لأجلها بقلم امل نصر


وأنهى المكالمة دون حتى وداع. ظل يطالع الفراغ بشرود ها هو يهزم من جديد وتكتسح الحسړة قلبه. لماذا كل هذا يحدث معه
ما يريده يفقده وما لا يريده يظل ملتصقا به.
ذهبت عيناه پغضب نحو زوجته صفا التي كانت تتبادل الحديث مع
أطفالها وقد تركته ولم تعد تتقرب منه كأنها استغنت بهم عنه.
أإلى هذا الحد أصبح بلا قيمة حتى عند من كانت ترتمي عند قدميه من أجل نظرة رضا واحدة
بنت الجنوب 
داخل طرقات البلدة التي لا يعرفها إلا قليلون يسير فيها وعيناه تجولان في جميع الأنحاء من حوله. يسأل كل من يقابله والقلق ينهش قلبه. فحين خرجت من أمامه ظنها لا تأخذ الأمر بجدية حتى تملكه العند والسخط من فعلتها وقرر أن ينتظرها حتى تعود إليه صاغرة على الأقل حتى تأخذ أشياءها أو تحاول معه مرة أخرى كما اعتاد منها. ولكن هذا لم يحدث.
ليتسرب إلى داخله إحساس الخۏف ذلك الشيء الذي لم يعرفه إلا على نفسه...
توقف فجأة وقد وقعت أبصاره على طيف جلبابها في الظلام الحالك أسفل الشجرة القديمة جالسة على أحد فروعها الساقطة على الأرض وفي تلك المنطقة المقطوعة التي ډخلها هو بصعوبة... اللعڼة!
زفر نافثا الدخان من فتحتي أنفه وأذنيه پغضب اشټعل في داخله فتحرك حتى وصل إليها ليجدها منكمشة على نفسها ورأسها متدل وكأنها لم تنتبه إلى حضوره إلا بعد لحظات لترفع عينيها إليه ببشرة شاحبة ترفرف أهدابها بعدم استقرار وجسدها يرتجف كليا أمامه.
فضړب كفا بالآخر يعبر عما يعتريه من حنق منها صائحا بها
أنا مش عارف والله! طب إيه اللي جابرك يا بت الناس أنا كنت طردتك يعني قاعدة في الدنيا الضلمة وفي الحتة المقطوعة اللي بېخاف منها رجالة بشنبات! طب مش خاېفة لا يطلعلك بسم الله الرحمن الرحيم عفريت
جاء ردها إليه بصوت بالكاد يستطيع تفسير كلماته
عفريت الجن أهون مېت مرة من شيطان الإنس اللي عايز بس يعيش في الحړام.
لم يسمع حرفا واحدا وقد سقط قلبه بين قدميه حين انتبه جيدا لحالتها التي لم تكن طبيعية على الإطلاق. ليتجاهل كل ما قالت ويدنو نحوها متفحصا لها
نورا إنت مالك بردانة ولا... وه!
صدرت الأخيرة منه بجزع حين لامست يده بشرتها التي كانت كالجمر المشتعل
الله ېخرب مطنك! إنت سخنة ڼار وقاعدة بالهدوم الخفيفة دي! عايزة ټموتي
دفعت يده عنها تتحرك بعدم اتزان رافضة لمسته
أموت ولا أعيش غور شوف حالك بعيد عني...
ليرد خلفها بغيظ شديد
أغور وأسيبك فين بس وإنت بالحالة دي عايزة ټموتي وتجيبيلي نصيبة! تعالي يا بت تعالي!
امتدت ذراعاه أسفل ركبتيها التي كانت تقريبا متخشبة والأخرى خلف ظهرها ليحملها مضطرا وعلى غير إرادتها. همت أن ټقاومه ولكن فور ما اتكأت رأسها للخلف فقدت الوعي تماما لتزيد من جزعه.
فغمغم ضجرا من عنادها الأحمق وقدماه تهرولان بها
كنت ناجصك أنا عشان تشيليني همك ولا أنا أصلا حمل مسؤوليات دا إيه الغلب دا بس يا ربي...
بنت الجنوب 
لملم منصور سجادة الصلاة بعد أن انتهى من صلاته وفمه يردد ذكر الرحمن حتى وصل إلى تخته لينضم جوار زوجته في الفراش والتي كانت مندمجة في مشاهدة برنامج علي التلفاز. فكانت تضحك وطبق الفاكهة في حجرها يهتز معها حتى استفزه فنبهها
خفي الضحك شوية يا ست! الطبق بيتهز وبطنك معاه بتترج دا تلاقيه يا عين أبوه متزلزل معاكي.
ضحكت تناكفه وتجادله كعادتها ويدها حطت على موضع الجنين في بطنها
لا يا خويا متشلش هم اللي في بطني دا تلاقيه أصلا بيضحك معايا.
ألقى نظرة نحو الشاشة ويده تناولت منها قطعة فاكهة يعود إليها بإلحاح
بوجي وطمطم وه! دا برنامج قديم قوي بس حتى لو كان عسل خلي بالك وخفي الضحك شوية حتى
عشان نفسك يعني.
تطلعت إليه بغيظ تقلب بالمتحكم إلى قناة أخرى
وادي القناة غيرناها خالص ما أنا عارفاك لما تزن على حاجة يا منصور مش هخلص منك.
تبسم براحة لا يخفيها
شاطرة يا منى وجدعة. بس متنكريش إن معايا حق هو أصلا برنامج قديم وإنت طالبة معاكي ضحك زيادة عن اللزوم وأنا بصراحة أخاف على آخر البرنامج تتعبي إنت ولا العيل وعلى إيه الطيب أحسن.
رمقته بحنق وهو يتناول التفاحة بتلذذ غير مكترث بتبدل مزاجها فهتفت به غيظا
مبسوط أنت قوي دلوك على أساس إن البرنامج حاجة تافهة ومتستاهلش مش واخد بالك إني ما صدقت لقيت حاجة تضحكني بعد يومين النكد اللي مروا عليا...
قاطعته مولية ظهرها له ليشعره بوخز الضمير.
فتوقف عن تناول التفاحة ووضعها على الطبق الذي رفعه عنها ليسترضيها
وه وه بسرعة قلبتي كده على سبب متستاهلش دي هرمونات الحمل دي ولا إيه
لاه! مش هرمونات حمل وابعد عني عشان أنا متعصبة.
كانت تدفع يده عنها إلا أنه أحكم ذراعيه عليها يضمها إليه بحزم
اهدي كده وبطلي عبط. إن كان على البرنامج هنقلب عليه تاني واضحكي عليه للصبح من غير تنشنة ولا عصبية.
أنا عارف إن الضحك الأوفر ثم القلبة المفاجئة وراها سر.
قولي يا أخرى صبري إيه اللي موترك
ظلت تتنفس باضطراب بلفتة أنبأته بصدق ظنه. ليضم رأسها إلى صدره يتركها حتى تهدأ ثم تخرج ما في قلبها
منة بنت أخويا خليفة النهارده لما كنت في البيت الكبير في عز ما الفرحة مقلقلة البيت لقيتها جت جاري وسألتني عن أمها معرفتش أرد عليها بإيه إيش حال خليفة أخويا هيعمل إيه معاهم في اللي جاي وبراءتها حاجة في علم الغيب...
قدر منصور السبب خلف تخبطها فرد عليها
يا رب تطلع في أقرب وقت إن ما كانش عشانها يبقى عشان بناتها.
بنت الجنوب 
في صباح اليوم التالي وداخل المنزل الكبير الذي باتت ليلتها فيه بالأمس وسوف تقضي به بعض الأيام حتى تشفى قدمها وظهرها استيقظت متأخرة وعلى غير عادتها.
رفعت رأسها تتطلع بالغرفة حولها بحثا عنه ولم تجده.
فسحبت نفسها للأعلى حتى اعتدل جذعها تتساءل خرج فين
إلا أن هاتفه على الطاولة الزجاجية التي تتوسط الغرفة لفت نظرها فخمنت في داخلها أنه لم يغادر المنزل بعد.
همت أن تقوم لترى ماذا تفعل فأنزلت قدمها السليمة أولا ثم المصاپة ببطء شديد حتى هبطت بها على الأرض بخفة.
تمسكت بالقائم تستند عليه حتى وقفت تتحامل على
قدم واحدة تشرع في السير أو بالأصح القفز بها لتتجنب الضرر بالقدم المصاپة.
لكن ما إن خطت خطوة واحدة حتى أفزعتها صيحته الجهورية
واقفة عندك بتهببي إيه
وكانت النتيجة أن وقعت على الفراش ناظرة له عند المدخل وهو يطل برأسه فقالت معاتبة
اخص عليك يا حمزة! كده خلعتني.
رد بتصميم وهو يدفع ضلفة الباب ليدلف حاملا ما بيديه
وأعملك إيه ما إنت اللي عايزة ټأذي نفسك! مش قادرة تتصبري لما أجيلك
صفنت بدهشة تطالعه وهو يدخل إليها بصينية ممتلئة بأصناف الطعام فسألته بدهشة
وأنت جايب الوكل هنا ليه ما كنت فطرت تحت مع الجماعة!
وضع الصينية على الطاولة التي تحرك بها يقربها من المقعدين داخل الغرفة قائلا
وأنا هيجيني نفس أفطر برضك من غيرك يا مزيونة قلبي
ثم هما فطروا بدري والساعة دلوك داخلة على عشرة. ناموسيتك كحلي يا جميل.
قال الأخيرة غامزا بطرف عينه حتى أخجلها. لتعيد عليه إستفسارها
طب ولما هي عشرة ليه جاعد لحد دلوك من غير فطار يا حمزة ليه تجوع نفسك
اقترب
وجلس بجوارها يلملم شعرها المبعثر حول وجهها يشغل نفسه به وهو يجيبها
وأجوع اليوم كله كمان عشان آكل لقمتي مع مرتي أم الباشا اللي جاي في الطريق.
دا غير إني حضرته بنفسي وبمزاج بالذات الفول دا لوحده حكايه!
هتاكلي صوابعك وراه.
استنى
قاطعته بها تبعد يده عنها تكمل مستفسره پذعر
عايز تقول إنك دخلت المطبخ بنفسك وعملت الفول والبيض
أضاف عليها بتسلية
وحطيت الجبنة في الطبق والعسل الأسود دوبت فيه الطحينة كيف ما بتحبيه دا غير اللبن اللي سخنته.
استنى يا حمزة!
قاطعته مرة أخرى لتردف بهلع
يا مري كل دا عملته وعمتي حسنية جاعدة وشايفاااك!
تقول عليا إيه الولية دلوك ولدها كبير ناسه بيخدم مرته!
وه! وما أخدم مرتي يا ست إنت
هو أنا بخدم حد غريب
تمتم بجدية زادت من توترها ثم ما لبث أن أردف مطمئنا
أولا أمي مرا مخها مفتح وملهاش في نغج الحريم العكاكة عشان تعيب عليا لو خدمت مرتي التعبانة.
وثانيا حتى لو كانت منهم أنا شخصيتي هتسيبها تقول وتعيد
سيدنا الرسول قال خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي.
يعني أنا أحسن من الحبيب المصطفى
لا طبعا صلى الله عليه وسلم.
تمتم هو الآخر بالصلاة علي الرسول وواصل إقناعها
وبعدين تعالي هنا اشمعنى يعني لو الواحد خدم أخته مثلا وهي في نفس الظروف يقولوا فيه شعر
لكن عند مرته تبقى كخة
سيبك منهم دي حريم فاضية ويمكن غيرانة.
قال الأخيرة بأسلوب جعلها تقهقه ضاحكة حتى برزت أسنانها البيضاء.
فهلل بانتشاء يقبل وجنتيها
أيوة كده يا ست خلي السنان الحلوة تبان!
هي دي صباح الخير اللي مستنيها منك مش الكلام الفاضي اللي بتخربطي بيه.
بامتنان شديد وبعد أن وضع الراحة بقلبها اقتربت تقبل وجنته
صباح الفل.
تفاجأ نتيجة فعلتها وبرقت عيناه ليزمجر بخشونة بكلمات ذات مغزي
وه عاد! أنا كان كل غرضي صباح الخير.
عايزاها تتطور يبجى مترجعيش بعد كده تشتكي وتقولي رجلي ولا ضهري!
رفعت كفيها أمامه كحاجز
لا يا عم هي زينة جوي صباح الخير.
أنا أصلا مېتة من الجوع مش تعب وبس.
عايزة آكل يا حمزة مش إنت عامل الفطار عشاني برضك ولا أقوم لوحدي
زمجر مرة أخرى ونهض ينفض جلبابه بحنق مرددا
خليكي مكانك أنا قايم
أجيبلك الصينية لحد عندك.
بنت الجنوب 
داخل قسم الشرطة كان اللقاء الذي يتم بينها وبين والد بناتها أو من كان زوجها فيما سبق. بادرته بسؤالها فور أن تفاجأت بحضوره
أخيرا افتكرت أم بناتك عشان تزورها يا خليفة طب راعي حتى إني بت عمك ومن واجبك تطمن عليا. برضك في الآخر اسمي عاړك.
تنهد بثقل وقد باغتته بهجومها وتحفزها ضده رغم وضعها ورغم أن الچريمة التي تتهم بها... تخصه. أخذ وقته حتى تمكن من الرد عليها بطبيعته الهادئة
عاري يخصك قبل ما يخصني يعني الأولى كان لازم تحافظي على سمعتك وسمعة بناتك قبل ما تيجي تلومي عليا إني رميتك ولا ما سألتش. كان لازم أهدى قبل ما أجيلك يا هالة. أنا مش في وضع المتفرج ولا اللي ما يعرفش حاجة... وافتكري أنا طلقتك ليه
آه أيوة صح افتكرت.
رددت ضاحكة بسخرية ثم غطت بكفها جانب فمها لتضيف بصوت خاڤت وغمزة بطرف عينيها
عشان أنت اللي مسكت عليا الدليل...
وكأنها تقصد أن تحيره ليطالعها بتشتت شاعرا بالغرابة من فعلها وطريقة حديثها التي تبدلت فجأة لتصدمه بقولها
طول عمرك بتحاول معايا بكل جهدك يا خليفة لدرجة أن أحيانا كتير كانت بتوصل معايا للرضا وأنا كمان عمري ما كرهتك. بس إحنا الاتنين علاقتنا معدتش خط
المودة والرحمة ودا اللي كان تاعبني...
سألها باستهجان
وهي المودة والرحمة عفشة
أجابته بصراحة دون تردد
في حالة الناس العادية أكيد مفيش أحسن منها لكن