لأجلها بقلم امل نصر


اعتماد معها لتواصل
سبحان الله لما بشوفه وأفتكر عليوة بفتكر محمد هنيدي لما اتريق على خطيبته الأولى وقال كنت خاطب صندل والنعمة حتى ما حصل الصندل!
لا وشايف نفسه وهو عامل زي الصرصار المقلوب!
قالتها رغد تشارك شقيقتيها لتتبادلا النكات والمزاح وقد دخل الفرح إلى المنزل أخيرا وصفت القلوب.
...............................
داخل منزل حمادة القناوي أطلقت حسنية زغروطة عالية وطويلة تعبيرا عن فرحها بالخبر الجميل الذي صرح به ولدها الأوسط فقد استقر وضعه أخيرا مع المرأة التي أحبها بالإضافة لخروج أم بناته من الحجز الذي كان له الأثر السيئ في نفوس الصغيرات.
حتى إذا انتهت ختمت بقولها
مبروك يا ولدي مبروك يا نور عيني فرحتك الغالية.
احتضنها خليفة ضاحكا
الله يبارك فيكي يا ست الكل كل دي زغروطة أنا افتكرتك مش هتوجفي!
حمزة الذي كان جالسا على الأريكة بتعب
يا عم ما تسيبها الزغروطة النادرة دي ما بتطلعش غير للحبايب وهي النهاردة فرحانة بيك ربنا يكمل فرحتك يارب.
ويفرحك بريان يا أبو ريان.
كان في الأخيرة قد انتبه على قدوم مزيونة ليقابلها بمرح
وانتي يا أم الغائب تخلصي على خير بإذن الله ونفرح بالعريس ولا يمكن عروسة.. الله أعلم بقى.
ردت مزيونة وهي تأخذ مقعدها جوار زوجها على الأريكة
كل اللي يجيبه ربنا زين يا أبو البنات ربنا يكمل فرحتك على خير وتتهنى إنت واعتماد الطيبة بنت الأصول والله تستاهلوا كل الفرح والهنا.
عقبت حسنية في تلك اللحظة بعتب نحو ابنها
أيوه بس أنا زعلانة عشان ماقولتليش من الأول برضك أعرف على آخر لحظة زيي زي الناس الغريبة!
سارع خليفة بالتوضيح لترضيتها
يا ست الكل محدش كان عارف والله أنا نفسي مقررتش غير وأنا راجع بيها من النيابة ما صدقت ولقيتها فرصة يا أمة هو إنتي مش فرحانالي
ووه ودي فيها كلام طب أها!
قالتها حسنية لتنطلق بعدد من الزغاريد تزيد الأجواء ابتهاجا.
وفي الناحية القريبة تحدث حمزة الذي كان متكئا على الأريكة بإجهاد
بسبب وقفته في انتظار ابنة عمه والافراج عنها
المرة ما صدقت عشان تاخد فرصتها في الزغاريد كأنها واقفة على تكة.
وختم ضاحكا فقالت زوجته
يا سيدي هو في حد يكره الفرح خليها تزعرط وتسمع الدنيا كلها. المهم إنت ما قولتليش عجبك حاجة من الألوان اللي بعتها
قطب بعدم تركيز يسألها
ألوان إيه
تبسمت بمغزى جعله يتذكر على الفور حتى قبل أن تجيبه وقد ارتخت في جلستها بمكر
لحقت تنسى يا حمزة ده إنت محدش يتكل عليك على كده! كويس إني كنت عاملة حسابي واتصرفت من نفسي.
برقت عيناه باستيعاب يخشى حدوث ما وصل إليه ظنه
يعني إيه لتكوني اټجننتي وعملتيها صح والله ما تكوني اتهفيتي في مخك وغيرتي لون شعرك.. لااا...
هشششش.
همست بها إليه بتحذير تنبهه بعينيها أيضا
وطي صوتك يا حمزة عايز أمك وأخوك يسمعوا زعيقك عشان لما يسألوا أقولهم السبب صبغة شعري برضك اتقل كده شوية لما نبقى لوحدينا عشان تبقى مفاجأة.
عض على شفته بغيظ شديد يكتنفه العجز لا هو بقادر على الصړاخ بها ولا بقادر على شد الحجاب وكشف رأسها بنفسه كي يعلم إن كانت فعلتها أم لا يقسم إن صدق ظنه لسوف...
تحدث ضاغطا على أسنانه
عارفة يا مزيونة لو يطلع صح إنك غيرتي لون شعرك والله لا...
قاطعته بعتب يشوبه الدلال والخبث
حمزة.. بلاش توعد بحاجة عفشة يا حمزة وبعدها ټندم لما تلاقي اللون عجبك!
جعلته كلماتها يصمت بحنق شديد يصبر نفسه بصعوبة حتى موعد اكتشاف الکاړثة.. أو المفاجأة على حسب ما تقول..
......................
بعد انصراف الجميع إلى شؤونهم دخل حمزة الغرفة وأغلق الباب پعنف خلفه ليلتفت إليها وشرر الغيظ يتطاير من عينيه
يا صلاة النبي غيرتي هدومك ولبستي الببجاما ولساتك برضه قاعدة بالطرحة فوق راسك على أساس إنك محتفظة بعنصر المفاجأة اخلعي ياللا ووريني المصېبة اللي عملتيها في راسك اخلعي ده أنا ما صدقت بقينا لوحدنا.
نهضت من أمام المرآة تتبختر في خطواتها رغم عرج قدمها البسيط
وه يا أبو ريان داخل كدة على الحامي طب قول مساء الخير الأول.
مزيونة.. اخلصي خليني أشوف المصېبة اللي هببتيها!
هتف بها بانفعال قابلته بهدوء عجيب لتقترب منه ببطء وعلى وجهها ابتسامة غامضة ثم بدأت بفك عقدة حجابها بتمهل زاد من حرقته وقالت بنبرة خفيضة
وليه بس مسميها مصېبة يا أبو ريان ده حتى التغيير مطلوب بيسر العين ويشرح القلب.
ده لما يكون في الصح مش جنان وبيهب من غير ميعاد.
قالها قبل أن يتخذ الخطوة بنفسه وقد مل من تباطئها المتعمد ليسحب الحجاب منها دفعة واحدة فانسدلت خصلات شعرها التي لم يصبها صبغ اللون الأصفر كما توهم بل ظهر بصورة أخرى فاجأته الشعر الفحمي الأسود تحول إلى لون يشبه الأسود لا بل هو بني قاتم وقد كان لامعا ومصففا بعناية شديدة ليس كالذي اعتاد عليه ولكنه كان جميلا ومبهرا أضفى إلى جمالها بعدا آخر يقارب السحر. اللعڼة! كيف فعلت هذا التغيير المضبوط بهذه الدقة
كان قد بالغ في تأمله لها حتى تجمدت الكلمات بحلقه فنظرت إليه بمكر متسائلة
إيه يا أبو ريان.. اللون مش عاجبك ولا طلعت أنا مهفوفة في عقلي بجد
تنفس حمزة الصعداء واسترخت ملامحه المتشنجة تدريجيا ليرد بلهجة حاول أن يبقيها حازمة رغم انكسار غيظه
مع إن دمي ما زال بيغلي إنك عملتيها من غير ما ترجعي لي لكن يشفع لك بس إن اللون لايق عليك
إنما والله لو كنت عملتيها وحولتي لصفار البيض والكلام الفاضي ده لكنت طينت عيشتك بالفعل وخليتك ترجعيه لأصله من عشية.
من عشية كمان!
قالتها ثم أخرجت من حلقها شهقة خاڤتة لتتحرك من جواره حتى جلست على طرف تختها تتحدث بثقة
مع إني عارفة إنك بتبالغ لكن معلش بقى أنا برضك مش هفية عشان أقلد أي حد حتى لو كانت البت الصفرا إياها.
البت الصفرا مين
للمرة الثانية يخطئ بسؤاله قبل أن تأتيه الإجابة من نظرة واحدة إلى عينيها فضړب بكفيه الكبيرتين على صفحة وجهه
تاني برضه الصفرا وزفت الطين مش كفاية إنك طيرتي برج من عقلي مش هنخلصوا منيه الموال ده يا بنت الناس خلينا في حياتنا زي ما هي ماشية يا مزيونة ولو في تغيير بسيط زي لون شعرك الحلو.. إلا قولي لي مين دلك على اللون الحلو ده
علمت مزيونة أنه بسؤاله الأخير لها قاصد تغيير دفة الحديث فاضطرت أن تجاريه
ربنا يخليها بنتي ليلى هي اللي اختارت لما طلبت منها فاتصلت على البت سمر الحفافة فجات هنا بعدتها صبغت وكوت الشعر كمان المهم إنه عجبك!
إلا عجبني ده هينطق عليك من الحلاوة يا مزيونة يا برنسيسة أنت.
تفوه بها متغزلا ليجلس بجوارها يداعبها ويدللها وهي تستجيب إليه بعقل يقظ لتخفف قليلا من الضغط عليه إنما أبدا لن تنسى أمر حسابه عن تقبيل المدعوة تولين له على وجنتيه.
.............................
في مقر شركة المقاولات والهندسة بالقاهرة وفي اليوم الأول له بعد العودة دلف من الباب الدوار إلى داخل ردهة الاستقبال الفاخرة بجدرانها الزجاجية وأثاثها العصري. كان يرتدي حلة سوداء كلاسيكية مفصلة بعناية قميصا أبيض ناصعا وساعة جلدية فاخرة. ملامحه حادة ووسامته لافتة أناقة ليست غريبة عنه وذلك ما اعتاد عليه فالجلباب له وقت وللملابس العصرية أو الحلة الفاخرة وقت آخر.
إلا أن كل هذا لا يعنيه بشيء في ذلك الوقت الحساس بعدما أجبر على ترك زوجته في أيام حملها الأخيرة كي يلبي نداء العمل. كانت يده تقبض على الهاتف الذي كان يدوي بهزيز يدل على ورود اتصال من جهة يعلمها جيدا ينتظر فقط الوصول إلى مكتبه كي يتحدث معها باستفاضة ليخبرها عن يومه الذي لم يبدأ أصلا ولكن مع استمرار الرنين اضطر أن يرفعه إلى أذنه مغمغما بضيق
يوووه عليكي يا ليلى مش قادرة تتصبري على ما أوصل مكتبي
في أثناء ذلك وهو يسرع الخطوات باتجاه غرفة المكتب اصطدم رغما عنه بفتاة تخرج مسرعة من أحد الممرات وهي تنظر في أوراق بيدها حتى سقطت منها أرضا بفعل الاصطدام لتشهق ناظرة نحو الأوراق
مش تفتح أنت فاكر نفسك ماشي في جنينة بيتكم!
انتاب معاذ الڠضب ولكنه كظم انفعاله وتمكن من الرد بهدوء تقديرا لصعوبة الموقف
كتر خيرك يا ست بس أنا اصطدمت فيكي من غير ما أقصد يعني مالوش لزوم الغلط ولا التلقيح بكلام ماصخ.
رفعت الفتاة رأسها إليه ببطء لتطالعه بذهول فقد كانت تتوقع رؤية عامل بسيط أو موظف عادي بناء على اللكنة لكنها تفاجأت أمامها برجل عصري في قمة الأناقة بملامح جذابة وعيون صقرية رجولية. ابتلعت ريقها بتوتر لتستعيد توازنها سريعا وتسأله
أنت مين دي أول مرة أشوف الوش ده هنا.
تبسم معاذ بسخرية يعقب على قولها
الوش أو السحنة اللي أول مرة تتفاجئي بيها في الشركة المحترمة واحد من الموظفين اللي فيها.. أنا المهندس معاذ.
ارتفع حاجباها بتخمين فور سماع اسمه
انت المهندس المسؤول عن قطاع الإنشاءات واللي غايب
عن الشغل من كذا شهر!
بضيق لا يخفيه من طريقتها رد بجفاء وتحد
أيوة أنا المهندس معاذ والمسؤول عن قطاع الإنشاءات وكنت غايب عشان ظرف يخصني إنما أنتي صفتك إيه عشان تسألي وتعملي عليا تحقيق خليكي في حالك يا حلوة ولمي الورق اللي وقع منك.. بلا ۏجع
دماغ.
تفاجأت الفتاة برد فعله وعنجهيته في مخاطبتها ومن ثم مغادرته من أمامها بجلافة استفزتها لتوقفه بندائها
استنى عندك هنا!
شعر بتصلب عضلات ظهره بعد أن استجاب ليتوقف بناء على ندائها ثم وببطء شديد التف إليها قائلا بفظاظة
نعم يا آنسة بتوقفيني تاني ليه
فردت ظهرها وربعت ذراعيها فوق صدرها لتقول بثقة رافعة ذقنها للأمام
كنت عايزة أعرفك بيا يا بشمهندس.. أنا مريم السيوفي عضوة مجلس الإدارة الجديدة. وأنا اللي طلبت استدعاءك فورا لأن تقاريرك الفنية ممتازة بس غيابك كان غير مبرر بالنسبة لي.
ضاقت عينا معاذ وهو يطالع تلك النحيفة المتعجرفة بنظرة ثاقبة يحجم نفسه ألا ينفعل عليها حتى لا يترك العمل غاضبا غير عابئ بشيء ليتمكن بصعوبة من السيطرة على غضبه ويرد
تمام قوي يا بشمهندسة مريم على العموم أنا رجعت وقطعت إجازتي الغير مبررة عشان أهتم بشغلي أسيبك بقى أشوف اللي ورايا.. عن إذنك.
بمجرد استئذانه تحرك ينهب الأرض بخطواته الواسعة متوجها نحو المصعد تاركا مريم تراقبه بشغف مختلط بالحيرة وهي تلملم أوراقها التي لم تعد تهمها بقدر ما يهمها اكتشاف سر هذا الصعيدي الأنيق ذو الوسامة الواضحة والتضاد الشديد مع لكنته الصعيدية والتي ولأول مرة تكتشف أنها جميلة.
.............................
فتحت نورا باب منزلها الداخلي وهي تستعد للخروج ترتدي عباءتها وتعدل من وضع طرحتها قاصدة الذهاب إلى سوق البلدة لشراء ما تحتاجه من خضروات وبقالة في ميعاد يومي اعتادت عليه.
وكانت المفاجأة من نصيبها حين وقعت عيناها على ذلك الشبح الذي يحتل مكانه على جانب من الممر الضيق الذي يؤدي إلى الباب الخارجي واقفا في الظل يستند