لأجلها بقلم امل نصر


تصديق ولا استيعاب هل ما تراه حقا أم هو ضړب من الخيال
حتى أفصحت عما يدور في ذهنها بصوت عال 
كمال!
فجاء رده بحدة قاطعة 
الرائد كمال! ما تنسيش نفسك إنت واقفة قدامي متهمة وأنا هنا الظابط اللي بيحقق معاكي.
أذعنت مصغرة لتجلس أمامه على كرسي معدني بارد وكأن الأجواء تتكاتف معه ضدها وقد أصبحت مقابلة له تنكمش على نفسها وعيناها ترفضان النظر إليه.
فقصف صوته متحدثا إليها 
أكيد عرفتي إحنا جايبينك هنا ليه يا هالة
سمعت منه لتستحضر قوتها المعهودة ناظرة إليه بتحد...
لاه ماعرفش عشان الكلام ده ميخصنيش أصلا.
شبه ابتسامة لاحت على زاوية فمه قبل أن يرد برسمية 
تمام إيه أقوالك بقى في الاتهام الصريح الموجه ليكي من الأستاذة عطيات بمحاولة تسميم زميلتها اعتماد اللي غالبا هتبقى ضرتك على حسب ما سمعت
شدد على الأخيرة بقصد واضح يمس كبرياءها من رجل مثله لتعارضه بقوة وبدون تفكير 
مجرد كلام لا هو خطبها ولا كتب كتابه عليها والناس ياما بتقول وبتألف.
كبح ابتسامة ملحة ليضغط على تلك النقطة 
يعني بتنكري إنها خطيبته أمال
روحتلها المدرسة ليه وقلتي باللفظ قدام عطيات إنها ضرتك حبيبتك
الست دي كدابة وبتألف من مخها!
هتفت لتردف بإصرار على الإنكار 
أنا يمكن روحتلها المدرسة صح بس عشان البت اللي هقدملها. ثم اعتماد كمان مش غريبة علينا دي بتيجي بيتنا تدي دروس لسلفتي ليلى مرات معاذ.
عقب سائلا بنبرة لم تعجبها 
أنهو بيت بالظبط بيت والدك ولا بيت جوزك اللي سايباها مقموصة عند أهلك بقالك كام يوم عشان جوزك اللي هيجيب عليكي ضرة أنا قبل ما أجيبك هنا جمعت كل التحريات عنك ما إنت بقيتي متهمة عندي بقى!
ارتعشت شفتيها بغضا وهو يؤكد لها معرفته بكل ما يحدث معها وكأنه يشمت بها.
خيم الصمت وكأن حربا باردة تدور بينهما ما بين ذكرى بائسة مرت عليها سنوات عديدة وحاضر مؤسف وضعت فيه أمام من تعاملت معه بتعال في الماضي بغباء منها.
أما هو فقد لاحت في عينيه نظرة ألم عابرة أخفاها سريعا وقد استشرى في أوردته سيل حمم يشغل رأسه نحوها تلك التي جرحته سابقا دار بها الزمان لتأتي بين يديه الآن... لكن هل ينتقم
قطع اللحظة والڠضب المشحون بينهما طرق قوي على الباب تبعه صوت رجل الأمن 
محامي المتهمة اللي جاي يحضر معاها يا فندم
الرائد كمال
بنت الجنوب 
أخبرها قلبها بمكانه فاتخذت طريقها نحو تلك البقعة الخالية من البشر في ذلك الوقت وقد قارب الليل على الدخول مع غياب الشمس ورحيل المزارعين وأبنائهم.
لم تفكر في تعب معدتها التي لم تهدأ بعد ولا في خۏفها الأزلي من الحيوانات البرية التي تأتي في ذلك الوقت.
قدماها تتحركان دون تفكير أو تخطيط حتى وصلت.
بحثت بعينيها عنه حتى وجدته جالسا أمام النيل بسكون يثير الريبة.
لكنها على الأقل وجدته ليدخل النفس إلى صدرها أخيرا.
ثم خطت إلى داخل ذلك المربع بخطوات هادئة حتى وصلت بالقرب منه تخاطبه 
أنت قاعد هنا يا خليفة والدنيا مقلوبة عليك
الټفت إليها بنظرة خاوية دون صوت فواصلت هي 
طب على الأقل رد على التليفون دول من الصبح بيدوروا عليك.
ومع ذلك محدش فيهم عرف مكاني غيرك.
تفوه بها ردا على قولها فضربها الارتباك تبرر بكلمات غير مترابطة 
ما... ما هما أكيد... آه محدش يعرف منهم المكان... ثم كمان متنساش... إن أنا عرفته بالصدفة في الليلة اللي ضړب فيها المحول والدنيا كلها كانت ضلمة... فاكر
رد يجيبها بدفء لامس قلبها 
ودي ليلة أقدر أنساها اجعدي يا اعتماد اسحبي السجادة اللي وراكي ونفضيها أحسنلك من الوقفة.
انصاعت مضطرة لتفعل كما أمرها وتربعت على الأرض ثم قالت في محاولة للتهوين عنه 
أنا ماعرفش إيه اللي حصل بينك وبين مرتك وخلاك تطلجها في لحظة ڠضب أكيد عشان كده متضايق بس ربنا حلل إنك ترجعها حتى قبل العدة ما تخلص...
ومين قال إني زعلان عليها
قاطعها بها ثم تنهد بعمق ناظرا إلى النيل ليردف 
موضوعي أنا وهالة خلص من زمان يا اعتماد هي بس كانت معافرة مني عشان اللي رابط ما بينا وصلة الرحم كمان...
توقف ثم عاد إليها وأكمل 
بس في مواقف ما ينفعش فيها غير البتر عشان باقي الأعضاء تفضل سليمة.
عشان كده ربنا حلل الانفصال.
همت أن تتحدث لكنه واصل يخرج ما في قلبه 
تعرفي إني ما اخترتهاش بالظبط زي ما إني ما اخترتش أكون الوسطاني لا أنا واخد غلاوة الكبير ولا دلع الصغير. مش تفرقة من أبويا وأمي بس هو الوضع كان كده.
حمزة طول عمره جريء ويطلب ما يتكسفش وأنا كنت أعمل فيها العاقل.
تصدقي إن لحد دلوك وهو راجل كبير يترمي في حضڼ أمي زي العيل الصغير ونفس الأمر كمان معاذ.
أنا لاه... مع إني نفسي والله يا اعتماد لكن طبيعتي كده هعمل إيه في طبعي بجى
يا الله... أتفتح له ذراعيها وتأخذه في أحضانها حتى تخفف عنه أم...
نفضت عن رأسها الفكرة الغبية لتلملم شتاتها وتتحدث بجدية رغم تأثرها الشديد بما قاله 
مش عارفة أقولك إيه بس...
بس إيه يا اعتماد أنا محتاجك وإنت محتاجاني. بلاها تعملي نفسك مش واخدة بالك عشان اللي خلاني أتجرأ وأفتح قلبي دلوك من غير حتى ارتباط رسمي يخليني أتجرأ و أطلب الجواز منك بكرة وأبقى كتاب مفتوح معاكي عشان هتبقي أقرب ليا من نفسي.
هكذا وبكل بساطة يخترق جدار قلبها.
كيف تجد الإرادة بعد الآن لرفض طلبه والحياة التي تفتح لها ذراعيها معه
استدركت فجأة تخرج من أحلامها الوردية لتخبره بنبرة باكية 
خليفة... مرتك اتحبست وبيحققوا معاها في القسم دلوك.
............................
كان المحامي الذي وكل للدفاع عنها يقوم بمهمته على أكمل وجه حتى يخرجها على الأقل من القسم دون احتجاز. ومن جانبه هو أيضا يمارس مهنته برسمية شديدة بعيدا عن العاطفة أو أي مؤثر شخصي في سرد الأدلة 
كلام الأستاذة عطيات مش دليل يا فندم يعني لا شافت ولا سمعت مجرد ترجيح من دماغها.
وتفسر بإيه حضرتك هروب المدعو حسني ابن أختها قبل ما القوة توصل بيتهم
عشان مخبول وخاېف لتتلفق له قضية... شرب ولا برشام!
هتفت بها كرد على سؤاله ليلتقط هفوتها معقبا 
يعني عايزة تقولي إنه عيل برشامجي و صايع زي ما عرفنا دا كده يبقى محل اتهام بالفعل بقى!
برقت بإجفال ردا على تفسيره فسارع المحامي بالتدخل حتى لا تردف بالمزيد 
مدام هالة... سيبيني أنا أجاوب الله يخليكي.
أجبرها على الاستماع صامتة أمام هذا المتربص بخطأ واحد منها ثم قال 
طب يا فندم حسني مش موجود دلوقتي. أنا من رأيي تفرجوا عن موكلتي على ما تعثروا عليه و تاخدوا أقواله وإن شاء الله يبرأها.
مط شفتيه بنوع من السخرية ثم أردف بعد ذلك بحسم 
والله
حضرتك الكلام ده كان ممكن يحصل لو هي شاهدة لكن حسب ما مدون في المحضر اللي قدامك هي شريكته. يعني هتفضل معانا لحد ما يظهر و نطابق بصماته مع البصمات اللي على عبوة القهوة المسممة و ساعتها بقى المعمل الجنائي يحدد إن كانوا الاتنين براءة ولا قضية...
تدلى كتفا الرجل متنهدا بيأس بعد سماع كلماته لتخرج صيحة الاستنكار منها 
أقعد معاكم كيف يعني أنا مش فاهمة!
أجابها على الفور دون مواربة 
يعني هتباتي في الحجز يا مدام هالة و لا أنت فاكرة هنحجزلك أوضة في الفندق اللي هنا!
يتبع...
بنت الجنوب 
والله العظيم من أصعب الفصول ويمكن اطولها
تلت ايام بكتب فيه وكله مواجهات مواجهات 
مستنية تفاعل يفرح قلبي بعد المجهود الكبير يا بشړ
الفصل الثامن والأربعون
معقول في بنات في الصعيد عندنا بالحلاوة دي!
يتذكر جيدا تلك العبارة التي حدث بها نفسه حين وقعت عيناه عليها لأول مرة.
بعد فترة طويلة من صداقته بحمزة تعدت الشهور حتى توطدت العلاقة لتقارب الإخوة كان بالنسبة إليه كالعملة النادرة التي عثر عليها بعد شقاء عمر من الوحدة رغم التفاف العديد من البشر حوله.
البلدة أصبحت بلدته وعائلة حمزة أصبح هو فردا منها يترك كل شيء في المدينة الصاخبة من أجل أن يأتي ويقضي معه وقتا جميلا بين العائلة وجلسات الشباب أو التسكع في الطرقات أو التريض بركوب الخيل كما حدث في ذلك اليوم.
حين كان يمتطي أحد الخيول معه ويسيران بها داخل الحقول وبين المنازل حتى مر الاثنان على أحدها منزل كبير يشبه منزل عائلة القناوي بصورة أثارت فضوله للسؤال حين رأى صديقه يلوح لأحدهم بالتحية والرجل يشير إليه كي يقترب.
أطاعه حمزة وكاد هو أن يفعل مثله لكن تيبست يده فجأة على لجام الحصان حتى لا يتحرك وقد شخصت أبصاره بالنظر إلى إحدى الشرفات المقابلة لهما تماما لفتاة مثل البدر في ليل تمامه تقف أمامه بابتسامة تزين محياها وعيناها عليهما تنقل النظر إليه وإلى حمزة الواقف مع ذلك الرجل الذي عرف أنه والدها بعد ذلك حين سأل ليعلم أنها ابنة عم صديقه.
كانت لحظة توقف بها الزمان لحظة خفق فيها القلب لأول مرة نحو فتاة.
لطالما أعجب بفتيات جميلات ولكن ولا واحدة فيهن أحدثت فيه ذلك الإحساس.
ذلك الإحساس الذي لا يضاهيه متاع الدنيا بأكملها وقع صريعا في عشقها تلك الجميلة التي جعلت ليله نهارا ونهاره ليلا يتشوق لرؤيتها في كل لحظة ولا يستطيع إلا حين يمر صدفة على منزلها أو يسعفه الحظ فيتفاجأ بها في زيارة لمنزل عمها أثناء تواجده.
وهكذا تمر الشهور وعدد من السنوات وهو يتلظى بنيران عشقه كاتما إحساسه داخله مراعاة للأصول المتشددة لأهل القرى وتقديرا لصداقته مع حمزة حتى أتى ذلك اليوم الذي حسم فيه أمره متخذا قراره بالزواج منها.
طرقة عالية
على باب غرفة مكتبه انتشلته من شروده وقد غاص بذهنه في ذكريات جميلة وقاسېة كأنها كانت الأمس ليزفر من نيران صدره متوجها بالإذن لرجل الأمن.
ادخل
دلف الرجل ليؤدي التحية العسكرية أولا ثم تحدث
واحد اسمه معاذ بيستأذن حضرتك عشان يدخل متعلقات السجينة بنت عمه على حسب ما بيقول.
أومأ إليه بموافقة
دخلوه عندها يسلمها كل حاجة بنفسه وأنا جاي أشوفه.
.........................
خارج غرفة الحجز الخاص بالنساء وقفت هي تتسلم من ابن عمها الأشياء التي أتى بها دون أن تتوقف عن إبداء السخط والاعتراض
شوفوا لي حل يا معاذ النهاردة لازم تطلعوني من المخروب ده أنا نص ساعة ما استحملتهاش أبات فيه إزاي يعني إزاي أبيت وسط القرف والستات اللبش دي ولا انتوا فرطتوا فيا يا معاذ
سمع منها يطالعها بمزيج من الذهول والغيظ مرددا خلفها
فرطنا فيكي! يعني كنتي عايزانا نعمل إيه يا هالة نطلعك بالقوة وڠصب عن عين الحكومة
لأ يا معاذ بس على الأقل تغيروا الظابط اللي حكم بحبسي ولا تشتكوه حتى أنا عارفة بيعمل كده عند فيا أنا متأكدة منها دي قول لأخوك حمزة يشوف لي صرفة هو ليه علاقات كتير ولا عشان صاحبه هايسيبني لقمة سهلة ليه
ېخرب مطنك!
تمتم معاذ يكتم انفعاله بصعوبة عن الصړاخ بها ليستطرد كازا على أسنانه
وهو لولا إنه صاحبه يا ست هالة