لأجلها بقلم امل نصر


بخطواته السريعة داخل الرواق الطويل بقلق يعصف به. كم يتمنى ان يملك القدرة على امتلاك أجنحة كي يطير بها حتى يصل إليها في أقل من الثواني لكان فعلها منذ أن استيقظ من غفوته وسمع بالخبر المشؤوم.
ليته ما خرج أمس في مهمته وقبض على ذلك التافه الصغير ليته ما ترك مكانه في القسم ليته ما تركها أصلا داخل الحجز في غيابه مع تلك المچرمة... كان يظن أنه يكرهها لكنه الآن تأكد من كڈب إحساسه وقد تبخرت كل مشاعر الحقد التي يحملها بقلبه نحوها وذهبت أدراج الرياح فور أن سمع بما حدث لها ليحل محلها الخۏف الشديد لدرجة تخطت الألم في قلبه.
ظهر فجأة رقم الغرفة أمامه لتتحفز كل خلاياه قاطعا الخطوة بخطوتين حتى وصل إليها دافعا الباب إلى الداخل بدون استئذان ليصعق بما يراه أمامه!
ويتجمد محله فور أن وقعت عيناه عليها صدره يعلو ويهبط بتسارع غير طبيعي لا يصدق ما تراه عيناه
حضرة الظابط كمال هي الحالة دي تخصك يا فندم
جاء السؤال من الطبيبة التي تتولى حالتها واقفة بالقرب منها وفي الناحية الأخرى جوار السرير كانت الممرضة تتأكد من وضع إبرة المحلول الملحي بيدها. أما هي فلم ترفع عينيها إليه إلا بعد لحظات تطالعه بسكون وخواء غريب حتى ضاعفت من جزعه. ليتمالك رباط جأشه بصعوبة كي يجيب الطبيبة وحمحمة خشنة تسبق كلماته
آه يا دكتورة تبعي. كنت عايز
أعرف بقى تشخيصك للحالة.
تنهيدة أسى صدرت من المرأة في البداية ثم تحدثت بعملية
الحالة جاتلنا في حالة يرثى لها الحمد لله لحقنا نعملها الإسعافات سريعا على الإصابات الظاهرة زي الفتحة اللي في الرأس. طبعا بعد ما عملنا الأشعة الكاملة عليها واتأكدنا إنه محصلش ارتجاج في المخ هو بس كسرين في الدراع والباقي رضوض وسحجات على معظم أعضاء الجسم.
هتف پغضب
على معظم أعضاء الجسم! ليه هي داسها قطر
مطت الطبيبة شفتيها تلملم أدواتها الطبية
والله يا فندم دا شغلكم وانتو حرين اكيد بس اللي حصل ده مع الحالة مخليني انا نفسي دمي محروق زي
ما انت شايف قدامك اهو الإصابات المنتشرة في كل حتة بالإضافة لحالة الصدمة اللي جاتلنا بيها دي حتى ماكانتش قادرة تتكلم.
سألها بړعب
طيب ودلوقتي قادرة تتكلم ولا لأ
لأ الحمد لله دلوقتي اتحسنت. عن إذنك بقى أروح أشوف شغلي يالا يا هناء.
أشارت بها الطبيبة على الفتاة الممرضة التي عدلت من وضع الوسادة لتصير هالة بنصف بنومه لتريح رأسها المټألم إلى الخلف حتى اذا انهت عملها غادرت معها الغرفة. فلم يتبق إلا هو مع الحالة
ليتقدم نحوها بخطوات وئيدة حتى جلس على الكرسي المقابل لها يتأملها عن قرب.
ملامحها الجميلة التي ما زالت محفورة في قلبه قبل عقله تقريبا لا يظهر منها إلا القليل بفضل تلك الأربطة التي الټفت حول الرأس والجبهة كاملة اللعڼة وكأنها كانت تريد قټلها دون تردد
زمجر پغضب يحاول السيطرة عليه بصعوبة حتى يتمكن من إزاحة العاطفة والتصرف معها بعملية بحتة 
هالة انا عايز اعرف منك ايه اللي حصل بالظبط عشان احاسب اي واحد له يد بس لو مش قادرة ممكن اقدر جط انا ممكن أجل.
اومأت بعيناها تجيبه بصوتها الضعيف
حقدر ان شاء الله
تنهد يسألها
تمام طب انا عايز اسأل
ذلتني بقوتها عليا وقلة حيلتي معاها..
صدرت منها بصوت تجلى فيه الضعف والهوان هذه الحالة التي يراها عليها ولاول مرة لا تدري بحجم وقعها عليه انه حتى لم يقوى على التعقيب واكتفي فقط أن يحثها بعيناه لتستحضر تلك اللحظات القاسېة التي مرت عليها منذ ساعات تتحدث دون مقاطعة وان توقفت انتظرها حتى تعود وتكمل
.............................
في مكان آخر 
وقد استيقظت تلك الجميلة بعد غفوة طويلة تحت تأثير الحمى والتعب الشديد لتجد نفسها على سريرها في المنزل الذي تركته في لحظة ڠضب وقهر من ذلك الأحمق أعمى البصر والبصيرة.
إذن ما الذي عاد بها إليه مرة أخرى أيعقل أن يكون حلما ذلك الذي مرت به!
ولكن..... اللعڼة.... من هذا الرجل الذي يشاهد التلفاز في غرفتها بملابس ال....
إنت مين
صړخت بها نورا لينتفض ذلك الجالس بأريحية على الأرض فيلتف نحوها كي تتبين ملامحه قائلا يطمئنها
حمد الله على السلامة أنا عطوة يا نورا اطمني.
وعلى عكس ما توقع فقد استبد بها الڠضب بعد أن تحققت من هويته لتنهره بصيحتها
عطوة ولا عفريت أزرق حتى واخد راحتك وقاعد في أوضتي بتشرب دخان بالكالسون 
نظر لما يرتديه فاستدرك صدق قولها لينهض سريعا يلتقط جلبابه المعلق على المشجب ثم يسرع خطاه نحوها مبررا
ما هو غصبن عني أعمل إيه في غيبتك اللي طولت ليلتين وأنا قاعد جنبك لما زهقت وما عدتش حامل الجلابية اللي عليا..... المهم أنت زينة دلوق
حدجته بضيق شديد وبنظرة أدخلت في قلبه الندم ليزفر مقتربا منها قائلا
أنا عارف إنك شايلة مني بسبب اللي قلته ودور الحمى الواعر أكيد برضه بسببي....... بس يا نورا انتي متعرفيش حالتي كانت كيف في اليومين اللي عدوا عليا وأنا شايفك كده قلبي كان معصور عليكي مش عارف أهو تأنيب ضمير ولا حاجة تانية لكن في كل الأحوال دلوك حاسس إن الروح ردت لي بشوفتك وأنت بتكلميني وتزعقي فيا حمد الله على سلامتك.
الله يسلمك
قالتها بضيق تشيح بصرها عنه لتجول بعينيها داخل الغرفة التي أصبحت كمقلب قمامة أطباق الطعام على صينية فضية على آخر التخت عبوات الأدوية المتناثرة في كل ركن الأرجيلة التي كان ېدخن منها وبعض قطع الفحم على الأرض. غلت الډماء برأسها حتى كادت أن تجأر به وټشتم بأفظع الألفاظ ولكن لفت انتباهها تلك القماشة والإناء الممتلئ نصفه بالماء على الكمود المجاور لها لتسأله باستدراك
هي وصلت للكمادات كمان!
تبسم يردد بتأكيد
ما أنت كنت موهوجة يا بنت الناس حتى العلاج ما كانش جايب فايدة معاكي الكمادات بس اللي كانت بتهدي. ياللا بقى عمر الشقي بقي أنا هروح أجهز لقمة نأكلها مع بعض أكيد هلكانة جوع وأنا كمان زيك.
أومأت بصمت لتتركه يخرج فتتنفس هي ببعض الراحة وتغمرها الحيرة بشأن ذلك الأحمق به كل الخصال السيئة ومع ذلك يملك من الصفات الحسنة أجملها وهي الطيبة.....
..............................
تمام أوي يا هالة أنا عرفت منك كل اللي محتاجه أعرفه دلوقتي تأكدي أن البنت المچرمة دي هتنال جزاء عملتها بأقسى ما تتصور أنا هعرف أربيها كويس أوي.
هتعمل إيه هتضربها مثلا أنا أعرف إن عمرك ما بتمد يدك على نسوان.
تلك العبارة التي نطقت بها أثناء تحقيقه معها ولا تزال تتكرر في ذهنه حتى بعد أن تركها ليأخذ جلسته خلف غرفتها الآن على إحدى مقاعد الانتظار شاردا في كل كلمة نطقت بها.
بجملة عابرة تمكنت من العودة به إلى تلك الذكرى الفاصلة قبل سنوات يذكر عددها جيدا حين كان هائما بغرامه بها وبعد أن اتخذ قراره وفاتح حمزة كي يمهد الأمر مع والدها. فأتى بعدها بيومين متوقعا الرد من حمزة محملا بأحلامه الوردية معها ليمر على منزلهم قبل أن يذهب إلى منزل حمزة يمني نفسه بنظرة منها في تلك الشرفة التي تقف بها دائما ولكنه في تلك المرة وجدها خالية فغمره اليأس لعدم رؤيتها ليتابع طريقه حتى وصل إلى خلف منزلهم وكانت المفاجأة حين وجدها أمامه واقفة مكتفة ذراعيها حول صدرها بتحفز وكأنها كانت في انتظاره بتلك النظرة المحدقة نحوه حتى جعلته يلقي التحية عليها بحرج لا يخلو من دهشة فهو أبدا لم يتحدث إليها مباشرة قبل ذلك لعلمه الجيد بالأعراف والتقاليد وتقديرا لصديقه أيضا
مساء الخير
مساء النور. أنت بقى اللي طالب إيدي من حمزة
باغتته بسؤالها لتجبره أن يتراجع عن مواصلة طريقه ليلتف إليها بذهول لجرأتها
آه أنا كمال يا آنسة هالة صديق حمزة وفعلا طلبت إيدك منه.
كده مرة واحدة! جاتك الجرأة تبص عليا وتطلب إيدي من خطيبي! دا إيه البجاحة دي يا أخي!
هكذا بصقت كلماتها مرة واحدة غير مبالية بصډمته ولا مراعية لأصول الأدب في مخاطبة الآخرين
أنت بتقولي إيه حمزة مين اللي خطيبك حمزة صاحبي اللي كلمته عنك يبقى خطيبك إزاي يعني وهو ما قالش ليه قبل كده قدامي
وهيقولك ليه وإحنا ما فيش حاجة
ما بينا تمت رسمي أنا بنت عمه وهو مكتوب على اسمي وأنا مكتوبة على اسمه. أنت بقى كان لازم تفهم من نفسك ولا تسأل زين قبل ما تفاتحه مش تطلبني منه عشان تعمل فتنة بيني وما بينه.
كانت قاسېة بدرجة لم يكن يتخيلها هشمت قلبه بمنتهى البساطة. ربما كان لديها الحق وأصابت في أنه لم يسأل جيدا قبل أن يتقدم بخطوته ولكن أن تدهس قلبه بتلك الصورة الغاشمة هذا الذي لم يكن يتقبله على الإطلاق.
هو أكيد العيب مني في إني ما سألتش كويس على الأقل كنت عرفت بطبيعة الإنسانة اللي واقفة قدامي بمنتهى البجاحة جاية تشتمني عشان بس اتقدمت وطلبتها لكن العيب مش عليكي العيب على الأهل اللي ما علموش بنتهم تعرف تتكلم بالأدب.
أنا مؤدبة أحسن منك!
هتفت بها وارتفعت يدها نحوه إلا أنه أمسكها على الفور حاجزا رسغها داخل كفه القوية هادرا بفحيح
لولا إنك واحدة ست أنا كنت مسحت بيكي الأرض دلوقتي بس حظك إنك اتقابلتي مع إنسان محترم ما يقبلش أبدا يمد أيده على النسوان..... حتى ولو كانت هي
تستاهل بالفعل!
كمال.
جاءه النداء ليستفيق من شروده فينتبه إلى قدوم حمزة وكان معه خليفة زوجها السابق ووالدها كما يتذكر والمرأة تبدو والدتها.
إيه اللي حصل لبنتي.... مالها هالة يا كمال..... عايزة أشوف بنتي يا سعادة الظابط.
لوح بكفيه أمامهم كي يوقف سيل التساؤلات منهم بكلمتين
معلش يا جماعة أرجوكم بس الهدوء انتوا هتدخلوا تشوفوها دلوقتي معلش مش عايزين بس نزود عليها وأنا أضمن لكم برقبتي إن حقها هيرجع....
هي وصلت لحقها هالة حصل لها إيه
صدر السؤال من خليفة بارتياع أزعجه ولكن استطاع الرد بصورة عادية
بتحصل كتير يا خليفة بس أنت اطمن أم ولادك هتكون بخير إن شاء الله وتقدروا تشوفوها بنفسكم دلوقتي بس أرجوكم الهدوء.
كان في الختام قد أشار لهم على الغرفة ليتجهوا نحوها جميعهم فلم يتبق إلا حمزة الذي وقف كي يسأله على انفراد
طمني يا كمال عايز أعرف منك قبل ما أدخل لها.
لم يكد يكمل سؤاله حتى وصله صوت بكاء والدتها وعويلها ليعود إليه بتساؤل أجاب عنه كمال دون تردد وهو يعود للجلوس على كرسيه بتعب
كسرين في دراعها ورضوض في الجسم كله دا غير إن كان فيه اشتباه في ارتجاج في المخ بس ربنا ستر ورسيت على إصابة كبيرة في الراس.
وه!
تمتم بها حمزة يسقط جواره على الكرسي المجاور له متمتما پقهر
ليه كده هما كانوا كام نفر بالظبط اللي اتسلطوا عليها
هي واحدة يا حمزة بس قوتها بعشرة ستات.
ولما هي قوتها بعشرة