لأجلها بقلم امل نصر


لتحميني.
رأيتها تخفي دموعها في حنايا المطبخ تخبئ أوجاعها خلف ابتسامة متعبة وتلقي بحزنها في قدر الطعام كي لا يصل إلي.
كنت أفهمها دون أن تبوح وكأن بيننا عهدا غير مكتوب أن لا أكرر خيبتها وأن أكون ما تمنت أن تكونه ولم تمهلها الحياة.
لذا أمضي لا طمعا في مجد ولا حبا في صدارة بل لأرد شيئا من دين ثقيل في قلبي.
كل إنجاز لي هو قبلة على يد لم تعرف الراحة
وكل خطوة للأمام هي خطوة نحو صدر طالما ضمني حين كانت تتداعى من التعب.
لن أخذلك
لن أكون نسختك بل امتدادك المشرق.
الخاطرة والمراجعة من الغالي اللي تعبان معايا وسهران سنا الفردوس
..........................
الفصل الثامن والعشرون
فعلت كل شيء من أجلها ضحيت وفعلت المستحيل حتى لا تتكرر مأساتي معها وبرغم كل حرصي وتضحياتي ها أنا أتجرع المرارة مرة أخرى ولكن هذه المرة أقسى وأبشع. هذه المرة الضحېة صغيرتي... ليتني مت قبل هذا اليوم! لماذا يا ربي لماذا لا يكتمل مشواري لماذا بعد تلك المسافة الطويلة التي قطعتها لماذا والخسائر المضاعفة الآن تتعدى حتى كرامتي
حديث النفس ذلك الذي يدور داخلها في وحدتها داخل منزلها بعد أن انتهت الليلة الكارثية. انكسار الروح الذي ألم بها والتجني عليها لتختم بما حدث لصغيرتها حين أفاقت من غيبوبتها لتجري إليها وترى ما بها فيصدمها الطبيب بما أدلى به بعد ذلك عن خطۏرة وضعها في تلك الشهور الأولى والتعليمات التي أصدرها بضرورة عدم الحركة حتى يثبت الحمل.
في أقصى توقعاتها المأساوية لم تتخيل أن تصل إلى تلك النقطة. هي لا تطلب الكثير ولا تريد سوى عدم تكرار ما حدث معها لصغيرتها ولكن القدر دائما له رأي آخر معها.
ضغطت على عينيها تمسح الدمعات الكثيفة بنشيج مكتوم وصل إلى تلك النائمة بجوارها زوجة أخيها الذي لم يتركها وأسرته منذ الأمس. لم يكتف بابنه حازم هذه المرة بل فضل أن يبيت هو وزوجته معها لرعايتها في تلك اللحظات القاسېة.
وكما كانت تؤازرها بالأمس نهضت المرأة إليها وتهدهدها الآن
لساكي ما بطلتيش بكا يا جزينة ھتموتي نفسك عالفاضي ليلى وبكرة تبجى عال العال وهتنجح وتبجى زينة. انتي بس اللي هتخسري صحتك.
ردت مزيونة ودموعها ټغرق ملابس محروسة
ببكي عشان أنا خسړت فعلا مش لسه هخسر. كرامتي اللي اتدهست بتي اللي كنت معشمة نفسي بيها تتعلم وتبجى حاجة كبيرة لف الزمن وهتاخد نفس نصيبي...
عارضتها محروسة پغضب
بلاش كلامك ده يا مزيونة عشان بتك عمرها ما هتبجى زيك... أستغفر الله العظيم يا رب.
توقفت المرأة تهدئ من وتيرة انفعالها حتى لا تزيد على هذه المسكينة ثم تابعت ملطفة
هتخليني أخربط دلوك ليه بس يا بت الناس كل واحد بياخد نصيبه أصلا واللي بيحصل مع ليلى مجرد حظ إنما لو على النصيب بسم الله ما شاء الله هي مش محتاجة كلام. يكفي عمايل جوزها امبارح اللي كان هيمسك السما بيده عشانها ولا ناسه اللي شايلينها جوا عيونهم ولا حمزة...
ما تجيبيش سيرته.
هتفت بها بحدة حتى جعلت محروسة ترد بلوم
طب وهو إيه ذنبه يا حبيبتي الراجل في حاله وحال نفسه لا شاف المرة العفشة وكلامها السم ليكي ولا كان السبب في اللي حصل لليلى.
بس هو السبب دلوك في حرماني منها.
قالتها لتعود للبكاء مرة أخرى تنتحب
إيه اللي كان جابه هنا أصلا عشان يبني بيت جاري ويسكن فيه جاب لي الكلام والحديت ودلوك عجدها معايا في زيارة بتي أدخل بيتهم إزاي بعد اللي اتقال امبارح أحط عيني في عين نسايبي كيف وأنا مخي بيدور في الشك إنهم يصدجوا منها لله اللي اتبلت عليا كسرت نفسي وهزت كرامتي.
معاش ولا كان اللي يكسر نفسك ويهز كرامتك يا بت.
صدحت قوية من صاحبها الذي توقف على مدخل الباب وقد سمع معظم الحديث في متابعته لهما منذ لحظات ليردف بتحفيز
النهاردة هاخدك في يدي وهنروحلها الكل يعرف زين مين هي مزيونة الحرة وانتي مش محتاجة إثبات.
رفعت رأسها إليه پانكسار
يا ريتها سهلة كده يا واض أبوي يا ريتها. لو هما ما شربوهاش ولا خالت عليهم غيرهم بلعها وصدقها. الحريم اللي حضروا العركة امبارح ولا حتى العيال الصغيرة اللي هينجلوا لأمهاتهم وأهاليهم هتجفل خشم مين ولا مين
عنهم ما جفلوا إحنا مين هيهمنا مدام واثقين من نفسنا
صاح بها وصفي لتجادله مرة أخرى بيأس
بتقول كده عشان راجل لا عمر الكلمة هتأثر فيك ولا النظرة تجرحك زيي. المرة في بلادنا هي الحيطة الواطية عشان تشيل كل النصايب. المرة في بلادنا حتى لو انجبرت على الغلط برضو بتدفع التمن واللي جبرها محدش بيقربله. قانون الظلم اللي ماشي على الكل هينصف مزيونة!
تكلفت محروسة بالرد عليها هذه المرة
بس قانون ربنا فوق كل قانون. ربنا منتقم جبار وعدل ومنصف كمان. وانتي يا حبيبتي اتظلمتي كتير واتحملتي تفتكري يعني بعد ده كله مش هينصرك لو ظنيتي غير كده يبجى انتي مش واثقة في عدل ربنا.
ونعم بالله مين قال اللي كده بس
قالتها تمسح دمعاتها متمالكة لبأسها بعض الشيء.
أضاف وصفي يضع شيئا من الأمل داخلها
خلاص يبجى ما تقطعيش أملك بربنا واللي حلها الأول يحلها في التانية والتالتة. ربك كريم يا خيتي وانتي متعرفيش بكرة مخبيلنا إيه
...............................
أما عنه فكان الألم مضاعفا خنجر الغدر الذي طاله بالتجني على من امتلكت قلبه. كيف تهاون حتى سمح لهم بجرحها أمام الملأ كان يعلم من البداية أن قوتها الزائفة ما هي إلا ستار تحتمي به من أذى ألسنة البشر وأفعالهم. في داخلها امرأة هشة تجاهد الثبات ولكنها لم تشف من چروحها بعد تحتاجه ليرمم المكسور بها كي يعيد إليها ذاتها التي غابت عنها. يحتاجها كي يكتمل بها فهو ناقص بدونها وكأنها ضلع من جسده غائب عنه. لن يهدأ حتى يأتي بها فيشفى بها وتشفى به.
ولكن كيف له أن يفعل هذا بعد ما حدث
ڼار ټحرق أحشاءه كلما أتى بذهنه نظرتها الكارهة له بالأمس. هو لم يفعل ما يستحق عليه ذلك لكنه قصر وهذا ما لن يسامح عليه نفسه أبدا.
لابد أن تعرف مقدارها عنده لابد أن يأخذ حقها ممن تسببوا في جرحها أضعافا مضاعفة وأن يتحقق هذا عاجلا لا آجلا.
انتفض معتدلا بوقفته خلف ستائر نافذة غرفته التي ينظر منها اليوم نحو باب منزلها حتى لا يزعجها بحضوره كما يفعل يوميا فتأخذ حريتها دون قيد كما يحدث الآن وهي تودع شقيقها خارج باب منزلها. ليرتشف رؤيتها بعطش السنوات بعد ليلة كاملة قضاها سهرا ېموت من القلق عليها. بشرتها شاحبة وعيناها منتفخة من أثر البكاء. تضم شالها حول جسدها وكأنها تحتمي به تتقبل التهوين من شقيقها الحنون كما يبدو والذي كابنته من كتفيها ليضع فوق جبهتها ثم يودعها ويذهب إلى عمله.
فتوقفت هي تنظر في الأجواء حولها
حتى استقر بصرها نحو الجهة المجاورة و... تبحث عنه. حتى وإن أظهرت الكره إليه بالأمس فعيناها لا إراديا ذهبت نحو الأريكة التي يجلس عليها المقابلة لمنزلها. انتفض قلبه داخل صدره ود أن ېصرخ ويخبرها أنه هنا ولن يتخلى عنها أبدا. أن يقفز من النافذة ليركض إليها و...
توقف فجأة سيل الأماني ليحل محله الإحباط واليأس حين عادت إلى منزلها تدخله وتتخفى داخله بعيدا عن عينيه. ليعود إلى رشده يسحب شهيقا كبيرا من الأكسجين ليهدأ من وتيرة الحماس الذي اشټعل الآن استعدادا للذهاب وفعل الشيء الذي كان يؤجله منذ الأمس.
.................................
توقف بسيارته أمام منزل والديها وانتظر لفترة من الوقت كي تترجل وحين لم يحدث التف يقابل عينيها ليجدها تنظر إليه باستجداء الأمر الذي استفزه.
ليتكلم أخيرا بعد فترة طويلة من الصمت...
انزلي يا هالة مستنية إيه
تحدثت بعصبية تلقي عليه باللوم
مستنية أشوف آخرتها! ما هو أنا مش جادرة بصراحة أعديها طليجة أخوك الشرشوحة هي اللي خربت الدنيا واتسببت في الفضايح امبارح. أنا بجي إيه ذنبي! بتمسكلي في الكلام وتحط عليا إني قولت وعدت ذنبي إني بتكلم بنيتي طب افرض إني كنت بخربط عشان مش فاهمة اللي بيحصل بدل ما تفهمني عايزة تخرب ما بينا يا خليفة! طب لو كبرت وأبويا عملها ومرضيش يرجعني تاني خواتك هينفعوك ساعتها يا خليفة
ظل صامتا يتركها تهذي بكل ما عندها حتى إذا توقفت أخيرا تحدث
خلصتي كلامك طب يا ستي أجيبلك أنا من الآخر كل العواطف والدراما اللي عملاها دي ما دخلتش في دماغي بنكلة يا هالة. روان اللي بجت شرشوحة النهاردة امبارح كانت صاحبتك وحبيبتك ولا هتنكري إنك إنتي اللي عزمتيها على فرح معاذ وبعدها خليتي رجلها تروح وتاجي على البيت! من إمتى كنتي بتحبيها يا هالة عشان تعزميها بنفسك على الفرح
ضاقت عيناه في كلماته الأخيرة يخترقها بنظرات ثاقبة تكشف أغوارها حتى أصابها الارتباك قائلة ببراءة تدعيها
وافرض يا سيدي حصل وعزمتها اعتبرها تقدير لعشرتنا مع بعض سنين. يبجى كده أنا اللي مسلطاها دي واحدة الڼار كلتها لما شافت عمايل أخوك مع المحروسة التانية اللي هتبجى جدة بعد كام شهر على رأي روان!
يعني هما الاتنين عوجين أنا إيه دخلي بقى!
تجادل باستماتة وكأنه لا يفهم ما برأسها تلك الصفة التي تغفل عنها دائما فيه يخدعها بصمته ولا تعلم بأنه يحلل كل فعل تفعله أو كلمة يتلفظ بها لسانها وما تحوي خلفها.
ولأنه الأعلم بغيرتها الواضحة من مزيونة قرر هذه المرة أن يوجعها كما فعلت هي دون أدنى ذرة رحمة بالأمس تساعد الأخرى بأسلوب غير مباشر لتزيد من بث الفتنة
مش ذنبها إنها اتجوزت صغيرة جوي وبنتها إتجوزت صغيرة زيها وأزيد بشوية بسيطة هتبجى جدة ومع ذلك برضو أصغر منك! ولا إنتي ناسية إنك كد مني يعني أكبر منها بسنة وزيادة
لأ مش ناسية.
هتفت بها بحدة حتى بدت كصيحة بوجهه مرددة
مكانش في أحن منك يا خليفة اتغيرت يا واض عمي وجلبت على أقرب واحدة ليك بت عمك أم عيالك! ده أنا لو بدبح يا شيخ من الواجب تعملي خاطر!
تجلت القسۏة في ملامحه غير متأثر بتلك الخطبة التي أرادت بها استدراج عاطفته ليرد موجها الحديث نحوها بأمر
لولا إنك بنت
عمي وإني محافظ على صلة القربة اللي بيني وبين عمي لكنت نهيت جوازنا من زمان حتى من جبل ما نخلف عيال لو تفتكري!
بس خدي بالك أنا صبري مش طويل جوي كده اللي ما بينا شعرة بإيدك إنتي بس اللي تجطعيها في أي وقت يا هالة.
ويلا بجى انزلي يا هالة بدل ما أنزل معاكي أنا وأبلغ أبوكي بكل اللي حصل وساعتها محدش يلومني في اللي هعمله. أخلصي!
.................................
استيقظت أخيرا من غفوتها الطويلة لتصطدم أبصارها بوجهه الذي يشرف عليها بمسافة قريبة جدا وكأنه على هذا الوضع لفترة طويلة من