لأجلها بقلم امل نصر


بظهره على الحائط المقابل للباب وعيناه تلاحقانها بهدوء مستفز فتحدثت بفزع مكتوم
بسم الله الرحمن الرحيم! أنت إيه اللي جابك هنا يا عطوة وإزاي تدخل البيت من غير ما حد يحس بيك
رد عطوة بابتسامة باردة ونبرة واثقة
الباب البراني مكسور وقفله دايب يا نورا يعني مش محتاج مجهود عشان يتفتح وبعدين أنت فاكرة إن فيه باب في الدنيا دي داخلي ولا خارجي يقدر يحوشني عنك لو نويت أوصلك
صبت كلماته المزيد من الڠضب عليها لتتقدم نحوه بتحفز
لا ده أنت تبقى اټجننت رسمي! ولا عقلك خف على كبر لتكون فاكرها سايبة ولا أنا هينة ليك ولا لغيرك اطلع بره يا عطوة ولو فكرت تقرب من باب البيت ده تاني لحد ما ربنا يسهلي وأسيبهالك مخضرة والله لأكون لامة أمة لا إله إلا الله پصرخة وأفضحك أكتر ما أنت مفضوح.
بجرأة تحسب له قطع عطوة المسافة بينهما بخطوة واحدة لتنخفض نبرة صوته وتصبح أكثر جدية
طب ولما أنتي عارفة إني مفضوح وما بيهمنيش تفتكري يعني هتأثر حتى لو خليتيها بجلاجل حتى لاه ده يمكن يبقى في مصلحتي كمان لمي الناس يا نورا قولي لهم عطوة جاي يطلب يدي للمرة الألف وزيدي إني مش عارف أعيش من غيرك ولا هعرف أعوض اللي راح مني غير وأنتي معايا... أنا كل ما أفتكر تصرفاتي الغبية معاكي طول الفترة اللي فاتت أعض على يدي من الندم.
انتفضت تتراجع إلى الخلف كي تبتعد عنه وقد أصابت كلماته الجزء الضعيف داخلها
اببعد
عني أحسنلك يا عطوة دلوك المشاعر هابة عليك وعاملي فيها العاشق الولهان فاكرني هدوب وأسلم لجمالك بكلمتين لا اصحى وفوق لنفسك أنا كرامتي أغلى منك ومن الدنيا وما فيها وإن كان على جميلك معاي فده اعتبره دين في رقبتي بمجرد ما هوصل الفيوم هبعتلك حق إيجار البيت اللي واقف فيه دلوك عن
كل الفترة اللي فاتت وأي قرش صرفته برضك هرده ده غير...
ما تهمدي بقى يا بت وبلاها نشفان الدماغ!
هتف بها مقاطعا لها وقد تقلصت المسافة بينهما بشدة هذه المرة بعدما باغتها بالقبض على مرفقها وجذبها إليه ليصبح قريبا حتى من أنفاسها يردف بنبرة صادقة
مش محتاج تفكريني بغبائي ولا قلة عقلي كل اللي طالبه بس فرصة فرصة أصلح بيها اللي فات وأثبت بيها صحة كلامي وإن طلع العكس ساعتها يبقالك الحق تعملي ما بدالك.
صمتت نورا تتردد نظراتها بين القوة والضعف وقد بدأ الڠضب يتلاشى عن ملامحها ليحل محله حيرة وتشكك فتساءلت بصوت خفيض
وإن طلعت لعبة منك
سمعها ليجيبها دون تردد
يبقى جيبي المطوة وغزيها في قلبي اللي كان أعمى من سنين ودلوك بس اللي فتح وشاف زين.
ارتخت تعابيرها فيما يشبه الاستسلام فاستغل هو ذلك ليقطع عنها التفكير والتردد
أنا هبعت أجيب المأذون دلوقتي حالا وبعدها أنزل بيكي السوق تنقي الشبكة اللي تعجبك وكل اللي تعوزيه يحضر... وأنتي حرمي ومكتوبة على اسمي.
........................
انطلقت دعوات المأذون بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير لتكون الإشارة الرسمية لبداية حياة جديدة. في تلك اللحظة لم يكن خليفة يرى أحدا غيرها كان ينظر ل اعتماد التي بدت كالبدر في تمامه وعيناه تلمعان بنصر عظيم.. نصر المحب الذي فاز بقلب صانته الأيام رغم چراحها قلب امرأة لم تعرف معنى الحب إلا على يديه وهي لم تكن أقل منه فرحا وقد وهبها الله أخيرا السعادة التي لم تكن تعي بوجودها أصلا.
مبروك يا وش الخير مبروك يا مكافأتي بعد صبر السنين.
همس بالكلمات بالقرب من أذنها لترد هي بصوت يرتجف من السعادة والخجل وهي لا تستوعب السرعة التي تم بها الأمر
الله يبارك فيك يا خليفة.. براحة عليا شوية أنا أصلا مش مصدقة ومش عارفة إن كنت في حقيقة ولا ده حلم وأنا لساتي نايمة!
تبسم بمكر مستغلا الصخب الدائر حولهما
بس تخلص اللمة وأنا هخليكي تميزي إن كان حلم ولا حقيقة.
قطبت بعدم فهم تنظر إليه بتساؤل ولكن ما رأته بعينيه جعلها تفهم جيدا المغزى الخبيث فهربت بنظراتها سريعا تعطي اهتمامها بذلك الاحتفال الصغير داخل منزلها وقد ضجت الصالة بالمباركات والتهاني من الحاضرين من أهالي العائلتين واختلطت المشاعر في مشهد لا ينسى.
فرحة مزيونة كانت استثنائية بصديقتها بعد أن عوضها الله بعد الكسر وجبر خاطرها وكأنها الشقيقة التي لم تنجبها والدتها
مبروك يا اعتماد مبروك يا غالية وبقيتي سلفتي خلاص يا ست الأبلة يا حلاوة يا ولاد!
ضحكت الأخيرة استجابة لها تشاركها لحظات من الود والصدق بينما حمزة يشد على يد أخيه فخورا باختياره الحقيقي هذه المرة دون تدخل من أحد
مبروك يا واض أبوي العروسة ست البنات وأنت زينة الشباب والله وربنا عوضك أخيرا.
أما حسنية فقد أطلقت زغرودة مجلجلة بطابعها التراثي الأصيل لترد عليها روضة أخت اعتماد بزغرودة عصرية سريعة مما أضفى جوا من الفكاهة حتى جعل منى تشجع بحماس المنافسة بين الاثنتين
أيوه بقى خلينا نشوف مين اللي هيغلب ولا مين اللي نفسه أطول.. الحاجة حسنية
أم الرجال ولا الست روضة أم دندن
كالعادة كلمات منى آتت أثرها فنشرت المرح والضحك بين الجميع. أما زوجها منصور الذي لم يكتف بالتهنئة بل احتضن خليفة بقوة وكأنه يوصيه خيرا ب اعتماد تلك الإنسانة التي كان يحمل هم حظها العاثر منذ مولدها والآن يراها في أيد أمينة في عصمة رجل يعرف قدرها حق المعرفة.
لم تتوقف البهجة عند الكبار بل امتدت لجيل الصغار رغد الأخت الصغرى تحولت لشعلة نشاط فلم تكتف بالرقص مع شقيقات خليفة وبناتهن بل امتد بها الحماس نحو الصغيرتين الجميلتين فسحبت جنا ومنة بنات خليفة في الوسط
يلا يا بنات.. النهاردة فرح بابا واعتماد مفيش حد يقعد واصل!
اندمجت معها الصغيرتان فتشكلت من المدعوين حلقة حولهن في تصفيق حار تشجيعا لهن.
وسط هذا الضجيج المحبب انحنى خليفة نحو أذن اعتماد وابتسامة واثقة ترتسم على وجهه ليهمس لها بكلمات جريئة جعلت حمرة الخجل تصعد لوجهها فورا والذهول يكتسحها. فعلى قدر فرحها كان ارتباكها من جرأته فكلماته لم تكن مجرد غزل بل كانت إعلانا بأنه لم يعد يطيق صبرا لكي يغلق عليهما باب واحد بعيدا عن أعين الجميع.
أما ليلى التي كانت تتابع بعيدا عن الزحام وفي جهة قريبة ما يحدث بابتهاج لا يقل عن والدتها رغم انشغالها بمكالمتها مع معاذ الذي كان يستمتع بوصفها
عمي خليفة ولا كأنه عيل صغير أول مرة أشوفه فرحان كدة يا معاذ دلوك بس اللي صدقت إن الحب يصنع المعجزات.
وصلها صوته في رد عليها باستهجان محبب
دلوك بس يا مچنونة يا أم عقل طاقق أمال الشحططة اللي أنا فيها من ساعة ما شوفتك دي تحسبيها إيه هتجننيني معاكي يا بنت مزيونة.
وكان ردها ضحكات متواصلة ترطب على قلبه الملتاع في مقر سكنه بالعاصمة التي انتقل إليها مجبرا فلم يتبق له سوى المحادثات والرسائل المستمرة بينه وبينها حتى يعود إليها في أقرب وقت.
وفي ناحية أخرى داخل الشركة التي يعمل بها معاذ كان هناك من يطلع على ملفه بالكامل على الحاسوب يراجع معلومات العاملين بتركيز وتمعن بعدما أثار اهتمامه ذلك الصعيدي بشدة...
...............................
أما عن هالة فقد كانت محپوسة فرةالغرفة في هذا الوقت لتبتعد عن الجميع وتختلي بنفسها لا تشعل من الضوء سوى أباجورة جانبية واحدة تزيد من وحشة المكان.
جالسة على طرف السرير بشرود فيما يحدث معها لا تعرف ماذا تفعل أو ماذا سيحدث معها غدا وكيف خرجت من سجنها الكبير خلف القضبان لتجد نفسها داخل سجن أضيق في غرفتها وبإرادتها فبعدما خرجت وجدت أن سلطتها تلاشت وأن بناتها اللاتي كانت تظن أنهن ملكها ذهبن بكامل إرادتهن للاحتفال بزواج والدهن سعيدات فرحات يبدو أنه استغل غيابها جيدا في التقريب بينهن وبين تلك المدعوة اعتماد عروسه.
هل يحق لها أن تشعر بالخذلان منه أم تلوم قلة عقلها التي أدت بها إلى تلك النتيجة فقد أضاعته بيدها وربما أضاعت مستقبلها الذي لا تعلم له ملامح الآن.
قطع شرودها رنين الهاتف الذي دوى بجانبها فنظرت بطرف عينيها نحو الشاشة لتفاجأ بذلك الرقم الذي سجلته صباحا قبل خروجها مجبرة من صاحبه. قلبت عينيها بسأم ثم أخرجت تنهيدة طويلة من صدرها المثقل هذا ما كان ينقصها أن يبتليها الله بذلك المچنون في أشد أوقات ضعفها حتى الآن لا تصدق توقيعها المذل على تلك الورقة التي تجعلها أسيرة له.
حين توقف رنين الهاتف تنفست الصعداء إلا أن الرنين عاد مرة أخرى لتضطر مجبرة هذه المرة على الرد خوفا من غضبه
ألو...
ما بترديش ليه
هكذا جاء رده مباشرة يصعقها بصرامته فردت بضجر تواجه حدته
إيه اللي حصل يعني مكنتش جنب التليفون...
صوتك ما يعلاش يا هالة!
قاطعها يخرسها بعنفه حتى ساد الصمت بينهما ليقطعه هو بعد لحظات بلهجة أقل حدة
للأسف أنتي اللي بتضطريني أزعق وبعدها مابتتحمليش عصبيتي ده عيبك بقى.
عيبي أنا!
صدرت منها بصوت يغمره الذهول فأكد هو غير عابئ
آه عيبك أنتي يا هالة وحطيها قاعدة في دماغك طول ما أنتي سايقة العوج هتلاقي التعامل معاكي عسكري وأبشع كمان
حسب خطأك إنما بقى تتعدلي وتتعلمي الرقة زي باقي الستات وتبقى مطيعة هتلاقي المعاملة حسنة وطيبة.
حسنة وطيبة كمان! يا سيدي كتر خيرك.
لم يعبأ بسخريتها وقد طفت ابتسامة صغيرة بزاوية ثغره يعلق بتسلط
أكيد كتر خيري طبعا المهم خلينا في المهم.
إيه هو المهم
تقولي لي عملتي إيه من ساعة ما رجعتي بيتكم.
نعم!
نعم الله عليكي.. هو أنا قولت نكتة
كادت أن تصرخ به غير عابئة ما هذا الذي يطلبه منها
ما هي نكتة فعلا هو أنا هخبرك عن جدول أعمالي ولا كمان عايزني أقولك عن حكاوي أنا وأهلي
رد بهدوء غير مكترث بثورتها
مع إن كل اللي بتقوليه ده شيء عادي بالنسبة لي بس تمام أنا ببلغك أهو أي قرار أو مشوار مفيش خطوة تعمليها من غير ما ترجعي لي.
ناقص كمان تعد عليا أنفاسي!
صاحت بها بسخرية قابلها بحزم
وأدخل جوا عقلك لو حببيت او عوزت اسمعي الكلام يا هالة وبلاش جدال خليكي لطيفة عشان أبقى لطيف معاكي.
.............................
داخل السيارة التي كانت تقلهم في طريق العودة بعد حضوره عقد قران شقيقه هدوء الليل يقطعه فقط صوت المحرك وضوء أعمدة الإنارة الذي ينعكس على وجه حمزة الذي يقود بملامح مرهقة ومبتسمة في آن واحد.
يخطف النظر في المرآة الخلفية كل دقيقة ليرى هل استسلم ريان للنوم أم لا بينما ريان يبدو وكأنه شرب مشروب طاقة يلعب بهاتفه بحماس ونشاط.
حتى علق هامسا إلى زوجته التي تحتل الكرسي المجاور له في الأمام
وأنا اللي قلت راجعين على بيتنا النهاردة وهنعمل جو رومانسي وحركات باللون الجديد يطلع لنا الزفت النهاردة ولا كأنه واخد حبوب السهر!
تبسمت في مناكفة