لأجلها بقلم امل نصر


جعلتها في نظره محل شك. إذا عليها تحمل النتائج والصبر على جفائه كما نصحتها والدتها ليس حبا فيه ولكنها مضطرة من أجل الأبناء وتربيتهم.
تنبهت حواسها حين استجاب لمحاولات ابنها أخيرا معه لينهض جالسا بجذعه فتراجعت هي للخلف في زاوية تمكنها من الاختفاء بعيدا عن إبصاره تكتفي بالإنصات
عايز إيه يا وش البومة بتصحيني ليه يا واد
زفر الصغير بملامح يعلوها العبوس يجيبه بتأفف هو الآخر
يعني هكون عايز منك إيه على الصبح عايز تكمل نوم روح على قوضتك نومتك هنا على الكنبة وفي وش الباب كمان هتجيب لنا الكلام. فرض حد دخل علينا هيقول عليك إيه لما يشوفك كده
يقولوا اللي يقولوه يا بن ال... انت إيه اللي يخصك
قابل الصغير سبه بنوع من اللامبالاة
يا سيدي أنت حر نام إن شاء
الله حتى في حوش البهايم أنا مالي يا عم.
ختم ينفض يديه عنه ليستدير متجها إلى باب الخروج فهتف يوقفه
واد يا ناصر أمك هي اللي بعتاك صح
الټفت إليه المذكور باستخفاف لاذع
أمي ولا خالتي! مش عاجبك النومة في الطل وعلى الخشب القاسې اعمل ما بدالك يا سيدي.
أنهى وتابع مغادرا ليغمغم في أثره عرفان بسخط وسباب
آه يا بن الكلب ترد الكلمة بكلمتين ناقص عليك بس تشتمني رباية ناقصة زي اللي جابتك... بتعمل نفسها زينة دلوقت وعايزة تطمن علي بعد ما خدت الخازوق والبلد تقريبا كلها ضحكت واتمسخرت على عرفان بعد هروب الغجرية ليلة فرحه عليها.
توقف يزفر حريقا من صدره وقد استحضر عقله واقع ما يعيشه الآن نتيجة لذلك الأمر ونظرات مهينة من البشر التي تواسيه نهارا وتتحدث في ظهره ليلا
ماشي يا نورا أنا وإنتي والزمن طويل. إن ما كنت أشرب من دمك وأخلي قصتك حكاية على لسان البشر... مبقاش أنا راجل وشنبي ده يبقى على حرمة!
.....................
داخل المنزل الكبير
الذي كانت الحركة به مختلفة عن كل الايام الهادئة لمناسبة غير عادية خطط لها اليوم بثقة كاملة في زوجته التي سوف تقوم بها على أكمل وجه.
مزيونة يا مزيونة 
نادى بأسمها ويده تحمل عدد من علب الحلوى والعديد من أنواع الفاكهة الطازجة.
جاء الرد من والدته التي كانت تفترش الارض وبجوارها حزمة اعواد من نبات الملوخية تقرطف أوراقها وتضعهم في إناء كبير من الالمونيوم بجوارها 
مالك بمزيونة لازم لسانك ينادي عليها وفي الروحة وفي الجاية 
ضحك يضع ما يحمله على الطاولة التي تتوسط الردهة ثم اقترب منها يغازلها بمشاكسة
وماله لما انده عليها في الروحة وفي الجاية بنده على حد غريب انا عشان اعمل حساب حد ولا انتي عايزاني أبدل واقول حسنية حسنية 
كان في الاخيرة قد افترش الأرض بجوارها يضمها من كتفيها ويقبل خدها لتصدح ضحكاتها الجميلة
والله انت بكاش وعمرك ما هتكبر بعمايلك دي 
قبلها من جانب رأسها هذه المرة يتحدث بامتنان جدي
طول ما انتي عايشة عمري ما هكبر هفضل ولدك الغلس اللي ما يصدق لاقي فرصة عشان يتلزق فيكي.
بادلته حسنية قبلته بواحدة على وجنته هو الاخر قائلة برضا وقد فهمت المغزى خلف لفتته
وانا عمرك ما شوفتك غير ولدي الحنين ابو عقل صغير اللي كان هيغير عليا حتى من أبوه
وه يا حسنية انتي لسة فاكرة
تمتم بها بتذمر زاد من تسلية المرأة التي صدحت ضحكتها مرة أخرى وهي تواصل مناكفته
وتالت ورابع وخامس كمان دا انا لو نسيت عمايلك وانت صغير افتكرها دلوك وانت شحط كبير وبتكررها مع ريان العيل الصغير في غيرتك على مزيونة........
هغير من ولدي امه كلام ايه ده
عارضها يدعي الضيق لتؤكد هي بتصميم
ايوة يا خوي غاير على العموم الحلوة اللي بتغير عليها قاعدة جوا في المطبخ واكيد مشغولة في هم العزومة ومسمعتكش.
سمع منها وهم ان ينهض ولكنها تابعت
لو جدع بقى ما تقومش حالا دلوك وتفر عليها زي العيل الصغير
سمع منها وتردد لحظات حتى غلبته رغبته لينهض فجأة معارضا لها 
طب افرضي عايزاها في حاجة مهمة دا انتي عليكي حركات يا حسنية بقيتي عفريتة والله لما كبرتي
وتحرك ذاهبا تتبعه ضحكات المرأة لا تتوقف 
وبخطوات متزنة اقترب من المطبخ الذي كانت قابعة به ومنهمكة في إعداد مأدبة الطعام التي هم بصدد القيام بها اليوم
كانت منكبة بتركيز شديد على تقطيع الخضروات ويبدو أن صوت مزاحه مع والدته لم يصلها ليستغل فرصته ويدلف
متسللا بخفة حتى إذا وصل إليها تمتم بجوار أذنها
الحلو اللي مدوبني...
قطع جملته مضطرا حين شهقت مجفلة وتناثر عدد من الخضروات على الأرض. تمتمت بلهث واضعة يدها على قلبها
حرام عليك يا حمزة كده برضه تخلعني
رد بتسلية وهو ينحني ليلتقط قطع الخضروات التي افترشت الأرض بسببه
خلعة مطرودة يا قلب حمزة على العموم ممكن تبقى بفايدة برضه على حسب عوايدنا ما بتقول.
فهمت مغزى ما يقصده لتجاريه بابتسامة مضطربة
إن شاء الله محدش عارف عاد لما ربنا يكون رايد بالخلفة بيدبر الأسباب. المهم بقى روح شوف وراك إيه أنا عايزة أخلص اللي ورايا قبل الضيف ما ييجي.
استقام بجسده يعيد حبات الخضروات إلى مكانها قائلا
وافرضي طب الضيف وإحنا مش طابخين حتى هو إنتي فاكراه غريب على بيتنا ده ياما كل وشرب فيه قبل ما يقطع فجأة ويشوف مستقبله.
قطبت مندهشة وقد غلبها الفضول في السؤال
وإيه اللي يخليه يقطع فجأة عن صحوبيتك بالسنين دي كلها حتى لو هيشوف مستقبله
طالعها لحظات بصمت وكأنه يبحث عن إجابة حتى رد أخيرا
يعني تقدري تقولي كده خلاف حصل ما بينا بس كان خلاف كبير شوية أو شويتين تلاتة حتى. عادي بتحصل يعني إحنا مش ملايكة اسيبك تشوفي طبيخك واروح انا اطل على خليفة يمكن ربنا يهديه ويفك من الحالة اللي هو فيها.....
......................
صعد إلى غرفة شقيقه الذي تسيطر عليه حالة من الاكتئاب الغريب هذه الأيام ليطمئن عليه ويحاول معه كما يفعل يوميا هذه الأيام حتى يخرجه من ذلك الحزن بعد أن باءت محاولاته بالفشل مع اعتماد التي تلتزم صمتا غريبا وابتعادا غير مبرر. لم يكن يعلم كيف تطورت الحالة من خطوبة مزيفة إلى شيء بهذا العمق ولكن لم التعجب فكلاهما كانا في أشد الحاجة إلى بعضهما البعض.
كان باب الغرفة مفتوحا ليتمكن من الدخول بسهولة فدلف ملقيا التحية
صباح الخير على أهل الخير.
لم يلق ردا للتحية فشقيقه لم يكن نائما على فراشه أو جالسا حتى في الشرفة فنادى هاتفا باسمه ليأتيه الرد بحضوره هذه المرة خارجا من مرحاض الغرفة
أنا أهو يا سيدي خليفة بذات نفسه.
طالعه حمزة متفاجئا بهيئته وقد هذب لحيته ليشرق وجهه الوسيم الذي تليق عليه وبخطواته السريعة يتجه نحو خزانة ملابسه الخشبية الضخمة يخرج جلبابا منشى مكويا ليرتديه ليعلق حمزة الذي أصابته الدهشة
ما شاء الله عليك شكلك مختلف النهاردة بس على فين العزم على الصبح وبدري كده
رد خليفة الذي اتجه نحو المرآة لتمشيط
شعره
مشوار مهم لازم أعمله.
بفراسة ليست غريبة عنه سأله حمزة
المشوار ده يخص اعتماد صح واضح من الحماس اللي أنت فيه هي فتحت تليفونها
نفى خليفة وهو ينحني ليلتقط الحذاء كي يرتديه
لا مش هي بس أختها رغد هي اللي بلغتني إنها طلعت أخيرا وراحت شغلها في المدرسة. نفسي أعرف سر قلبتها المفاجئة مش هسكت غير لما أعرف.
أعجب حمزة بإصراره ليثني عليه بتحفيز
جدع يا خليفة متستسلمش معاها هي راسها ناشفة ومقفلة بس أنت أكيد هتعرف تتعامل معاها. المهم بس متتأخرش على العزومة الراجل بقاله سنين مدخلش البيت أكيد هيسأل عليك.
ألقى خليفة بالشال الصوفي على كتفيه منهيا اللمسة الأخيرة لتأنقه يلتفت إلى شقيقه بابتسامة كانت غائبة عنه منذ أيام
لا اطمن إن شاء الله مش هتأخر ما هو كان صاحبي أنا كمان مش صاحبك أنت لوحدك... أسيبك بقى.
تابعه حمزة حتى إذا خرج من الغرفة غمغم داعيا له
ربنا معاك
وييسر لك أمرك.
...................
أما في الطابق الأعلى داخل شقة معاذ وليلى التي كانت تضحك بلا توقف في هذا الوقت مستمتعة بالحديث الذي يدور بين زوجها المچنون مع جنينها.
وقد كان مقربا وجهه من بطنها يسرد بجدية بعد أن انزاح عن كاهلهما هم المذاكرة وكابوس الامتحانات التي تحرم عليهما حتى النوم بصورة طبيعية
واخد بالك زين يا واد أمك الهبلة أبوك وقعها بشوية تين ومن شجرتهم كمان! يعني حتى متعبتش في تمنهم... إيه بتقول إيه... أيوه يا سيدي كان في شيكولاتة برضه والمرسال ما بينا كان عزوز...
بسسس!
قالتها بصوت بالكاد تمتلكه من فرط ضحكها حتى وضعت يدها على بطنها تطالبه بجدية
شوية تانية وهولد يا معاذ هتتحمل أنت الذنب.
سمع منها فاستقام على الفور بجلسته مستجيبا لټهديدها
لا يا ستي وعلى إيه الطيب أحسن أنا بس كنت بوصيه ينزل بس وأكمل نصايحي معاه.
أوووعى! والنعمة لو فكرت وقلت له كلمة هزعل منك!
قالتها تنهاه بتحذير رافعة السبابة أمام وجهه فتناول إصبعها يقبله
وأنا مقدرش على زعلك يا أم الغالي.
ارتخت عن تشددها فتابع موضحا بمعسول كلماته
بهزر معاكي يا مچنونة هو أنا عبيط عشان أقولها بالطريقة دي دي قصتنا هتبقى أحلى حكاية أحكيها للعيال عشان يعرفوا أن الحب العفيف ما فيش أعظم منه في الكون. ربنا يقدرني وأربيهم صح عشان يعرفوا يميزوا بين القشرة اللي برخص التراب وبين الغالي اللي نضحي عشانه بروحنا يا روح معاذ أنت.
عادت إلى ليلى ابتسامتها وغمرها الانتشاء بغزله حتى استدركت لمرور الوقت فانتفضت تبعده عنها
صحيح العزومة وصاحب عم حمزة يا لهوي! زمانها داخلة على عشرة! خدتني في الحكاوي معاك ونسيتني.
افتر فاهه بدهشة يطالعها وهي تزحف على الفراش بركبتيها حتى أنزلت قدما وبعدها قدما أخرى لتأخذ وقتا
حتى استقامت بجسدها ثم تحركت بخطوات بطيئة خطوتين ثم تذكرت فجأة قائلة
أدخل الحمام الأول وبعدها أنزل عشان أساعد أمي.
خرج عن صمته وهو يتابعها تغير مسارها
حلو خالص! ربع ساعة وأنت بتنزلي من السرير ثم نص ساعة في الحمام وبعدها نص ساعة ثانية على ما غيرت عبايتك ونزلنا السلم. إن شاء الله بس نلحق الغدا!
قال تساعد امها قال!
..........................
أمام المرآة كانت جالسة بردائها الحريري. يدها تلامس شعرها المنسدل على كتفها بتمهل وعيناها مثبتتان على صورتها في الانعكاس. يعلو ملامحها شرود يرافقه برود وثقة تامة.
لقد وردها منذ قليل الاتصال الذي أنبأها بقرب تحقيق هدفها بعد أيام من الانتظار مرت دون جدوى. رغم خطۏرة الفكرة من الأساس إلا أنها تجد المبرر الكافي كي تريح رأسها وقد وعدت نفسها هذه المرة بعدم تكرار خسارتها مجددا.
لقد نفذ السهم ولا عودة للوراء أبدا. اليوم هي في تفرغ تام لتلقي كل جديد فحتى أطفالها ليسوا معها وقد ذهبوا إلى منزل والدهم بناء على طلب من جدتهم.
....................
توقفت السيارة الغريبة أمام مدخل المنزل الذي وصل إليه بصعوبة رغم معرفته الوثيقة به. هذا يعود إلى طول فترة الابتعاد والتغيرات التي طرأت على القرية التي هجرها تقريبا إثر