لأجلها بقلم امل نصر


طوال الشهر الفائت. أما الأجهزة فكانت من اختصاص وصفي يبتاعها من محل الأجهزة إلى شقة العريس على الفور.
تجهيز العروس نفسها غالبا ما يتم في هذا اليوم أو ما قبله وقد رفضت مزيونة أن تنكشف ابنتها على امرأة غيرها لتقوم هي بتلك المهمة حتى إذا أتى الموعد مساء كان قد تم الانتهاء من كل شيء على أكمل وجه.
........................
في ساحة السچن
شهر قضاه في سجن انفرادي بعد ضربه المپرح لعطوة والذي قضى على إثرها خمسة عشر يوما في مشفى السچن. ليخرج إليه مرة أخرى اليوم ويتجدد رعبه منه بعد أن خلصه الرجال منه بصعوبة وقد كان مصرا على قټله. ولسوء حظه يلتقي به الآن في فترة التريض اليومي للسجناء في ساحة مكشوفة تدخلها الشمس تسمى الحوش.
فاردا ظهره ونافخا صدره بعنجهية ليست بغريبة عنه وقد زاده الحبس الانفرادي خطۏرة تروق له يدخل في قلب من يراه رهبة حتى لا يتكرر معه ما حدث لعطوة والذي ما إن رآه حتى تراجع پخوف يبحث عن منفذ للهروب بعد أن تركه زملاؤه بناء على إشارة من عرفان.
وه وه بترجع لورا ليه بس يا عطوة ما أنت زين وحلو. ده أنا افتكرتك مش هتقوم منها تاني يا راجل بس أها زي القرد واجف جدامي!
انتفض الأخير يحاول الابتعاد عنه هاتفا بمظلومية
عايز إيه تاني يا عرفان مش خلاص افتريت عليا ورقدتني أسابيع في المستشفى أنا سيبتك شكوتي لربنا يوريني يوم فيك!
يا ابن ال...
تمتم عرفان بسبة بذيئة ليقطع المسافة بينهما فجأة بخطوتين وينقض عليه ويمسكه من قماش قميص السچن الذي يرتديه ېعنفه پغضب شديد
اسمع أما أقولك يا ض العلقة اللي فاتت دي متجيش نقطة في اللي هعمله فيك لو ما رجعتش عن شهادة الزور اللي اتبليتني بيها. اشتري عمرك وقول الحقيقة. كلها أسبوعين وييجي ميعاد القضية وأنا مستعد آخد فيك مؤبد لو مرجعتش.
وكعادته في رسم دور الضحېة صاح وصړخ بأعلى صوته حتى يلفت نظر الحراس لينجدوه من يد المچرم الذي يستقصده كما يصور لهم
تاني يا عرفان! عايز تضربني! الحقوني يا بشړ الحقيني يا حكومة! ده عايز يكسرني من تاني ويخلص مني! إنجدوني يا نااااااس الراجل ده عايز يخلص عليا!
وبالطبع أتى صراخه بنتائجه حينما التف رجال الأمن حول عرفان يكبلونه من ذراعيه ويبعدونه عن المذكور الذي كان يلتقط أنفاسه بصعوبة خوفا من تكرار ضربه مرة أخرى من عرفان.
عودة إلى منزل حماد القناوي تحديدا داخل غرفة العريس الذي استيقظ على اختراق الدخان لأنفه مصحوبا بعدة أصوات ليجد الغرفة قد امتلأت بأخواته البنات يلحقن بوالدتهن التي دخلت وهي تحمل المبخرة متمتمة بالآيات القرآنية والأوراد الحافظة تدلله بغرض إيقاظه.
جوم يا باشا جوم يا واض في عريس يصحى بعد الضهر طب استنى لما تدخل بعروستك الأول يبجى ليك عذرك.
ضحكت أسنانه ترافقه تلميحات شقيقاته اللواتي شاركن والدتهن في مشاكسته فاعتدل بجذعه يمسح على وجهه وشعر رأسه ليطرد النعاس قائلا
لامة بنتتك وجايباهم يتمقلتوا عليا يا حسنية ماشي حاضر.
ماشي وحاضر كمان! لاه عاقل جوي يا واض!
ردت بها متصنعة العبوس وهي تواصل اللف بالمبخرة. جلست منى بجواره تاركة شقيقاتها يقمن بجولة على ملابسه الجديدة وما قد يحتاجه من القديم في سكنه الجديد بشقة العرس. لتلكزه قائلة
ما تجوم وتصحصح يا واض مشحطط الناس في السؤال عنك لما بقيت في نص هدومي منك!
انتبهت حواسه وقد ذهب ظنه إلى ما يحب ليردد خلفها بتخمينه
مين اللي سأل علي ليلى اتصلت ولا بعتت حد
قالها فالتفتت رؤوس الثلاثة نحوه لتعلق منى
شوفي الواض ومخه الفاضي! خلاص ما عدتش غير ليلى اللي يسأل عنك
سخرت والدته أيضا
سيبيه يا بتي دا عجلة رايح منه! أخوكي ده ما تحطيش عليه أمل خالص دلوك يا بتي.
ضحكن الأربعة لتضيف منى
آه والله خلاص نسي أصحابه وعيال عمامه اللي سهروا معاه للفجرية رقص وتنطيط. ولا هي ليلى نفسها أساسا فاضياله
ليه بتعمل إيه
كادت أن تجيبه بسجيتها لكنها استدركت الحقيقة لتخفي حرجها برد صارم
وإنت مالك باللي بتعمله يا بارد جوم ياض بطل تناحة اخلص يلا!
وتبعت الأخيرة ترفع عنه الغطاء ليردد ضاحكا وقد فهم من خجلها
ليه هي الإجابة عيب
قالها لتصدح ضحكته حتى جعل شقيقاته الأخريات يتركن ما بيدهن ليمازحنه بالطريقة التي يحبها مع تدخل والدته بجرأتها.
وصارت أصواتهن تصل إلى الشقة المجاورة عند هالة التي كانت تنفخ بضجر لا يعجبها كل ما يحدث.
في منزل مزيونة وقد اكتملت هيئة العروس بعد أن ارتدت فستان سهرة يناسب ليلة الحنة كان قد انتقاه لها معاذ سابقا يناسب لون عينيها المميز. مساحيق الزينة التي وضعتها لأول مرة على بشرتها كان لها وقع المفاجأة على الحاضرين حتى صارت ساحرة في أعين الجميع وأولهم مزيونة التي رمت
كل شيء خلف ظهرها اليوم هموم مخاۏف وهواجس لتبقى فقط على فرحتها بابنتها التي بدت امرأة ناضجة أمامها. بغض النظر عن جمالها المذهل لكنها اليوم عروس. ابنتها أصبحت عروسا وكم من أم تحلم بتلك اللحظة.
ها إيه رأيك بجى يا أمي
توجهت بالسؤال نحو والدتها رغم إطراء جميع من بالغرفة والتغزل بها لكن يبقى الرأي الأخير والأهم هو لها لمزيونة التي احتضنتها تختصر كل الكلام بجملتين
بدر منور يا حبيبتي أحلى عروسة في الدنيا كلها.
وانطلقت الزغاريد من النساء والفتيات فتدخلت محروسة زوجة وصفي لتبعد الاثنتين
عن بعضهما قاطعة لحظة التأثر تلك حتى لا يتطور الأمر إلى بكاء. جذبت مزيونة من يدها قائلة
كده يبقى الدور عليكي.
الدور عليا في إيه
تساءلت بها قبل أن تفاجئها الأخرى بإجلاسها خلف مرآة الزينة الكبيرة منبهة على السيدة التي زينت ليلى أن تقوم بعملها مع مزيونة
يلا يا عسل شوفي عايزين الأم تبقى أحلى من البت...
يا مري!
قاطعتها مزيونة برفض قاطع أمام أنظار الفتيات اللواتي صرن يضحكن مرددات
إيه اللي بتقوليه ده يا ولية بعدي سيبيني انتي وهي! هو أنا عيلة صغيرة
شددت محروسة تمنعها من الوقوف
آه يا أختي عيلة صغيرة! انتي اللي في عمرك ما تجوزوش أصلا! ده أنا اللي معدية الأربعين بسنتين بلبس واتعدل واتسبسب! دي ليلة بتك يا حزينة يعني تفرحي بيها وتفرحي الناس بيكي إنتي كمان! خشي عليها يا سوسن البت دي...
قالت الأخيرة نحو خبيرة التجميل والتي ما إن تحركت لتجهزها حتى همت بالرفض مرة أخرى قبل أن ترتخي مقاومتها مع رجاء ابنتها
وغلاوتي عندك يا أمه خليها تزوقك وتلبسي الفستان اللي نجتهولك انا من السنة اللي فاتت وانتي رامياه في الدولاب! الليلة دي بس حتى وبكرة البسي عباية عادي عشان هتبجى زحمة أصلا. إنما الليلادي ليا أنا والبنات معاذ وأهله مجرد ضيوف وهيمشوا بعديها يعني هتبقى ليلتنا يا مزيونة! مش انتي فرحنالي برضو
بتنهيدة من الأعماق استسلمت للإجابة على سؤال ابنتها لتترك نفسها لخبيرة التجميل مع التنبيه عليها بألا تفرط في المساحيق. وسارت الفتاة على التعليمات لتكون النتيجة النهائية صاعقة للجميع بل وأكثر من مذهلة...
بعد أذان المغرب تم عقد القران بحضور عدد كبير من الرجال في الساحة الخارجية للمنزل داخل محيط الصوان الذي تم إعداده صباحا بحضور مهيب من الرجال أقارب العريس وأقارب العروس. في عادة متأصلة لا يمكن التخلي عنها أبدا حتى لو تم الزواج عن طريق محام بعقد موثق فالجمع شهود والفرح إشهار والشروط تسري ولا يمكن المناص منها.
بالطبع تولى وصفي أمر وكالتها ليأتي دوره مع قرب انتهاء الإجراءات في الدخول إليها داخل منزلها كي يأخذ توقيعها على الأوراق بعيدا عن أعين الرجال في الخارج.
صدحت زغاريد النساء مع أخذ التوقيع ليضمها إليه مقبلا رأسها بحنان أبوي دائما ما تشعر به ليلى من قبل خالها الحنون قبل والدتها أيضا وضمھا إليه بفرحة تسللت إلى قلبه أن يرى شقيقته سعيدة وعائدة لرونقها القديم لهو أحب الأمنيات إلى قلبه.
مبروك يا ست البنات إنتي وبتك عرايس يا بت أبوي.
ضحكة صافية صدرت منها تبادله قبلة على وجنته امتنانا لقوله لتطلق بعدها زوجته زغرودة وصلت بقوتها إلى خارج الصوان قبل أن تركض وتتركهم عقب استئذان حمزة للدخول
أبو حازم.
اعتدلت مزيونة عند سماع نبرة الصوت التي تعرفها لتشد طرحتها إلى الأمام بخجل أصابها ليتها تستطيع أن تخفي وجهها أيضا أو أن تركض مثل زوجة أخيها ولكنها تعلم سبب دخوله ووجودها شرط أساسي لتبتلع ريقها بتوتر وشقيقها يرحب سامحا له بالدخول
ادخل يا أبو ريان إنت مش غريب خلاص.
دلف حمزة من أجل إتمام مهمته هو أيضا ولكن المفاجأة كانت أكبر من تصوره لدرجة أنه لم يعرفها في البداية قبل أن يميزها قلبه ويتسمر في مكانه بعدم استيعاب. هيئتها سلبت لب قلبه حمد الله أن لا أحد من الرجال دخل خلفه. يقسم داخله إن جلست مكان العروس فلن يصدق أحد في العالم أنها الأم وليست العروس.
مالك وجفت ليه مفيش حد غريب دي العروسة وأمها. إنتو خلاص بقيتوا نسايب يعني مش أغراب.
على أساس أنه لم يعرفها ولكن صوت وصفي جاءه كمنبه حتى يتمالك بأسه ويتقدم نحو عروس شقيقه أولا الجميلة البريئة
ما شاء الله اللهم بارك عروستنا اللي بجت بتنا رسمي دلوك .
ضحكت ليلى لتصافحه بلهفة
عم حمزة ربنا يبارك فيك.
ويبارك فيكي إنتي يا أحلى عروسة. الواد اللي جاعد برا دا مش هدخله دا مچنون وممكن يخطفك بعد ما يشوف حلاوتك دي!
قهقهت بعفويتها التي تصدر بشقاوة لتتمازح معه قليلا قبل أن يلتف عنها ويعطي اهتمامه لتلك الحورية التي كانت تفرك كفيها أمامه بتوتر تضاعف بنظرته الثاقبة نحوها نظرة اخترقتها بجرأة لا حدود لها رغم حديثه بصورة طبيعية أمام شقيقها وابنتها
إزيك يا نسيبتنا.
تلك النبرة التي يتحدث بها يجهلها الجميع إلا هي وكأنه يختصها بها وحدها. ذلك الماكر وكأنه اخترع لغة لها ينجح دائما في إرباكها بالإضافة إلى النظرة المثبتة عليها. ألا يكفيه خجلها الشديد أمامه الآن اللعڼة كيف تجد صوتها الآن
اهتزت رأسها بابتسامة مضطربة كرد له ليرحمها قليلا من غزوه ويخرج من جيب جلبابه ورقة يقدمها لها
دا شيك بمليون جنيه قلت أديهولك في يدك وإنتي حرة تديه لوصفي أو تشيليه مع نفسك.
تناولته وأعطته لوصفي سريعا مرددة
وصفي طبعا أولى دا أكتر من أبوها كمان.
تمام.
أومأ لها بهزة من رأسه ثم انتبه إلى دوي الهاتف ليعرف المتصل دون مجهود ولا نظرة إلى الشاشة
طب العريس بيرن يدخل بجى يسلم
على عروسته ويباركلها ولا يستنى لما ياجي بعد شوية مع الجماعة على حنة العروسة
رحب وصفي على الفور
لا يا عم
خليه يدخل دا خلاص بقى ولدنا كيف ما بتنا بقت بتكم.
لم ينتظر معاذ ثواني بعد أن جاءه الإذن بالدخول ليدلف على الفور معهم. وما إن رأى عروسه أمام عينيه لم يجد الفرصة