لأجلها بقلم امل نصر


له تعقب هامسة هي الأخرى
ما تسيبه صاحي الدنيا مطارتش مسيره هينام.
غمغم خلفها بحنق
شوف المرة! ده على أساس إنه بالمنظر ده فيه أمل ينام قبل الفجر ده أنا بدعي من نص الفرح إن عينه تغفل تقوليلي مسيره!
لم تخف ابتسامتها هذه المرة تنهاه بتحذير
اعقل يا حمزة وبلاش التفكير المنحرف الواد كان فرحان لعمه وراح ميعاد نومه يعني شيء عادي السهر.. وبعدين الطريق لسه قدامنا.
غمغم حمزة بحنق
طريق إيه هو أنا مركز فيه أصلا أنا مركز في اللون الجديد.. أكيد لما يتفرد الشعر بشكله الحلو ده على حاجة شفتشي من ضرفة العجايب في الدولاب بتاعنا هيبقى ضړب ڼار.
غمره الحماس في الأخيرة بشكل واضح حتى أثار اندهاشها فجاء صوت تثاؤب ريان كبشرى ليأمل خيرا ولكن سرعان ما خاب أمله مع سماع صوت الصياح يعلو من ريان في اندماجه بتلك اللعبة الجديدة على هاتفه.
فاضطر حمزة أن يخاطبه مباشرة
ريان يا حبيبي عمال تتثاوب وإنت مش حاسس اتك بجسمك على الكنبة ونام كلها عشر دقائق ونوصل.
رد ريان بلهفة وكأنه في مدرجات تشجيع فريق كرة القدم
لاه يا بوي النوم راح مني خلاص يعني ممكن أسهر لبكرة عادي!
اممم تسهر لبكرة عادي كمان
غمغم بها حمزة ساخرا ليواجه برد زوجته
أهو قالك إنه ممكن يسهر لبكرة عادي أنا من رأيي تنام أنت وتريح نفسك.
ناظرها حمزة بتحد رغم اندهاشه من جرأتها
والله ولو لأسبوع قدام أنا برضه قاعد قباله لحد ما ينام وإنتي هتلبسي الشفتشي اللي اختاره وتفردي شعرك المصبوغ.. وراكي وراكي يا مزيونة.
...يتبع 
شوفوا انا مكنتش بتكلم عن التفاعل الفترة اللي فاتت لكن مدام دخلنا في الجد وعايزين نخلصها قبل رمضان شدوا حيلكن بالتفاعل عشان ننزل بالفصول ورا بعض ماشي ...
....يتبع
الفصل السادس والخمسون
توقفت السيارة المزينة بالورود بعد رحلة طويلة إلى حد ما عقب خروجها من البلدة والمحافظة بأكملها لترسو هنا أمام
بوابة حديدية كلاسيكية تطل على النيل بما يخالف توقعاتها التي ذهبت إلى أشياء أخرى يفاجئها بها.
فالتفتت إليه باستفسار امتزج بدهشتها وكان الرد ابتسامة ساحرة منه وهو يطفئ محرك السيارة بهدوء شديد قائلا
وصلنا يا جميل.. انزلي ياللا...
ردت بمزيد من الاستغراب
وصلنا فين إحنا لسه في وسط الطريق! وبعدين إيه المرسى ده أنت واخدني فين بالظبط
فتح باب السيارة من ناحيتها وبحركة مسرحية لوح بذراعه يدعوها
ممكن بس اعتماد هانم تشرفني بنزولها وهي تعرف من نفسها دلوك كل حاجة.
اضطرت أن تستجيب رغم ترددها لتضع يدها داخل كفه الممدودة لها كي يساعدها على الترجل بفستانها الأبيض الذي اختارته بعناية شديدة خاليا من التطريز الكثيف معتمدا فقط على نقاء اللون الأبيض وتناغم طبقات التول مما جعله خيارها الأمثل لليلة عمرها وقد حرصت أن تجعلها مميزة وكأنها أول تجربة زواج لها وفي نفس الوقت لا تبالغ.
أما عنه فقد تناول يدها ليلفها حول ذراعه ويسحبها لتسير معه بغموضه وهو يقول
بمناسبة إني بحب النيل أكتر واحد كان صاحبي اللي ياما سمع شكوتي في أيام تعبي وأنه دايما كان الملجأ اللي بهرب إليه من الدنيا دا غير إنه حمل أحلى ذكرى جمعت ما بينا وكانت البداية الحقيقية لقصة عشقي ليكي بصراحة مكنش ينفع كمان إني أفرح من غيره لأن من غيره أساسا هحس إن في حاجة ناقصاني.
ما زالت تنظر إليه بترقب تستوعب الكلمات ورأسها يدور نحو مقصده حتى إذا اقترب بها من حافة النهر بانت الرؤية عبر تلك الإضاءة الخاڤتة على طول الممشى لتظهر أمامها باخرة عملاقة تتلألأ أضواؤها المنعكسة على صفحة النيل.
فتسمرت قدماها بوجل وأنفاسها توقفت بانبهار
خليفة! إحنا داخلين هنا
قبلة حانية من شفتيه حطت على ظهر يدها قبل أن يجيبها
داخلين هنا يا قلب خليفة نبتدي بيها أول أيام حياتنا سوا والعسل كله نقضيه وإحنا ماشيين في قلب النيل بعيد عن الزحمة والدوشة.. مفيش غيري أنا وأنتي والنيل وبس وبعض البشر اللي ملناش دعوة بيهم ولا نعرفهم.
كادت أن تبكي من السعادة فما تراه أكبر من تخيلها وفاق كل توقعاتها لترد بابتسامة واسعة وعينين تلمعان
بجد يا خليفة أنا مش مصدقة.. دي أجمل مفاجأة كان ممكن أتخيلها أنت عملتها إزاي وجاتلك الفكرة كيف
رنت ضحكته الجميلة حتى مالت رأسه للخلف ثم رد ويده تسحبها مرة أخرى للسير
دا سؤال برضو ما قولتلك إني بحب النيل واللي يحب يلاقي الطريقة أكيد بس للأمانة يعني اللي ساعدني في الحجز بالسرعة دي حمزة أخويا بعلاقاته أنا قولتله عن رغبتي وهو مكدبش خبر...
توقف ساحبا نفسا قويا ثم تابع وعيناه تعانقان خاصتيها
تستاهلي الدنيا كلها تحت رجليكي يا اعتماد مش بس جناح ملكي في باخرة على النيل والله لو أملك كنت أجرتها كاملة بفرقة موسيقى تعزف لنا رومانسي طول ما إحنا ماشيين في المية.
ضحكت بمرح لتزيد من ضم ذراعيها حول ساعده تعبر عن دهشتها
وه يا خليفة ناقص كمان تفرشلي السجادة الحمرا والورود ع الجانبين! والله أنت ما طلعت هين أبدا إلا قولي صحيح هي هتبحر بينا لفين
قبل أعلى رأسها مستمتعا بدفئها وقد حان موعد صعودهم باقترابهم من الباخرة
الرحلة هتكون من الأقصر لأسوان عشان ناخد متعتنا كاملة في أحلى حتة من النيل
.......................
لحظة الحقيقة تلك التي لا تدركها الا متأخرا وبعد
فوات الأوان يأتي طعمها مرا كالعلقم في الحلق لا أنت بقادر على العودة إلى الوراء وإصلاح الخطأ ولا متقبل للواقع الذي غرزت به أقدامك.
ذلك ما يدور بخلدها الآن ويمنع عنها حتى النوم وهي على الفراش الذي جمعها وطفلتيها في غرفة نومها وقد حدث ما كانت تهرب منه دائما تزوج خليفة وألقى الماضي خلف ظهره.. لم يكن حب العمر ولكنها كانت معه ملكة وسيدة البيت.
أما هنا وبداخل منزل والديها فهي منبوذة داخل غرفتها التي حبست نفسها بها بإرادتها خشية النظرة القاټلة التي سوف تقابلها من الجميع نظرة الشفقة بأن من يخصها فضل عليها غيرها. ربما كانت مبالغة في عقدتها وذلك الأمر يحدث مع الكثير من النساء ولكن من تتقبل أو تتخطى تلك هي الشجاعة بذاتها وهي أبدا لم تكن من تلك الفصيلة.
ولكن هذه المرة الأقسى بكثير والخسائر تأخذ من كرامتها وكبريائها و... طفلتيها زهرتيها اللتين تحتضنهما الآن لا تعلم ماذا سيكون مصيرهما معها غدا بعدما خطت بيديها ورقة الأسر لذلك المچنون مقابل حرية زائفة دفعت ثمنا باهظا مقابلها.
وكأنه دخل عقلها في تلك اللحظة وأبى أن يتركها دون أن يقلق راحتها ليجفلها من شرودها صوت الهاتف الذي صدح بنغمة اتصاله بها إلا أن حالتها لم تكن تسمح لتحمل التحكمات أو أي كلمة قاسېة تزيد من چروحها لتجد نفسها وبدون أن تشعر تضع يدها على شاشة الهاتف تنهي الاتصال بالرفض ثم أغلقته نهائيا لتضع رأسها بعد ذلك على الوسادة وتزيد من ضم صغيرتيها إليها لعلها تجد الأمان بقربهما وتستطيع النوم.
.......................
خلف الشرفة الزجاجية الكبيرة وقفت اعتماد تراقب بانبهار بعد أن تحركت الباخرة ببطء من مرسى الأقصر فبدت أضواء معبد الأقصر على البر الشرقي كأنها جواهر ذهبية منثورة على حافة النهر والمياه خلف الباخرة تتكسر إلى أمواج فضية صغيرة تعكس ضوء القمر المكتمل.
كم كان المشهد جميلا يسر العين ويخطف القلب! ومن خلفها أغلق خليفة الباب بعدما أعطى عامل الباخرة عددا من الأوراق المالية جزاء حمله الحقائب ووضعها في الجناح.
خلت الأجواء له الآن فوقف يراقب باستمتاع تعابير وجهها أمام ما تراه من سحر لتبدو وكأنها طفلة دخلت عالم العجائب الذي خطڤها داخله حتى رددت بما يجول في خاطرها
بص كدة يا خليفة المدينة بتبعد والهدوء بيسحبك.. أنا عمري ما شوفت النيل بالجمال ده كأنه لوحة مرسومة.
اقترب يلتصق بها ليهمس لها ويشاركها اللحظة كأنه دخل نفس عالمها
إحنا دلوك في رحلة عبر الزمن.. من هنا لحد أسوان كل شبر بنعدي عليه وراه قصة. النيل على طول مصر كلها هو خط الحياة والجمال ويزيد بقى في الصعيد أن له هيبة تانية خالص هتحسي إن الوقت وقف بينا فعلا. شوفي كدة وركزي والباخرة وهي بتبعد بينا عن البر وبيختفي إزعاج العربيات والناس مفيش غير صوت السفينة وهي بتشق المياه ونسمة الهواء الباردة تنعش روحك بريحة طمي النيل وزرع القصب على الضفتين.
وتابع بحنو
بكرة الصبح كمان لما الشمس تطلع هتلاقي الخضرة والمزارع حوالينا من كل ناحية والصيادين بيمسوا علينا بمركبهم الصغيرة.. الليل هنا سماه صافية لدرجة يجيلك إحساس إنك تقدري تلمسي النجوم بإيدك.
فاضت روحها تأثرا لتلتفت إليه قائلة
أنا حاسة إننا في عالم تاني من الخيال مفيش أجمل من كدة بداية لرحلتنا سوا بجد والله مش عارفة أشكرك إزاي أنت رسمت في عقلي لوحة حلوة جوي لأول ليلة في جوازنا مهما عدى علينا من عمر لا يمكن اللوحة الجميلة دي
تنمحي.
اممم...
تبسم يسحبها من أمام النافذة قائلا بعبث
بس اللوحة لسه مكملتش لأن ليلتنا لسه مابتدتش يا اعتماد.. جمال النيل وسحره حاجة وسحرك أنتي اللي مكمل المشهد في عيني حاجة تانية خالص.
ابتلعت ريقها تطرق رأسها بخجل تأثرا بغزله المباشر إلا أنه أبى أن يعطيها
راحتها فرفع ذقنها إليه بطرف إبهامه ليصبح وجهها مقابلا لوجهه وهو يتابع
تعرفي إنك حلوة جوي وأنتي بتتكسفي بس النهاردة مفيش بينا كسوف أنتي خلاص بقيتي في حضڼ خليفة اللي كان منتظرك بعد سنين طويلة من الصبر.
وقبل أن تستوعب مغزى جملته باغتها بأول قبلة تجمع بينهما كانت قبلة ناعمة في بدايتها بادلته إياها على استحياء لكن سرعان ما تحول كل شيء وصار الشغف بينهما هو سيد الموقف يخطفها في عالمه الخاص ويسقيها من فيض عشقه المختزن بقلبه في انتظار من تفوز به. وهي لم تكن أقل منه كرما فقد جاء أخيرا من يستحق أن تسلم له حصونها وتفتح له ينابيع الحب التي أغلقت عليها منذ مولدها دون قيد أو حساب فهو الوحيد الذي يستحق لتصير بالفعل ليلتهما الأولى لوحة جميلة خالدة في الذاكرة إلى آخر العمر.
والباخرة تواصل شق طريقها وسط الظلام الدامس الذي لا يقطعه إلا كشافاتها القوية كي تكشف مسار النهر بينما يختفي العالم الخارجي ولا يبقى سوى هدوء النيل
.................. ...
في صباح اليوم التالي
كان حمزة في ذلك الوقت يتحدث عبر الهاتف من داخل شرفة غرفة نومه والابتسامة على وجهه لا تفارقه يضحك بصوت عال وهو يستمع للطرف الآخر
يا أخي والله فتحت نفسي هاين عليا أسحب الولية على كدة وأروح أحجز في أقرب باخرة طالعة وأحصلكم على أسوان... يا عم بتشكر ليه بس هو أنا عملت إيه يعني غير إني رفعت تلفون ورنة إنما أنت... ما شاء الله عليك يعني عقلك واعي وجاب الفكرة في الوقت القصير ده!... يا حبيبي ربنا يسعدك ويهنيك