لأجلها بقلم امل نصر


خصامه مع حمزة.
سنوات عديدة قادرة على طمس الهوية وليس تصفية الخصام فقط. ربما لأنه كبر وتعقل عن تهوره أو ربما كان السبب آخر وهو تعرفه على زوجة حمزة الحالية التي لم تكن أبدا من توقعاته. لم يكلف نفسه بالسؤال مع أن بإمكانه عمل تحريات كاملة عن الأسرة لو أراد طوال سنين ابتعاده عن المحافظة بأكملها ولكنه لا يريد حتى لا يفتح چروحا
قديمة هو في غنى عنها. ومع ذلك الفضول ېقتله ورغبة من داخله جعلته يتقبل دعوة حمزة للحضور بترحاب شديد.
تنهد بثقل يترجل من السيارة فور أن انتبه لخروج الأخير لاستقباله أعلى درج المدخل ومعه العزيزة والدته. يا الله كم اشتاق إليها تلك المرأة الحنون!
أغلق باب السيارة ليتقدم نحو الاثنين بهيبته ليذهل المرأة التي لم تعرفه في البداية حتى همس إليها حمزة يؤكد على هويته. الأمر الذي جعلها تصدق هذه المرة باقترابه منها وابتسامة ذكرتها بالولد الذي كانت تعتبره ابنها لتهلل في استقباله بحرارة
بسم الله تبارك الله كمال باشا بحاله عندنا يا ولاد يا حلاوة يا حلاوة.
ضحك المذكور وهو يقترب يقبل رأسها
زي ما أنت يا ست ما اتغيرتيش دا ابنك نفسه كبر وعجز. ما شاء الله عليكي إيه الحلاوة دي
جذبته حسنية إليها تقبل وجنته بسجيتها
دا انت اللي بدر منور يا حضرة الظابط يا قمر.
يا ستي رائد والله افهمي بقى كام مرة هقولها
قالها حمزة وهو يقرب صديقه إليه لينال نصيبه من ترحيبه بعناق رجولي ومودة صادقة وكأن كل ما مر من سنوات جفاء وخصام لم يؤثر على صداقتهما.
فعارضه. كمال 
سيبها تناديني يا ولا حتى أنت مالك يا أخي
انتشت حسنية تعقب على قوله وهي تسحبه من يده
أيوة يا حبيبي ولدي وربنا العالم. تعال ادخل تعال.
هم أن يستجيب لسحبها ولكن استوقفه زوج من الصغيرات اللواتي كن يشاهدنه بانبهار حتى شعر نحوهن بألفة غريبة وكأنه يعرفهن
بسم الله ما شاء الله القمامير دول بناتك يا حمزة
لم يجبه الأخير وقد تكفلت والدته بالإجابة
دول بنات خليفة منة وجنا. هو في مشوار وزمانه على وصول.
منة وجنا...
ردد الأسماء وامتدت كفه لتصافح الصغيرتين حتى اعتلى تعابيره شيء من الدهشة مع تركيزه في صورة الأولى التي تقارب الملامح التي يحفظها في رأسه يشعر بشيء غير مفهوم.
شكه ازداد مع مجيء زوجة حمزة تسحب في يدها ريان الصغير والذي قدمه إليه حمزة على أنه ابنه. ينتابه شيء من التشتت يجعله يندم بالفعل أنه لم يسأل ويجر تحرياته. من تزوجت تلك التي كانت سببا في تغير مسار مستقبله وخصامه مع أعز أصدقائه.
................... 
يتأفف ضجرا وكمدا وغيظا داخل سيارة الأجرة التي تقطع المنحدرات الصعبة في طريقها إلى تلك البلدة التي جاءها مختبئا فيما سبق والآن يأتي إليها مجبورا من أجل...
إنه حتى لا يحتمل التلفظ باسمها وقد أصبح الآن بسببها متورطا في شيء لا يعجبه على الإطلاق قد يؤدي به إلى داهية سوداء أو ربما هلاكه... ولكن لم يكن لديه اختيار.
زفر حريقا من صدره يستعيد برأسه ذكرى تلك الليلة حين جاء متأخرا إلى منزله بعد السهرة الطويلة التي قضاها في شرب الخمر والممنوعات مع عرفان الذي كان يحتفل بمناسبة زواجه في اليوم التالي.
برأس مثقل وخطوات غير متزنة ومترنحة هذا ما يفعله الخمر برأسه. بعض الاضطراب البسيط لكن لا يزيد على ذلك فهو معتاد على كل الممنوعات.
منزله الصغير غير المرتب نتيجة سكنه وحده لا شيء في مكانه ولا يعنيه حتى إن كان نظيفا أم لا. لكن اليوم به شيء غريب شيء أصبح ينتبه له أثناء ما كان
يدندن بإحدى الأغنيات التي كانت تتردد في هذا المساء من المغني على آلة الربابة
ويا بت جمالك هبشني والهبشة جت في العباية رمان خدك دوشني خلى فطاري عشاي آه يا عيني يا عيني يا عيني آه ..... آه يا عيني يا عيني يا عيني......
توقف عن الغناء
فجأة وعيناه تتفحصان ما تراه أمامهما حتى أصبح يفرك كفيه على عينيه ليتأكد أنه لا يهذي ولكن وما أن يعود ويفتحهما مجددا حتى يفاجأ بنفس المشهد...... هي وليس غيرها....
أنت عفريت ولا خيال
خرجت كلماته بعفوية وبدون تفكير فجاءه الرد منها وهي تتراقص كتفاها بدلال
لا يا حبيبي أنا جنية البحر.
ما إن سمع صوتها وتأكد من هويتها حتى برقت عيناه متسعتين على آخرهما يطالعها متجمدا فاقد النطق لحظات بفم مفتوح حتى استطاع أن يتكلم
ېخرب بيت أبوكي وأنت إيه اللي جابك هنا وډخلتي بيتي كيف
راوغت كعادتها لتتقدم خطوتين من أمامه حتى جلست على الكرسي المواجه له قائلة
وه يا سي عطوة دي مقابلة تقابلني بيها برضو دا المثل بيقول لاقيني ولا تغديني اخص عليك......
قطعت بشهقة عالية بدت كالصړخة حين تفاجأت به يقبض على ساعدها ينهضها عنوة والشرر كاد أن يتطاير من عينيه وشفتاه ترتجفان من فرط الغيظ المكتوم مرددا
أمور الاستهبال دي ما تخشش عليا يا بت أنا لافف وداير
انطقي يا بت وقولي ډخلتي هنا إزاي لأبلغ عنك العمدة دلوقت يبعت الغفر يسحبوكي من قفاكي ويعملولك ڤضيحة ولا أكلم خطيب الهنا أحسن ييجي يلم المرة اللي هيكتب عليها بعد ساعات.
واجهته بتحد غير آبهة پألم ساعدها
وماله اعملها ڤضيحة وفي الحالتين أنا المستفادة لو جبت العمدة والغفر هقول إن أنت اللي كنت عايز تغويني وأنا لما رفضت أصريت تاذيني في سمعتي. أما بقى لو جبت عرفان فدي هتبقى أحلى وأحلى هخليه برضو يقتنع ببراءتي على حساب أخلاقك الزفت لما أوريه صورة مرته اللي بيحلم صاحبه الخاېن...
اشتدت قبضته أضعافا حتى شعرت بها على وشك الكسر ومع ذلك الألم تراقب رد فعله العڼيف وقد برزت عروق جبهته وكأنها حبال مشدودة يتحدث ضاغطا على أسنانه
أنا فاض بيا منك وقرفت عايزة إيه من الآخر قولي....
صړخ بالأخيرة حتى صدر منه بعض الرذاذ على وجهها فمسحت بإبهام يدها الحرة تجيبه بهدوء
عرفان مقفل مداخل ومخارج البلد برجالة من طرفه وأنا مش عايزاه المۏت عندي أهون من ان أتجوزو لكنه واخد وصولات أمانة على أبويا يعني فيها حبس.
وجاية لي أنا أهبب لك إيه الله ېخرب بيت أبوكي
رققت صوتها بنعومة
تنجدني يا سي عطوة تشوف لي أي طريقة أبعد فيها عن وشه العفش.
هذه المرأة تنوي بالفعل على قټله.
أنت مجنونةةة!
صړخ بها شاعرا ببوادر لإصابة بجلطة دماغية أو شلل رباعي يصيبه
يا بت أنا ما عنديش مرارة ليكي يعني أخلص عليكي أريح لي من شغل حلق حوش اللي بتعمليه معايا ده هي حتة صورة وبتاعتي فاكرة نفسك هتشتريني بيها!
خدها يا سيدي.
قالت جملتها ويدها تدخل في جيب صدرها تخرج الصورة وتضعها في يده ليتركها على الفور شاعرا ببعض التشتت حين رآها تسقط على الكرسي غارقة
في نوبة من البكاء
حتى أبويا وأهلي قلبهم علي عمالة أصرخ فيهم وأقول مش طايقاه وهما ما فيش فايدة كلهم ما صدقوا مفكرينه هيغرف ويديهم مش هامهم إن كنت أتحمله ولا لاء أنا حرمة زي باقي الحريم نفسي استريح وأتستر لكن مع واحد عرفان! تيجي إزاي دي
لا ينكر أن بكاءها أثر به وجعله يتعاطف معها وهو في الأساس غير متقبل لزواجها من ذلك الثور المستغل لحوائج البشر حتى ينال مراده. بها شيء ما ذكره بمزيونة عقدة حياته والتي لو انتظرت فقط حتى تكمل السن العادي لفتيات القرية في الزواج كانت ستكون من نصيبه
حتما ولكن عرفان استغل حاجة أهلها للمال كما يفعل الآن مع نورا وأهلها.
عند خاطره الأخير انتفض فجأة متخذا القرار الذي سوف يندم عليه بعد ذلك وربما كان السبب في هلاكه في المستقبل
اسمعي يا بت أنا هساعدك تهربي لكن تغوري بعدها في أي مصېبة بعيد عن هنا.
وبالفعل ساعدها في الهروب سليمة من البلدة ولكنها لم تبتعد.....
.....................
بحث عنها داخل المدرسة التي تعمل بها حتى وجدها أخيرا في ركن منزو هادئ خلف أحد المباني تظلل عليها شجرة كبيرة. كانت جالسة أسفلها مكتفة الذراعين بشرود وفنجان القهوة الذي أعدته بجوارها ساخنا. عيناها تنظران إلى السماء حتى أنها لم تنتبه لحضوره سوى بعد فترة من مراقبته لها وقد كان واقفا بالقرب منها تماما يتأمل ملامحها الحزينة بصمت موجع يريد معرفة السبب خلف ما أوصلها إلى تلك الحالة.
وقد عادت إليه الشراسة الآن لتوبخه
حضرتك مينفعش اللي أنت بتعمله ده أنت إيه اللي جابك هنا أصلا
زفر بحنق ليتغاضى عن جلافتها معه وتناول كرسيا خشبيا يقربه حتى يجلس مقابلا لها قائلا بتحد
حضرتي أعمل اللي أنا عايزه مدام حضرتك مش مريحاني ومطلعة عيني في اللف وراكي أنا عايز أعرف بالظبط إيه اللي صايبك يا اعتماد
صمتت لحظات تطالعه بتردد امتزج بدهشتها من إصراره حتى ردت
أنا مش فاهمة إيه لزوم السؤال من أصله قولتلك إن تمثيلية الخطوبة دي خلصت خلاص يا ريت أنت كمان تقتنع عشان نخلص بقى من الربطة السودا والكلام والحديت.
ضايقه الوصف ولكنه مضطر للصبر عليها ليصل إلى ما يريده
بس أنا ما عنديش استعداد أقتنع يا اعتماد عشان عايزك بالفعل وكل عمايلك معايا بتخليني أتمسك بيكي أكتر حتى لو أنكرتي وادعيتي العكس.
انتابها الارتباك تأثرا بقوله ونظرته الدافئة القادرة على سحق مقاومتها لطوفان المشاعر التي تغمرها بحضوره. بحثت برأسها عن مهرب من عينيه لتجد سلوتها في الارتشاف من فنجان القهوة الذي أعدته لنفسها تدعي لامبالاة مكشوفة
أنا شايفة إن الأمر اتطور معاك لدرجة خلتك تتوهم إني فعلا ميالة لك. من رأيي يا أستاذ
خليفة تحاول تطلع الفكرة دي من راسك عشان تقطع على نفسك طريق الوهم.
ردد خليفة بتصميم
بس أنا ما عنديش نية أشيلها من راسي لأنه أساسا معشش في قلبي للمرة المليون بقولهالك أنا رايدك يا اعتماد رايدك في حلال ربنا.
بماذا تفسر هذا الاضطراب الذي يكتسحها من سحر كلماته جسدها بأكمله يهتز برد فعل غريب عنها يعيد عليها مرة أخرى نيته زواجها منه رغم رفضه يشعرها بأنها امرأة ومرغوبة من رجل مثله رجل هو المثال الحي لكل الصفات التي تحلم بها رجل...
مهلا ما هذا الذي يحدث معها
اهتز الفنجان الذي ترتشف منه بصورة مفاجئة وارتعشت يدها تشعر بدوار خفيف وصداع بدأ ينخر في رأسها. تضع الفنجان ببطء وبصعوبة على الأريكة بجوارها
فتحاول أن تتصرف بصورة طبيعية تهم بالرد عليه ولكن فجأة اتسعت حدقة عينيها وتجمد الډم في عروقها. تشعر پاختناق مفاجئ ولسانها يلتوي تتسارع أنفاسها وهي تخرج الكلمة بصعوبة صوتها أشبه بالهمس.
منادية باسمه
خليفة أنا...
قطعت لعدم قدرتها على الاستكمال لينتبه هو لحالتها ويصيبه الهلع مع رؤية وجهها الذي شحب لونه وعيناها تجمدتا.
ليقترب منها يسألها بقلق بالغ
اعتماد مالك
لم تجب وكأنها فقدت القدرة على النطق وبدأ خليفة يتقدم نحوها بخطوات سريعة وبدأ جسدها بالارتعاش بشكل