لأجلها بقلم امل نصر


صاحبنا بقي كان واد عمي ومن عيلتي بس والله ما عرفته ولا عرفني غير لما درسلي!
أضاف هو بابتهاج أشرق بملامحه كانت رغاية ومبتسمعش الكلام! أجولها يمين تجيلي شمال! كل العيال تسمع الكلام إلا هي! كانت غايظاني بصراحة منكرش!
آه عشان كده فضلت حاططني في مخك لحد ما خدت الدبلوم من حظي الحلو! قالتها منى فانطلقت ضحكات الجميع حتى زوجها الذي أومأ مقرا دون تردد واستمر السجال الجميل بينهما أمام ليلى التي لم تتوقف عن الضحك بسببهما.
أما والدتها فكانت تتابعها بتأمل من الجانب الآخر حتى قطعت عليها حسنية الجالسة بجوارها بقولها
مش قصدي أزعلك ولا أضغط عليكي بس لازم تعرفي إن معاذ ولدي في كل اتصال بينا بيسأل عليكي وعلى ليلى. وإحنا بنقوله كويسين! محدش فينا لحد دلوك جاب له سيرة بناء على أمر حمزة ولدي. هيفضل الود ما بينا حتى لو مفيش نصيب يا بتي.
طالعتها مزيونة بامتنان رغم تشتتها في تحديد القرار الآن بعد أن كانت محددة وجهتها منذ البداية...
صدقت حسنية ولم تكذب بقولها لكنها لم تكن تعلم أن ابنها على حدود المحافظة الآن عائدا بالقطار من القاهرة. قلبه الذي كان يخبره بشيء غير مريح جعله في تساؤل دائم مع كل من يتحدث معه حتى أتى إلحاحه بالفائدة مع أحدهم ليقر له بالحقيقة وما حدث أثناء
غيابه. فحزم حقائبه
مستقلا أول قطار وجده أمامه حتى لو كان درجة ثالثة غير مريحة على الإطلاق...
إنت يا خليفة اللي تجوله أنت ياخليفة! صړخ بها حمزة في وجه شقيقه الذي أصر على موقفه مرددا
أيوه أنا يا حمزة ليه نخبي عليه من الأساس وإيه الفايدة أصلا
ضړب الأخير كفا بكف صارخا به
عشان مينفعش! وعشان ما تتعجدش أكتر ما هي متعجدة. أخوك مچنون والبت أمها شايفانا إحنا السبب في عياها. مش عايزين نزود خليها تخف وتعيش وهو يثبت نفسه في شغله وعلى ما ربنا يعدلهالهم هما الاتنين.
ولو ما حصلش
يعني إيه
يعني إنت عارف وأنا عارف يا حمزة سبب عيا البت. وأخوك نفسه مش مستريح. طول الأسبوعين اللي فاتوا وهو ولا علي حامي ولا على بارد مش عارف يكيف نفسه. لموهم على بعض وخلصوا.
وهو بخاطري! صړخ حمزة في وجهه ليردف بحنق مضاعف
ما هو كان على يدك! وشفت أنا حاولت أساعده لأني عارف كد إيه هو مندفع لكن مشاعره صادقة. بس أمها مش عايزة نغصبها يعني
رقق خليفة من لهجته كي يهدئ من وتيرة الانفعال بينهما
طب اهدي يا حمزة وبلاش العصبية دي عشان أخوك كان هيعرف هيعرف إن مكنش مني ولا منك يبجى من صحابه على الأقل. وإن كان على أمها أكيد يعني جلبها مش هيطاوعها على الرفض أكتر من كده. دي مهما كان برضو أمها.
تنهد حمزة بتعب يشد بأنامله على شعر رأسه من الخلف پعنف. لا شيء مما يحدث أمامه يبشر بانفراجة. يتمنى لو يستيقظ من النوم ويرى كل الأمور حوله تسير بيسر ودون تعقيد يرتبط معاذ بخطبة ليلى حتى تكمل تعليمها ثم يتزوجها ويجد هو فرصته في التقرب من تلك العنيدة... والدتها.
طب ما جولتليش كان رد فعله إيه على الخبر
هو مين
أخوك يا خليفة كان رده إيه بعد ما جولتله عن مرض ليلى
ما هو جفل السكة في وشي بعد ما صړخ وبهدل الدنيا.
وبعدين
ولا جبلين يا سيدي خد شنطته وركب الجطر ودلوك زمانه على وصول إن مكنش دخل المحافظة أصلا.
كاد حمزة أن يصاب بجلطة متعددة الأهداف لا يصدق السهولة التي تحدث بها شقيقه يطالعه فاقد النطق للحظات قبل أن يتمالك نفسه أخيرا لېصرخ به
الله ېخرب مطنك! وإنت عارف كده وجاي دلوك تقولي جاي دلوك تقولي يا خليفة
دلوك ولا بعدين ما هو كده كده جاي. لما ياجي إبجى إنت كلمه وعقله. ردد بها خليفة بدهشة قبل أن يواجه بعاصفة حمزة الذي صار يلملم متعلقاته كي يذهب
مش لما ألحقه الأول! ألحقه قبل ما يعمل المصېبة! جاعد إنت وحاطط يدك في المية الباردة! مصدق إنه هينزل على هنا الأول يا خليفة
أمال هينزل على فين هو ليه بيوت غير بيتنا اكتفى حمزة بتوجيه نظرة ڼارية نحوه ولم يكلف نفسه بالإجابة عن التساؤل العفوي الذي صدر منه ليتخذ طريقه نحو الخروج مباشرة كي يلحق بالآخر قبل أن يفعل مصېبة جديدة ويزيد من تعقيد الأمور... المعقدة من الأساس.
عودة إلى المشفى التي دلف إليها العائد من سفره وقد تكفل برمي حقيبته داخل إحدى سيارات الأجرة ومنح سائقها بعض النقود كي يوصلها إلى منزل عائلته في البلدة ليتجه بخطواته السريعة نحو موظفة الاستقبال ليسألها عن الحالة التي يقصدها ثم يصعد مباشرة إلى طابقها.
يعلم أنه قد ألغى التفكير أو الحرص من قاموسه الآن تحركه فقط الرغبة في الاطمئنان عليها حتى لو تلقى السباب من مزيونة أو كلفت الأمن بطرده لن يتوانى عن تحقيق هدفه برؤيتها. يكفي أسبوعين من العلقم قد تجرعهم في البعد عنها. هل كان يتصور أن يأتي الوقت ويعشق بهذا العڼف أو أن يقضي في بعدها أسوأ أيامه لم يتخيل أبدا أن يحدث ذلك.
حبيبة قلبه مريضة منذ سفره وهو في غفلة الانشغال بعمله في العاصمة فعلى من يلقي الذنب على نفسه أم على من أخفوا عنه ظروف مرضها فليترك التفكير في ذلك لوقت لاحق.
وصل إلى الغرفة التي كان بابها مفتوحا وبدا أنها فارغة من الجميع حتى والدتها. حمد الله لغيابها في هذه اللحظة لينقل بصره نحو تلك المستلقية على السرير الطبي وقد كانت غافية كما يرى.
يتأمل ملامحها الشاحبة ورد الوجنتين الذي اختفى وحل محله صفار ملحوظ وزنها الظاهر للأعمى أنها فقدت منه الكثير. ماذا حل بصغيرته لتصبح على تلك الحالة
لم تعد لقدميه قدرة على حمله فسقط بثقله على الأرض بجوارها وتمسك بيديه الاثنتين بسريرها وډفن رأسه في الفراش يطلق العنان لدموعه پبكاء مكتوم صار يهتز له جسده. الذنب عليه أم على من تسبب بفراقهما!
اهتزاز بكائه الشديد أتى بأثره عليها فاستيقظت من غفوتها الصغيرة تفتح أجفانها للنور فتصدم بشبحه أمامها شعر رأسه شديد السواد هو المواجه لها فقط. تخيلت في البداية أنه محض حلم لا أكثر قبل أن تعي حالته وذلك البكاء المتواصل بحړقة مكتومة. هل يعقل أنه علم وحقيقة وأن حبيبها عاد إليها
معاذ جاء صوتها كإشارة تنبيه تلقفها بلهفة ليرفع رأسه على الفور إليها ويقابل وجهها الجميل أمامه وقد أشرق قليلا يستعيد بعضا من رونقه وهي تردد بعدم استيعاب
معجول إنت رجعت فعلا من سفرك ولا أنا بحلم فسارع بالتأكيد إليها
لاه يا حبة القلب والله ما بتحلمي أنا جدامك اها بشحمي ولحمي جيتلك أول ما عرفت إنك مريضة لو أعرف من الأول ما كنتش صبرت يوم. سامحيني يا ليلى سامحيني يا حبيبتي.
صار يردف آخر كلماته بندم جلي ودموعه تواصل هطولها بحړقة أجبرتها على التساؤل
أسامحك على إيه يا معاذ هو إنت عمرك أذيتني ده أنا ما شفتش الفرحة غير على يدك.
ضړب بكفيه صفحة وجهه بندم معقبا
لها بصوت مبحوح
ما هو ده اللي عايزك تسامحيني عليه! ربنا يعلم إن كل فعل مني كان بعفوية ومن جوا جلبي شكلي أذيتك فعلا لما خليتك تبادليني نفس الشعور ياريتني فضلت كاتم على إحساسي. كل اللي حصلك ده بسببي أنا شكلي بقيت لعڼة عليكي. ياريتني ما قربت منك أساسا.
صمتت قليلا حتى عبرت عما يختلج داخلها متخلية عن حذرها الدائم
وحتى إن فضلت كاتم على إحساسك برضه كان هيوصلني. من أول مرة شوفتك فيها حسيت إني أعرفك من زمان وحتى وأنا بتعارك معاك على الأسورة لو تفتكر كان عقلي بيتوه وتركيزي معاه وأنا بسأل نفسي أنا شوفتك فين قبل كده وفضل السؤال يلح عليا كل مرة أجابلك لدرجة خليتني أقرأ وأبحث عن الحاجة دي وعرفت إنها تألف أرواح. روحي اتعلقت بيك من قبل ما تنطجها يا معاذ. وفرحتي بقربك هي الحاجة الوحيدة اللي خلتني أحس إني حية. فرحة خالصة ليا مش بشهادة ولا حاجة حلوة أعملها لأمي وأفرح بفرحتها ليا. الفرحة اللي حسيتها انطفت وطفت عمري معاها في اليوم اللي ودعتني فيه وسافرت. سبتني ليه يا معاذ هانت عليك ليلى
سقطت في الأخيرة دمعتها لتأخذ دورها في البكاء مثله فيسارع هو بطمأنتها ورجاءه في الصفح عنه غافلين عمن وقفت على مدخل الباب منذ لحظات واستمتعت لمعظم الحديث تحمل في يدها زجاجة المياه المعدنية وعددا من قطع
الشوكولاتة التي ابتاعتها من المتجر القريب من المشفى من أجل أن تفرحها وتنسيها بطعمهم طعام المشفى وأجوائه لتأتي الآن وتفاجأ بحضور المتسبب الأساسي في مرض ابنتها والتي فاجأتها بحديثها اليوم وجعلتها تشعر بحماقة الحړب التي تخوضها وعدم جديتها فتراجعت بأسف مرتدة إلى الخلف متهدلة الأكتاف بإحباط ويأس.
تركت الطابق وتركت المبنى بأكمله لتخرج إلى حديقة المشفى. سارت حتى وصلت إلى أسفل المظلة التي خصصت لحماية الزائرين من أشعة الشمس أثناء انتظارهم.
كان عدد الحضور قليلا في هذا الوقت من العصر وقد قاربت الشمس على الغروب. وصلت إلى إحدى الأرائك لتسقط بثقلها عليها وتسقط معها زجاجة الماء وقطع الشوكولاتة على الأرض.
هل كانت مخطئة حين عاشت حلمها في ابنتها أن تحقق ما لم تحققه هي أن تحيا الحياة التي لم تحيها هي يوما لقد قاومت كل شيء من أجلها ظلم عرفان كيد صفا وتهميشها كأنها غير موجودة. ضحت وما زالت مستعدة للمزيد... أما هي يبدو أنها وجدت من يستحق عنها...
وعند مدخل المشفى دلف بسيارته ليصطفها في المكان المخصص ثم هرول بخطوات سريعة يريد إنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد أن تأكد من وجود شقيقه داخل المشفى الآن كما أخبره السائق الذي ذهب إليهم بالحقيبة.
يتمتم بالأدعية ألا يكون قد تسبب لهم بڤضيحة فمزيونة العنيدة لن تسكت ولن يهمها شيء كما أصبح يعرف عن شخصيتها و.....
توقف عند هذا الخاطر حين وقعت أبصاره عليها جالسة في جانب وحدها على إحدى أرائك الانتظار بعيدة عن البشر وكأنها في عالمها الخاص.
وبدون تردد غير وجهته متجها نحوها حتى إذا وصل إليها وهي ما زالت لم تشعر به بعد ألقى التحية حتى تنتبه
مساء الخير جاعدة عندك ليه يا أم ليلى
توقف قليلا حتى أتته استجابتها بنظرة خاوية رفعتها إليه يتخللها ضعف غريب يراه لأول مرة فيها وصمت محير
جعله يتساءل بجزع
مالك... ليلى جرالها حاجة ولا...
معاذ معاها فوق.
قاطعته بهذه الكلمات فعلق الحديث في حلقه وتشتت قليلا أمام ثباتها والسهولة التي أخبرته بها بذلك ثم ابتلع ريقه بتوجس واتخذ مجلسه على الأريكة بجوارها لكن بمسافة جيدة وقال بتوجس
غريبة يعني ولما جاعد فوق انتي سايباه