لأجلها بقلم امل نصر


هي دي الرحلات اللي تفتح النفس.. خلي بالك منها ومن نفسك اعتماد بقت أختي دلوك وأنا هقف لك لو زعلتها.
خطت مزيونة إلى داخل الشرفة وهي تحمل صينية طعام تفوح منها رائحة شهية لتقف للحظة تستمع لنبرة صوته المليئة بالبهجة فارتسمت على وجهها ابتسامة حانية وهي تسمع آخر الحديث قبل أن ينهي المكالمة.
ثم اقتربت تضع الصينية على الطاولة التي تتوسط الشرفة وجلست على كرسيها تخاطبه
وشك منور والفرحة مش سيعاك دا خليفة اللي كنت بتكلمه صح
اقترب حمزة ليضمها إليه من كتفيها بخفة قبل أن يتخذ مقعده على الكرسي المقابل لها يتحدث بانتشاء
هو بعينه خليفة أخوي صوته فيه راحة بال مسمعتهاش منه من زمان اللي يسمعه وهو بيتحدت ميصدقش أبدا إنه هو ولا كأنه عيل صغير وهو بيحكي لي عن جمال الرحلة وانبساطهم... أول مرة أحس إنه طاير من الفرحة ربنا يكمله على خير يارب مع اعتماد.
التمعت عينا مزيونة باهتمام
يارب اللهم آمين هما الاتنين ولا كأنهم لقيوا بعض بعد توهة... سبحان من جمع القلوب.
رد حمزة ويده تمتد نحو الطعام الشهي
تمام زي حكايتي أنا وأنتي يا أم الغايب يعني كنت أعرفك منين قبل كدة على العموم إحنا كمان محتاجين سفرية زيهم نجدد العشق وليالينا الأولى.
قال الأخيرة وهو يغمز بطرف عينه فما زال ينجح في إخجالها. همت أن تعارضه بعند فيه كالعادة ولكن في نفس اللحظة اندفع ريان إلى الغرفة يمسك بحقيبته المدرسية الصغيرة ويهتف بحماس طفولي
أبوي أمي مزيونة أنتوا فين
إحنا
هنا يا واض!
هتف حمزة وهو يضع بفمه لقيمة مغموسة بالعسل حتى تفاجأ بالآخر قادما إليه بهيئة متأنقة فقال ريان
صباح الخير أنا دخلت لما لقيت الباب مفتوح.
تجاهل حمزة تبريره وقد لفت نظره شيء آخر
آه يا باشا وأنت لابس كدة على الصبح ورايح فين
تدخلت مزيونة قائلة
مش وقت أسئلة دلوك يا حمزة
سيبه ياكل الأول وبعدها اتحدتوا براحتكم تعالي كل يا حبيبي افطر الأول ليكون معاك درس
اقترب ريان متناولا شطيرة مربى يقطم منها دون أن يجلس ويجيبها على عجالة
لا أنا معنديش درس بس عندي مسابقة بعد كام يوم في المدرسة ميس تولين كلمتني واتس إمبارح أنا وزمايلي من مجموعتها اللي هتنافس بيها.
يعني هي تولين اللي كلمتك
هتفت مزيونة بحدة لا تخفيها نحو ريان الذي رد ببساطة وإسهاب غير مدرك لشحونة الأجواء بمجرد ذكر اسمها
أيوه أمال إيه وقالتلي يا ريان تعالى بدري عشان نلحق نجهز الألوان والحاجات اللي هنشتغل بيها.. بتحبني قوي قوي.
رددت خلفه وعيناها ذهبت نحو حمزة الذي كان يدعي في تلك اللحظة انشغاله بتناول الطعام
قوي قوي! وعلى كدة يا حبيبي الميس دي هتبعت أتوبيس المدرسة ياخدك من على الجسر ورانا زي كل مرة ولا عاايزة يوصلك واحد مننا
أجاب ريان
لا طبعا هي قالتلي خلي بابا يجيبك بعربيته.
آه يا ابن الكلب...
غمغم حمزة بسبته وعيناه ارتفعت نحو ذلك الأبله وهو يتابع بحماسه الأحمق أمام مزيونة التي تحولت إلى كتلة من اللهب
أتوبيس المدرسة ده بيشتغل أيام الدراسة بس وإحنا لسه في الإجازة يبقى والدي هو اللي يوديني بنفسه وبعدها يجي يروح بيا.
يا حبيبي!
تمتمت بها مزيونة وأبصارها اتجهت نحو حمزة
إيه رأيك يا أبو ريان بيقولك لازم توصله لميس تولين في المدرسة وبعدها برضك ترجع تروح بيه.
توقف حمزة عن مضغ الطعام باضطراب نتيجة السؤال الثعباني كما صنفه برأسه في تلك اللحظة إلا أنه سرعان ما وجد الحل
والله إن كان عليا أنا نفسي مشغول بس دا بيقولك مسابقة ورسم... مش عارف بصراحة طب بلاها منها المسابقة دي يا ولدي و...
صاح ريان مقاطعا باعتراض لا يقبل الجدال
بلاها كيف يا بوي وأنت عارف إني بحب الرسم مع ميس تولين اللي حاطة أملها كله فيا عشان نفوز.
امممم...
زم حمزة شفتيه نحو زوجته يرمي الكرة في ملعبها دون أن ينطق ببنت شفة فتضاعف الغيظ بداخلها لكنها حسمت حيرتها بعد لحظات
أكيد يا حبيبي مادام حاطة أملها فيك مينفعش تخذلها بابا دلوك هيلبس وياخدك بعربيته... وأنا معاه!
أنتي معاه فين!
تساءل حمزة بعدم فهم لتجيبه بتأكيد وتشديد
أنا وأنت هنوصله للميس بنفسينا عشان بالمرة أعرف المدرسة وأعضاء هيئة التدريس هناك يعرفوني وأتابع معاهم مستوى ريان وحالته ما هو زيه زي بنت ليلى برضك ولا إيه يا أبو ريان
...........................
بحماس شديد ضغطت نورا على حقيبة السفر بقوة حتى تتمكن من غلقها بعدما ملأتها بملابسها ومتعلقاتها بينما هتف عطوة بملامحه العابسة بضيق وتبرم
خلاص يا نورا مش بالعافية هي! الشنطة زايدة عن حمولتها أصلا خففي منها يمكن تقفل.
ضحكت نورا لتزيد من غيظه وضاعفت من جهدها حتى أغلقتها ليصدح عطوة بصوت عال وغيظ مكتوم
مش هنخلص إحنا النهاردة! العربية ركنت تحت بقالها ربع ساعة والسواق عمال يبرطم برا.. القطر مش هيستنانا يا ست هانم!
كانت قد تمكنت أخيرا من إحكام الغلق عليها لتنهض من فوقها وتقابله بابتسامة يميزها الدلال
طب براحة طب شوية من غير نرفزة ولا
عصبية بلاش تنكد على نفسك يا عطوة.
ارتبك قليلا من طريقتها التي دائما ما يظهر تأثيرها عليه ليزفر قائلا بخشونة
مش عصبي ولا دياولو! أنا باصص بس على التأخير وأنتي ناقص تاخدي عفش البيت في الشنطة! دول كلهم كام يوم نكتب الكتاب ونرجع هنا تاني.. والله كله بس عشان خاطر متزعليش.
تبسمت بعذوبة ومالت لتضع يدها على كتفه بنعومة
مش محتاج تقول ولا تتعب نفسك أنا عارفة إنك جاي على نفسك لأجل بس ما تنفذ شرطي ودا اللي خلاني أوافق وأتأكد إنك رايدني بجد. أنا طول عمري متشحططة يا عطوة ومليش غير ناسي يعني لما تتقدم تطلبني منهم وبعدها تحط يدك في يد أبويا ولا عمي مش كتير على واحدة زيي يا عطوة. وإن كان ع الشنط فدي شوية هدايا أفرح بيهم العيال.. فك أنت بس وكله هيمشي زي السکينة في الحلاوة.
ابتلع ريقه بتوتر فاقترابها منه بتلك الصورة يفقده كل ذرة من تحكمه ولكنه مجبر على الصبر فعقب بصوت متحشرج ردا عليها
وأنا حيلتي إيه غير إني أتبعك ما أنا وقعت واللي كان كان.. يعني أتحمل وأصبر وأعمل اللي يرضيكي بس ابعدي عني شوية كدة الله يرضى عنك لأتهور وساعتها أنتي اللي هتكرهيني!
برقت عيناها فجأة وقد وصل إليها مقصده لتبتعد عنه عدة خطوات للخلف وتردد ضاحكة بغنج
لا وعلى إيه يا سيدي خلينا محترمين ومؤدبين أحسن دي كلها بس مسافة السكة وكله يبقى في الحلال يبقى لزومه إيه الاستعجال ارفع ياللا يا عطوة الشنطة الباقية من ورا أوضة النوم.
قالتها وتحركت ذاهبة نحو وجهتها لتعيد عليه بدلالها
شيل يا عطوة.. شيل يا نور عيني!
تسمر المذكور يطالع أثرها بغيظ وقلة حيلة مغمغما
ماشي يا ست البرنسيسة حكم القوي على الضعيف.. بس خلصينا عاد!
..............................
توقفت السيارة أمام مبنى المدرسة الضخم في تلك المنطقة الراقية الهادئة بالمحافظة فخرج ريان برأسه من نافذة السيارة ليردد بلهفة وحماس
مدرستي حبيبتي وحشتني كأني بقالي سنين طويلة بعد عنها!
يا حبيبي.. اللي يشوفك يقول شاطر وبيطلع من الأوائل!
تمتم بها حمزة ساخرا لتعلق مزيونة التي تستعد للترجل
معلش ما هي المدرسة مش حجارة وبس لا دي ناس وبشر على العموم كلها أيام قليلة وتبدأ الدراسة بس أنت شد حيلك.
ضحكت ليلى التي أتت اليوم معهما لتنهي استعدادات الكلية هي أيضا
أيوه يشد حيله عشان يبقى فنان عظيم.
أنتي بتقولي فيها والنعمة ليحصل صح ميس تولين على طول بتقولي كدة.
تفوه بها ريان ردا عليها بتحد قبل أن يترجل يسبق والده الذي رمقه بغيظ شديد ازداد أكثر مع تعليق زوجته
بتحبك يا حبيبي وواثقة فيك.. انزل يا أبو ريان خلينا نشوفها أكيد الست مستنيانا على ڼار
..........................
!
توقف ذلك السائق يصف سيارة نقل الخضروات الضخمة الخاصة به على الجانب من الساحة الترابية الشاسعة ليترجل منها كي يأخذ جلسته عند صاحب عربة الفول ليخفف جوع بطنه بتناول وجبة الإفطار في موعد الظهيرة.
سحب كرسيا خشبيا وهو يصفق بكفيه مخاطبا الرجل
طبق فول بالزيت الحار يا عمنا مع فحلين بصل الله يرضى عنك.
من عيوني يا أسطى اتفضل وحالا يجيلك طلبك.
تفوه بها صاحب العربة وهو يشير إليه كي يستريح خلف الطاولة القريبة حتى يجهز له مطلبه.
تسلم عيونك.
ردد السائق بامتنان بعد أن استراح بجلسته في استعداده للانتظار وعيناه تراقب الطريق والأجواء من حوله حتى إذا أتى إليه بطبق الفول الشهي فرك كفيه بحماس وشهية مفتوحة على آخرها
تسلم إيدك يا
عمنا.. الفول بتاعك شكله يفتح النفس وريحته تهبل!
تبسم المعلم صاحب العربة يرد عليه وهو يقلب الفول داخل القدرة
بألف هنا يا أسطى نورت البلد الغريبة قليل لما حد سواق نقل يوقف عندنا الناس دايما بتجري.
لا ما أنا كنت هجري برضك بس الجوع هو اللي وقفني.
تمتم بها السائق بدعابة قبل أن يحشر فمه بلقيمة كبيرة ليهم بمضغها والتلذذ بالطعم الجميل حتى وقعت أبصاره على سيارة الأجرة التي مرت أمامه وبالتحديد نحو الرجل الذي عرفه بسهولة لكن ما لفت انتباهه هو المرأة التي تجلس بجواره تضحك وتميل عليه بدلال محبب.
وقبل أن تختفي جيدا من أمامه
الټفت نحو صاحب عربة الفول متسائلا
عم الحاج معلش يعني في ده السؤال الراجل والست اللي في العربية دول تعرفهم أصلي بشبه عليه.
بنظرة خاطفة نحو السيارة أجابه الرجل ببساطة
آه راجل زين جوي بييجي هنا ياكل من عندي لما يكون جاي ولا ماشي من البلد هو مش من أهلها بس بييجي هنا عند مرته حسب ما بسمع راجل محترم ويده فرطة...
استنى يا عم مرته مين سامحني يعني أصل الراجل اللي أعرفه أنا مش متجوز!
تبسم الرجل يجادله
خلاص يكون اتجوز ولا يمكن واحد غيره.. الحاج عطوة راجل ابن أصول ومرته اللي لمحتها دلوك جنبه هو مش هيلصق في واحدة غريبة كدة يعني.
هو كمان بقى حاج!
تمتم بها السائق ساخرا ليواصل بحديث نفسه بدهشة وذهول
والله وطلعت مش هين يا عطوة متجوز وعايش حياتك.. ومن مين من نورا اللي هربت من عرفان! آآآه.. يا ويلك منه لما يعرف!
......................
تعمدت أن تتأخر بخطواتها خلفهم عيناها تجوبان المكان كأنها في مهمة تفتيشية تتابع لهفة ريان وهو يسحب والده إلى داخل المرسم المكان المحبب إليه مع الميس تولين.
هو دا المرسم اللي هيتعمل فيه المسابقة بقى أمال فين ال...
قطع حمزة سؤاله حين وقعت عيناه عليها تلك المدعوة تولين وقد أطلت من خلف لوحة كبيرة بقميصها الأبيض الأنيق وابتسامتها الهادئة التي تشبه لوحات الموناليزا لتتقدم نحوهما بنعومة لافتة
واو مستر حمزة وريان تلميذي العبقري ونجم المدرسة للسنوات القادمة دون منازع!
وما إن سمع ريان مبالغتها في الإطراء عليه حتى تهلل وجهه ليركض إليها بلهفة الغائب منذ سنوات
ميس تولييييين!
يا حبيبييي.
تمتم بها حمزة وهو يتابع مشهد طفله الذي ركض حتى وصل