتي وبتي أجي دلوك ألاقيك بتضايفه هو وعيلته الخسيس.
محدش خسيس غيرك وهي معدتش مرتك أو بتك رددت بها حسنية من خلفه في رد له بعد أن فاض بها منه ليتفاجأ بها مغمغما بعدم احترام
نجطينا بسكاتك إنتي كمان يا مرة يا خرفانة ولمي عيالك عن مرتي وبتي.
شهقة خاڤتة صدرت من حلق منى تتمتم بالسباب نحوه أما حمزة فقد فضل الرد بعملية ينوي أن يلقنه درسا لن ينساه. لكن مزيونة قد سبقته صاړخة
اطلع من بيت أبويا يا عرفان أنا حرة أدخل فيه اللي أنا عايزاه وفوج لنفسك بقى واعرف إن طليجتك.
أفوج لنفسي وإنتي كمان حرة طب أنا هردك من عشية يا بت الأحرار وريني هتجدري تمنعي نفسك عني إزاي عشان تعرفي قيمة السنين اللي فاتت لما كنت سايبك على راحتك إنتي وبتك.
قالها ليرى تأثير كلماته عليها وقد دارت الأرض بها في لحظات وتلاحقت أنفاسها بړعب تتخيل العودة إلى جحيمه مرة أخرى وقد رحل والدها الذي فرض عليه الشروط سابقا ولم يبق لها سوى شقيقها الطيب الذي تخشى عليه من تجبره وابنتها الصغيرة التي سوف يضحى بها دون تراجع في رحلة انتقامه منها. لتتكرر مرة أخرى مأساتها في ابنتها.
عند خاطرته الأخير فقدت الشعور بالزمان والمكان ولم تعد تعي بالعالم حولها ولا بسقوطها أرضا ولهفة الجميع نحوها من أجل نجدتها ولا بصړاخ ابنتها
أما جومي ياما متخلعنيش عليكي ياما أمااااااا.
................
بعد وقت ليس بالقليل استعادت وعيها وفتحت عينيها تفتح عينيها للضوء أخيرا بعد لحظات من الترقب والمحاولات الكثيرة لإفاقتها فكان أول شيء تراه أمامها وجهه وهو يبتسم نحوها براحة بعد أن اطمأن عليها أخيرا. تلك الساعة التي مرت عليه لم ير في صعوبتها على مدار عمره بأكمله حتى عند مرض ابنه الوحيد أو أحد أشقائه أو والدته كان دائما يحتفظ ببأسه إنما معها كان خوفه مضاعفا. كان يخشى فقدانها أو رفضها للواقع والهروب منه كما يحدث مع الأشخاص الرقيقة مثلها من الذين ترهقهم ضغوط الحياة وبشاعتها. ولكن كلمة السر في استمرارها وجعلها تحارب لآخر نفس ما زالت تأتي بفائدتها حتى الآن.
ليلى ليلى بتي فين نطقت بالاسم المميز تعتدل بجذعها بهلع وعيناها تجولان بړعب داخل الغرفة البيضاء فسارع هو بطمأنتها
إهدي يا ست مزيونة لا تضري نفسك إبرة المحلول لسه في يدك.
نظرت نحو ما يشير بظهر كفها لتستدرك وضعها مع عدد من علامات الاستفهام التي كانت تحيط بها حتى عبرت عنها
أنا إيه اللي جابني هنه وبتي فين و...
قطعت في الأخير بمغزى فهم عليه لييدا الإجابة بالسؤال غير المنطوق
أني جيت بيكي على الوحدة الصحية لما وجعتي من طولك وسطينا وحاولنا نفوقك كتير ومعرفناش. أمي والشيخ خميس كانوا معانا في نفس العربية بس الشيخ راح يصلي بعد ما اطمن عليكي
وأمي يدوب سابتك وراحت حمام الأوضة اهو اللي جدامك ده.
وأشار بأصبعه نحو أحد الجوانب لتتأكد من صدق قوله ثم أضاف
أما بجى عن ليلى فدي خوفنا نزود عليها بالمشوار ورجت العربية على دراعها المكسور. إنتي عارفة الوحدة هنا جريبة من الجبل وطريقها مش معدل. منى جاعدة معاها ومش هتسيبها لحد ما ترجعيلها بنفسك. اطمنتي يا ستي.
اطمنت! تمتمت بها لتشرد أمامه بوجه کسى عليه الهم وقد فهم هو ما يقلقها
متشليش هم عرفان. أنا خلاص سويت أمره ولا هيجدر يمس شعرة منك تاني.
تساءلت بعدم فهم
كيف! كاد أن يجيبها ولكن خروج والدته من المرحاض وترحيبها الحار باستفاقتها جعله يتوقف قليلا
وه يا بنيتي حمد الله على سلامتك. أخيرا فوقتي بعد ما نشفتي دمنا عليكي.
تبسمت لها مزيونة ممتنة بتعب وإحراج
الله يخليكي يا ست الحجة والله أنا في نص هدومي منك. أول مرة تخطي بيتنا وتلاجي الفضايح دي كلها. جاورتها حسنية على التخت الطبي تعاتبها بلطف
أخص يا بتي وإنتي إيه ذنبك بس في غلط جوزك الراجل العفش ده حبيبتي إنتي ولية مکسورة الجناح وهو بيتشطر عليكي. جادر ربنا ياخدلك بحقك.
ومين هيسيبه يعملها تاني ولا حتى هيقدر يخطي البيت من أصله. جاء صوته كمنبه يجذب أنظارها إليه فتتذكر قوله منذ قليل لتتوجه إليه باستفهامها
دي المرة التانية تتكلم جصدك إيه
أجابها بثقة حتى تعي وضعها الآن ووقوفها على أرض صلبة مدامها في حمايته
جصدي الغضنفر زمانه دلوك في قسم الشرطة وبيمضي على تعهد بعدم التعرض ليكي مرة تانية وإلا مايلومش إلا نفسه. أنا وصيت عليه بالجامد عشان يعمل دكر تاني على الولايا وساعتها يشوف هيحصله إيه
تطلعت إليه وكأنها تستجدي الصدق رغم رؤيتها للجدية بكل وضوح تعلو تعابيره. فأضافت حسنية لمزيد من التأكيد
إيوه يا بتي حمزة ولدي ميقولش كلام فالهوا دا عنده معارف ياما في الحكومة يعني مش هيغلب في واحد زي عرفان ده اللي شايف نفسه ياما هنا ياما هناك. ربنا يكفينا شره.
كادت مزبونة أن تبكي وهي تردد كلمات الشكر والامتنان هل بالفعل انزاح كابوس عرفان تتمنى من الله ذلك. تمالكت في الأخير لتحاول النهوض عن تختها
طب أنا عايزة أروح بيتي دلوك عايزة أطمن بتي
عليا أكيد هي قلقانة أكتر مني.
أشار لها حمزة يناشدها
استني بس يا ست مزيونة دقيقة بس الله يرضى عنك بجي يطل عليك الدكتور الأول حتى نشوف تعليماته إيه
طب وبتي
بتك خدي كلميها بنفسك يا ستي أنا هكلم منى تديها تلفونها وهخليكي تكلميها فيديو كمان.
تتهللت ملامحها بارتياح وتابعت اتصاله بالفعل. وبجوارها حسنية تطالعه بعدم تصديق تعاونه المستمر وهلعه على المرأة وقت وقوعها إنها لم تراه بهذه الصورة إلا نادرا الهذه الدرجة يشفق على المرأة المسكينة وابنتها! ربما!
..........................
أما في منزل مزيونة
اطمأنت ليلى على صحة والدتها بمكالمتها بالصوت والصورة عبر الهاتف. هدأت سريرتها لتتلقى الدعم من منى
التي لم تتوقف عن بث الأمان فيها عبر المزاح مرة والجدية مرات
ها يا حبيبة جلبي خلاص اطمنا على مزيونة وشوفناها بعنينا يبجى